في واقعنا السياسي: أين "إرادة شعب"؟

في واقعنا السياسي: أين "إرادة شعب"؟

رامي منصور

يبدو الواقع السياسي لدى الفلسطينيين في إسرائيل هذه الأيام وكأنهم 'في صحراء قاحلة'، بلا مشروع سياسي وطني ولا أطر جدية وحتى بلا سجال سياسي، وليس ذلك انعكاسًا لتعثر المشروع الوطني الفلسطيني العام، فلطالما كانوا خلال العقدين الأخيرين في حالة متقدمة مقارنة به، بل ذلك يحصل برغبة لدى أطراف فاعلة بتحويل المشروع والعمل السياسي الوطني إلى عمل برلماني يعتمد على النجومية الفردية، التي لا تحتاج رصيدًا وطنيًا أو فكرًا أو أحزابًا وأطرًا تنظيمية، بل رصد ميزانية للعلاقات العامة وحساب فيسبوك، كما يعكس حالة 'نشاف فكري' وقلة إبداع والتسليم بقواعد اللعبة السياسية الإسرائيلية، إلى جانب تسليم أطراف في الحركة الوطنية هذه الساحة لتلك الفئات، بعد أن غادرتها إلى 'ساحات خارجية' بالإضافة إلى أدائها الضعيف.

 وما حصل أنه في العامين الأخيرين، ومنذ تشكل القائمة الانتخابية المشتركة، وئد أي سجال سياسي وأطلقت رصاصة الرحمة على العمل الوطني، فباتت العلاقة طردية بين 'التحسن في أداء النواب العرب' البرلماني وبين 'أداء  أحزابنا' الوطنية وانتشار خطابها، حتى بات العمل السياسي مقتصرًا على لعب دور الوسيط/ الوكيل بين المؤسسة والمواطن بموازاة استحضار خطاب 'المساواة والشراكة' سيئ الذكر.

وحبل الفهلوة قصير، فمن أراد استحضار خطاب 'المساواة' وتحويل العمل السياسي والبرلماني إلى استعراضات فهلوية صوتية وتقديم خدمات وساطة ومطالبة بميزانيات، فإن بنيامين نتنياهو هو الفهلوي الأكبر والأشطر في هذه البلاد، وبمقدوره الرقص على هذا الحبل بشكل أفضل من كل 'فهلويي الداخل'. وما لقاء نتنياهو، ووزير التربية والتعليم، نفتالي بينيت، بطلاب إحدى مدارس قرية طمرة في مرج ابن عامر، مطلع العام الدراسي الجديد، قبل أيام، إلا بمثابة تتويج رمزي لهذه العملية التي انطلقت قبل عامين، والتي تتحمل مسؤوليتها  القائمة المشتركة بأدائها المخيب للآمال على الساحة الداخلية، والتي حملت شعار 'إرادة شعب' خلال الحملة الانتخابية، لكن بعض مركباتها حولت هذه الإرادة إلى إرادة فردية بلا سياق، ومطالب وخدمات شخصية وأضعفت البعد الجماعي والوطني لهذا الشعب، وهو ما كانت تتمناه حكومات إسرائيل المتتالية، بأن نكون مواطنين أفرادًا، لا جماعة قومية لها مطالبها السياسية والمدنية.

وإذا كان مشروع الحركة الوطنية خلال العقدين الأخيرين 'بناء الأمة' وحقوق قومية، فبات حديثنا اليوم يقتصر عن ترميم مراحيض عامة هنا ومشاركة في ندوة سياسية هناك.

ولم تصبح 'إرادة شعب' رافعة للعمل السياسي والوطني كما كان متوقعًا، وكما كنا نتأمل من تشكل القائمة المشتركة، بل أصبحت أداة لمحو التباينات السياسية بين الأحزاب ولطمس النقاشات والسجالات السياسية، وبالتالي، توقف الحياة السياسية بالكامل، وهذا يبدو مريحًا لبعض الأطراف في المشتركة، التي تحرجها النقاشات السياسية، لأنها لم تخلق لهذا الشيء بل للتمثيل والفهلوة.

وأكدت زيارة نتنياهو وبينيت لقرية طمرة واستقباله وطلابنا يرفعون أعلام إسرائيل ما كان سرًا مكشوفًا، بأن المنافسة من قبل النواب على تقديم الخدمات دون تسييس لقضايا الناس وعلى حساب العمل السياسي الوطني، ترك الميدان خاليًا لأزلام السلطة لكي يسرحوا ويمرحوا في مؤسساتنا التربوية وفي كافة بلداتنا بلا استثناء. ولم نسمع ردًا للمتابعة أو القائمة المشتركة بكافة مركباتها على زيارة نتنياهو وبينيت لقرية طمرة، سوى بعض التصريحات الصحافية أو الستاتوسات وكلها 'كلام ليل يمحوه النهار'، لأنها بلا مشروع وبلا سياق، حتى أن 'فروع الأحزاب' (لمن يتذكر شيئا كهذا) لم تتسابق على إصدار بيانات الإدانة لأنها بكل بساطة لم تعد قائمة.

ومن تقبل في الأمس القريب بالتقسيمات بين 'عربي معتدل' و'عربي متطرف' عندما كان هو بـ'الطرف المعتدل'، عليه أن يتقبل أن هناك من أكثر منه 'اعتدالا' وأنه بات في خانة 'المتطرف'.

ختامًا؛ السؤال بسيط ونحن على أعتاب ذكرى هبة القدس والأقصى: ما هو المشروع السياسي والوطني للعرب الفلسطينيين في إسرائيل؟ هل بات سقف طموحنا السياسي هو الكنيست؟

خصخصة المؤسسات التربوية

والحديث عن انعدام المشروع الوطني للفلسطينيين في الداخل لا يعني انسداد قنوات العمل، بل هي فرصة للتفكير بخطوات عملية لمواجهة الهجمة الحكومية على المواطنين العرب وعلى وعي طلابنا، التي صرح بها علانية وجهارة نتنياهو وبينيت، خصوصًا تصريح الأخير بأن وزارته باشرت بتطبيق تدريس اللغة العبرية في المدارس العربية بدءًا من الروضات الإلزامية، أي كأنها لغة أم.

ومواجهة الخطة الحكومية يستلزم العمل على عدة مستويات، أهمها المستوى التربوي الذي يرتبط بشكل وثيق بالسياسي. ففي معظم بلداتنا جرت خصخصة المدارس، وتحديدا الثانوية وتسليم إداراتها لشركات خارجية ربحية ليست لها رسالة تربوية، وإن كانت فهي إسرائيلية صهيونية، كما يرافق هذه الخصخصة في كثير من الحالات انعدام للشفافية في كيفية اختيار هذه الشركات وحديث عن عدم نزاهة في المناقصات. ومشاريع الخصخصة هذه فشلت فشلا مدويًا، فلم تحقق ما كان متوقعًا منها، سواءً لجهة النهوض بمستوى المدارس وإنجازاتها أو لجهة تنجيع عملية الإدارة وعصرنتها. وقد فشلت في تحقيق ذلك في معظم الحالات.

وفي هذه الحالة يجب أن تكون العبرة لدى أحزابنا ومعظمها ممثلة في السلطات المحلية أنه حان الوقت لكنس هذه الشركات التجارية والدعوة إلى استرجاع مدارسنا لإدارتنا نحن، أصحاب البلاد، وهي المدارس التي خرجت طيلة عقود أفواجًا من الطلاب، يشكلون اليوم العامود الفقري في كافة المجالات وبجدارة، سواءً في العلوم أو التربية أو الصحة والطب وغيرها.

وإذا كان البعض في تياراتنا السياسية يستفزه الحديث عن مؤسسات حكم ذاتي ثقافي ويعتبرها انعزالية قومجية، فهذا لا يعني التنازل عن تبني خطاب وطني واجتماعي، يدعو للتربية الوطنية من خلال تشكيل مؤسسات تربوية محلية وقطرية بموازاة رفض خصخصة مدارسنا ومؤسساتنا التربوية، لأن الخصخصة غالبًا تكون معادية للفكر الاجتماعي لكن يجري تبريرها بالشفافية وتنجيع عمل المؤسسات، إلا أن التجربة أثبتت أن الخصخصة لم تحقق الشفافية بل العكس، ولم تحقق النجاعة بل حولت المدارس إلى مزارع.

في المقابل، أثبتت تجربة المدارس الأهلية الوطنية أن بمقدورها أن تحقق الإنجازات التربوية وأن تقدم مضامين تربوية وطنية حتى لو رافق  ذلك عدم شفافية في بعض المواقع.

كما أن الخصخصة  في حالتنا التي يرافقها هجمة حكومية ممنهجة على وعي طلابنا ومجتمعنا هي أخطر بأضعاف الأضعاف مقارنة بحالات أخرى.

اقرأ/ي أيضًا لـ رامي منصور

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018