الاستدلال على الغائب بالشاهد... في أوراق مؤتمر التجمع

الاستدلال على الغائب بالشاهد... في أوراق مؤتمر التجمع

د. عمر سعيد

ملاحظات الرفيق وئام بلعوم حول الأسئلة الغائبة عن أوراق مؤتمر التجمع جاءت، بلا شك، مثرية للنقاش وهامة بذاتها ومضمونها، وليست بأقل أهمية أنها تصدر عن كادر حزبي واعد يمثل شريحة شبابية مسؤولة، تمتلك الحس النقدي وتجيد استخدام أدواته.

مع ذلك، تبقى خواصر تلك الأفكار الجميلة، التي عرضها رفيقنا، مثقلة برواسٍ تنظيمية، تمنعها من الوقوف على قدميها وتبقيها تراوح في برزخ وسطي، يتمطّى بين الأسباب والنتائج.

وليعذرني أخي وئام على جموح الوصف والتعابير، أحيانًا، إذ أن مقصودها الإيضاح وليس أكثر، فالأسئلة الضرورية الغائبة التي يبحث عنها هي غائبة بالضرورة، لأن غيابَها انعكاسٌ لتشوش سلم الاهتمام وانتكاسٌ تنظيمي بائن يعتري جسد التجمع منذ زمن ليس بقريب، لهذا فالأولى لصديقنا التعامل معها ليس من باب 'سقط سهوا'، أو 'غابت عن أعين القيادة'، بل بصفتها تعبيرًا عن خلل بصري أو غشاوة ألمّت بعينيها وتنتظر الاستشفاء بعلاج النقد والمساءلة.

إن النقد الصحي، وبوجه تمثيلي، يمثل جهاز المناعة الطبيعي لجسد المجتمع والأحزاب، بينما يحتل النقد الداخلي/الذاتي، مرتبة المناعة المكتسبة، أي تلك المناعة المتشكلة في سياق المواجهة مع شظف الحياة الواقعية والتعرض لمسببات المرض. ولأن المناعة المكتسبة تمتلك ذاكرة محددة وشرسة، فإن النقد الذاتي يصبح شديد الفعالية في تقليم أظافر نزعة الانحراف في حياة الأحزاب، بل وشرطًا ضروريًا لوجودها وتطورها.

وبسبب طبيعته المعاندة والمشاكسة للمألوف، لا يحظى النقد الداخلي بمودة قيادة الأحزاب ومؤسساتها، بل غالبًا ما تعتبره أمرا مزعجًا، متذرعةً بكونه يعكر صفو العلاقات الرفاقية ويقوي شوكة الخصوم.

لهذا كله، فقد غابت عن فضاء حزبنا تلك المعالجات النقدية العلنية والقوية، لدرجة أن أقصى مدى وصله خيط النقد لم يتخط حاجز الصوت الحزبي الداخلي. من هنا، فلا ينبغي لأي رفيق التوجس من تبعات ممارسة حق النقد الواعي والمتزن والجريء، والذي قد يصبح واجبًا في بعض الأحايين، وأن لا يتردد في التصويب المتقن نحو مصادر الخلل، كي نقوى على إحداث تأثير حقيقي في الواقع الإشكالي الذي يواجه حزبنا.

فالتجمع الوطني، بمادته البشرية المميزة وطنيا ورصيدها الممهور بالتضحيات والعطاء، وبحضور مميز لذراعه الطلابي الصلب، وباشتماله على أوسع المنظمات الشبابية عددًا وفعاليةً وإخلاصًا، فضلا عن مساهماته النضالية والفكرية التي لا ينكرها سوى حاقد...  ليس ظاهرة طارئة على المشهد الوطني، حتى يخشى النقد والمكاشفة، فما بالكم وكل أحزابنا وحركاتنا تعاني نفس الأعراض، وجميعها 'بالهوى سوا'؟!

من أطرف المفارقات أن أحزابنا وحركاتنا الوطنية العلمانية، وهي أطر إصلاحية حتى النخاع، قد استعارت مقولة 'النقد، والنقد الذاتي' من فكر الأحزاب الثورية نصًا وعملا دون أن تتعمقها، أو حتى أن تجري عليها نقدها. في ذاك الزمن المغاير، جعلت تلك المنظمات الثورية من نظريتها ومشروعها (وأحيانًا من رموزها) مقدسا ثابتا، بحيث تمحور مجال نقدها في الجوانب التطبيقية لبعض سياساتها ونتائجها, بينما انحصر معنى النقد الذاتي، أساسًا، في اعتراف الفرد بأخطائه جهرًا، واستعداده لتحمل المسؤولية عما صدر عنه من تراخ وانحراف.. إلخ.

ولأن أحزابنا وجدت ضالتها مسترخية في ظلال هذه المقولة، فقد تلقفتها وذهبت بها إلى نهاياتها، حتى رسخ في الذهن الحزبي مقصود جديد لمعنى النقد عماده السجال والمحاججة السطحية وصولات التهجم والرد على الأطراف المنافسة (الهروب للأمام)، في حين بقي مفهوم النقد الذاتي لا يتعدى النطاق الشخصي المذكور؛ وهكذا، أفلتت المؤسسات الحزبية وجهازها وقيادتها من طائلة النقد الجدي والمحاسبة على نحو مزمن، لتظل ريشتها منهمكة في رسم أجمل الصور لواقع حزبي متخيل وغير حقيقي.

في مقابل هذه الصورة المحبطة، ينتصب مشهد أكثر مأساوية لدى الحركات الإسلامية، حيث يبدو مناخها الحزبي الداخلي مفارقا لإنجازات الديمقراطية الحديثة، ويتحرك وفقا لقواعد 'الزمن الموازي' الذي يضرب بجذوره لأيام 'الشورى' الأولى، أي منذ الخلافة الراشدة، حيث تفكر القيادة بالنيابة وتنفذ ما تشاء دون أي إزعاج أو اعتراض من قواعدها المتقبلة والمستكينة سلفا.

بالعودة لأسئلة رفيقنا وئام الغائبة، واعتبارنا لها مستولدة عن أسئلة مسكوت عنها أصلا في العشيرة الحزبية، فيمكنه التحقق من صحة ادعائنا باستخدام منهج الاستدلال المعتزلي الشهير والقاضي بقياس الغائب على الشاهد، أو بالاستدلال على الغائب بالشاهد. فقبل أن نسأل أنفسنا هل اختلت المعادلة التي صاغها التجمع؟ أو هل تغيرت إسرائيل؟ أو هل اختلف مزاج الجماهير وطنيًا؟ وما إلى ذلك من الأسئلة، وكلها قد تكون صحيحة، لكنها بمجملها تساؤلات تنتمي لفئة الأسباب الموضوعية، التي لا يملك التجمع أو غيره من الأحزاب الوطنية القدرة على التحكم به، لهذا، فالأولى أن نسأل أنفسنا مثلا: ما الذي تغير فينا وبأولوياتنا الكفاحية، وإن وجدت، فعلينا أن نحدد طبيعة الخلل الذي طرأ على قنوات تلاحمنا وتواصلنا الرفاقي وكشف منابعه، وما هي نقاط الانزياح السياسي عن ثوابتنا، وما علاقة ذلك بتهميش وباستنكاف أو حتى مغادرة صفوف حزبنا رفاق، ممن يستحيل لأي منا تجاهل دورهم الوازن في إسناد ودعم مشروعنا الوطني؟ لماذا توقفت عوامل الجذب لفئات المثقفين والأكاديميين والخريجين، الذين نضجت وتبلورت سويتهم الوطنية في أكناف حزبنا وذراعه الطلابي؟ فتلك ليست ظاهرة عابرة ومنتهية بحدوثها، بل، أيضًا، محطة حاسمة للمراجعة والتفكر ومحاسبة النفس لمواجهة الأسباب الفعلية التي أفضت إليها، فهل تمت المراجعات المطلوبة واتخاذ التدابير اللازمة لوقف هذا النزيف؟!

علينا أن نستوضح ونفهم كيف تراخى النفس العروبي الناصري من مفاصل خطابنا ومشروعنا الجماهيري، وكيف تم زرع ثقافة الجمعيات ومشاريعها المتواضعة مكانه؟، وكيف تآكل شغفنا واهتمامنا المعهود بقضية أسرى الحرية المقدسة وطنيا؟، وكيف اختفت من فعالياتنا إقامة مهرجانات التلاحم والتضامن مع أسرانا وأهاليهم لصالح احتفاليات استعراضية، لا تسمن ولا تغني من جوع؟!

ماذا يتبقى للتجمع من ميزات وطنية راجحة عن غيره من الأحزاب، حينما يخلع ثوبه الأصيل هذا؟ ولماذا لم يعر انتباها مناسبا لسؤال تجديد الوجوه القيادية لحزبنا؟ أين نحن من تطبيق نظم المرافقة والمراقبة والمحاسبة لكادر المتفرغين والمسؤولين، والتي تعد آلية هامة لتنجيع العمل الحزبي وتوجيهه ومنع مظاهر الفهلوة والتغول والتنفذ؟ ماذا عن الإعلام الحزبي وهل هو متاح للجميع دونما تمييز؟ هل علاقتنا بالإعلام العربي المحلي طبيعية؟ هل توظف موارد الحزب المادية على نحو عادل ووفقا لمعايير الحاجة لكل المناطق؟ هل فعلا يطبق مبدأ 'الشخص المناسب للمكان الملائم' في عملية إسناد المهمات القيادية؟ ولماذا تكاد اللجنة المركزية أن تغيب من حياة الحزب؟، ماذا حل بجسور تحالفاتنا وتفاعلنا مع الأحزاب الوطنية المحلية والفصائل خارج الخط الأخضر؟  لماذا ضاع جهدنا المثابر الذي امتزنا به عن غيرنا لمأسسة وهيكلة لجنة المتابعة ولم يشفع لنا بقيادتها؟ وكيف يستطيع 'كل من دامت سلامته' جر الحزب إلى معارك هامشية تؤذي هيبته وحضوره الجماهيري، دون رقيب أو حسيب؟... وغير ذلك من عشرات الأمور الحارقة، حيث لا مكان للتوسع بها هنا أكثر، والتي يتعين على المؤتمر القادم التعاطي معها بحكمة وشجاعة.

فالإصلاح التنظيمي والسياسي والفكري للحزب، أصبح مطلبا شاملا وضالة الجميع، ولا مجال للتغاضي أو الالتفاف عليه تحت أي سبب أو تبرير.

إن الأفكار الطموحة التي أشار إليها رفيقنا وئام لن تتجاوز بنتائجها حدود الوعظ والإرشاد، ولن يكتب لها النجاح والتحقق ما لم يتم تجاوز تلك العقبات الجدية التي تعترض انطلاقة حزبنا المتجددة.

وإن كانت هناك ضرورة للاستدراك بعد تلك الملاحظات النقدية التي سقتها، فلا بد من التأكيد، أولًا، على أن ذلك النقد لا يلغي اعتزازنا العظيم برفاقنا وبقطاعينا الشبابي والطلابي، اللذين يشكلان بقعة ضوء ساطعة متميزة بحضورهم القوي في ساحات العمل والعطاء الوطني والاجتماعي والثقافي، ويبقيان أمل حزبنا الأساسي في استعادة وتحقيق الريادة. ولمن يحاول ابتداع طرائق تنظيمية عصرية أكثر تجاوبًا مع حاجات الحزب نقول: لا عيب ولا بديل عن استخدام البنى والأدوات الحزبية التقليدية المتّبعة، مثلما لا ضرر ولا ضرار من ملاءمتها للمستجدات والتصورات الحديثة، لكن العيب كله أن يستسلم ويتعايش أبناء التجمع مع أخطار التشرذم وضعف وحدتهم الحزبية، والتغاضي عن معوقات مشروعهم الوطني الذي بذلوا الغالي والنفيس في سبيل حمايته وتعميمه واقعا معاشا وخطابا مهيمنا.

اقرأ/ي أيضًا | الهدف: اغتيال روحية الفداء../ د. عمر سعيد

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018