في التحالفات وإعادة صياغة الخطاب السياسي

في التحالفات وإعادة صياغة الخطاب السياسي

سليمان أبو إرشيد

يعتبر المؤتمر محطة هامة في حياة الأحزاب، تتوقف فيها لمراجعة المسيرة وتصويب الأهداف وتصحيح الاستراتيجيات وتجديد دورتها الدموية، لتكون قادرة على استئناف دربها الطويل نحو تحقيق الغايات والآمال المعقودة عليها. وعادة ما تحظى مؤتمرات الأحزاب والحركات المؤثرة في مجتمعاتها بتفاعل أوساط واسعة تتجاوز النخب السياسية والإعلامية لتمتد إلى القواعد الشعبية العريضة للمجتمع، اهتمام ينبع من كون المؤتمر حدثا تتعدى أهميته الحزب نفسه لتطال حياة ومسيرة الشعب الذي ينتسب إليه، وهو مؤشر على الدور الذي يضطلع به الحزب المعني في مسيرة كفاح هذا الشعب.

وبدون شك فان المؤتمر السابع للتجمع الوطني الديمقراطي الذي ينعقد هذه الأيام، يكتسب أهمية استثنائية أيضًا، لأنه ينعقد في مرحلة هامة من مراحل تطور جماهير الداخل والشعب الفلسطيني عموما، تتمثل أساسا بتفاقم مأزق البرنامج الوطني الفلسطيني بعد فشل حل الدولتين ووصول مسار التسوية إلى طريق مسدود، وما يترتب على ذلك من تداعي حوامل هذا البرنامج ممثلة بـ 'م. ت. ف' وترجمتها العملية ' السلطة الفلسطينية'، من جهة، وتصاعد قوة ونفوذ اليمين الصهيوني الاستيطاني داخل المؤسسة الإسرائيلية وما يشكله ذلك من تهديدات وتحديات أمام جماهير شعبنا بين البحر والنهر، من جهة أخرى.

التجمع الذي تشكل استجابة للتحديات التي فرضتها تسوية أوسلو بعد أن أخرجت جماهير الداخل من دائرة الحل، وشكل برنامجه كاسر أمواج في وجه عواصف الأسرلة التي رافقتها، يفترض أنه يواجه اليوم تحديات مرحلة تعثر التسوية وتبدد حل الدولتين وتوطيد سلطة إسرائيل على كامل أراضي فلسطين التاريخية من البحر إلى النهر بعد إسباغ الشرعية على الاستيطان والمستوطنات في الضفة الغربية التي يحتل ممثلوها عددا لا بأس به من مقاعد الحكومة الإسرائيلية.

في حينه، نجح التجمع في ما اصطلح على تسميته بإعادة بناء الحركة الوطنية عبر صياغة برنامج لمواجهة مرحلة أوسلو وتداعياتها. ورغم تعسرات عملية الولادة وتعقيدات مرحلة النمو، فقد نجح في وقف الانزلاق نحو مهاوي الأسرلة وصياغة خطاب عرف حدود المواطنة بنزع الطابع الصهيوني اليهودي عن دولتها الجامعة، مقابل تعميق مفهوم الوطنية من خلال مد تمتين وشائج العلاقة السياسية مع البعد الفلسطيني والفضاء العربي.

إعادة تعريف المواطنة أشعل نقاشا غير مسبوق على مستوى المؤسسة والنخب الإسرائيلية، وسجالا حادا حول مكانة الفلسطينيين في إسرائيل، وحول تغييبهم عن طاولة المفاوضات الخاصة بالقضية الفلسطينية إلى حضور مكثف في منصات الأكاديميا والإعلام الإسرائيليين. سجال نجح بخلق مسار 'أخذ وعطاء' غير رسمي خاص بالفلسطينيين العرب في إسرائيل مواز لمسار المفاوضات الفلسطيني الإسرائيلي الرسمي، وقد أدار د. عزمي بشارة، الذي صمم هذا الخطاب، هذا المسار بنجاح منقطع النظير بعد أن نجح بتحريك فريق واسع من الأكاديميين والسياسيين في هذه المعركة.

بموازاة ذلك، كما أسلفنا، جرى طرق وفتح (عنوة) أبواب العالم العربي، التي لطالما ظلت موصدة أمام الفلسطينيين العرب في إسرائيل، فأصبحت خطوط الشام بيروت (في المستويين الرسمي والشعبي) مفتوحة أيضا، بعد القاهرة عمان ودول المغرب العربي، أي أنه جرى كسر القوقعة التي حبستنا إسرائيل فيها عشرات السنين، واقعين 'تحت رحمتها' لا نستفيد من الحاضنة العربية أو نستقوي بظهرنا الوطني والقومي..

اقتحام الساحتين العربية والإسرائيلية كان يحتاج إلى الكثير من الشجاعة السياسية والإقدام، مكنت التجمع وقيادته من تقدم الصفوف وتعميم خطابها وأداءها السياسي على ساحة الداخل وتوحيد مركباتها خلفهما، بعد أن نجحت ولأول مرة في تشكيل كينونة سياسية خاصة بالفلسطينيين العرب في إسرائيل تخرجهم من الهامش الفلسطيني وتحول دون استقرارهم في الهامش الإسرائيلي.

بعد عشرين عاما نعود إلى نقطة البداية، ونقصد بداية مرحلة جديدة لها تحديات مختلفة، تقضي مواجهتها أولا إعادة صياغة الحركة الوطنية (ونقصد المركبات التي اصطلح على تسميتها تاريخيا بهذا الاسم)،وإقامة تحالفات مع الأطراف التي تتشارك في المستوى الاستراتيجي،  دون إغفال ما هو قائم من تحالفات تكتيكية، إضافة إلى استنباط/ تجديد الخطاب السياسي الملائم لهذه المرحلة، دون إبقائه حبرا على ورق، بل العمل على ترجمته على أرض الواقع عبر مسارات وبرامج عمل تعيد للتجمع والحركة الوطنية هيبتهما ودورهما القيادي. 

اقرأ/ي أيضًا لـ سليمان أبو إرشيد

ملف خاص | انتخابات الكنيست 2019