الاعتقالات الإسرائيلية الأخيرة: أسباب وتداعيات

الاعتقالات الإسرائيلية الأخيرة: أسباب وتداعيات

خالد بريش

لم تكن حملات الاعتقال الهستيرية التي تنفذها سلطات الاحتلال الإسرائيلية في صفوف كوادر وقيادات التجمع بالمفاجئة بالنسبة للمطلعين على أحوال الداخل الفلسطيني وأوضاعه وما وصلت إليه أشكال النضال والتحدي، التي يقوم بها الشباب الفلسطيني ضد آلة القمع الصهيونية.

فقد أخلت عمليات النضال الانفعالية، التي كان يمارسها الفلسطينيون في يوم من الأيام الساحة لأشكال أخرى من أشكال النضال المنظم القائم على ركائز النضال السلمي، الذي يؤسس لمرحلة جديدة من مراحل الصراع مع المحتل الصهيوني، وهو ما لا ترضى عنه إسرائيل ولا يعجبها بأي حال من الأحوال لكونه يسحب البساط من تحت أقدامها ويفقدها لحججها القديمة القائلة بأنها صاحبة الأرض وإن الفلسطينيين شعب غير موجود أساسًا.

وفي الواقع، فإن أشكال النضال والفعاليات المنظمة التي أخذت تسير بشكل متزامن وفي كل الاتجاهات دون أن تغفل أي جانب من الجوانب تراثيًّا كان أو اقتصاديا أو تربويا أو رياضيا أو موسيقيا أو مسرحيا... إلخ؛ قد بدأت تطرق، بهدوء، أبواب مشاعر ومسامع العالم الحر، وبدأت تنال إعجابا وتعاطفا دوليا يتطور بسرعة، ويضع الإسرائيليين في قفص الاتهام... وبدأت وفود عالمية من المجتمع المدني تتفاعل وتدعم هذه الأشكال النضالية، وهو أمر لم يكن في حسابات الصهاينة، خصوصًا بعدما نجحوا في تربيط وتكبيل منظمة التحرير بأن أدخلوها في متاهات واتفاقيات لا أول لها ولا آخر... ليجدوا أنفسهم في مواجهة مع من اعتقدوا يوما أنهم قد أذابوهم في مجتمعهم وأنه قد تم القضاء على هويتهم وكتم صوتهم إلى الأبد.

فمن هنا تأتي عمليات الاعتقال والتنكيل الهستيرية بالوجوه الوطنية التي تقوم بها سلطات الاحتلال، والتي تحمل الكثير من بصمات سينما هوليود وعرض العضلات لتأكيد وجودها وسيطرتها وهي تدرك تماما أن ذلك سوف يخرج منه الفلسطينيون أكثر قوة وتماسكا، لا لأنهم فقط أصحاب الأرض والحق، بل، أيضًا، لأنهم يستخدمون نفس أسلحتها وتكتيكاتها ويعرفون جيدا ألاعيبها... وأعتقد أن أسباب هذه الحملة كثيرة ولكن من الممكن إجمالها في ثلاثة أسباب رئيسة:

أولها أن التجمع أصبح رقما صعبا على الأرض، خصوصا بعدما دعم صفوفه في الكنيست، وأصبحت مجموعته النيابية لها ثقلها السياسي المستمد من شعبية لا يشكك فيها إلا الأعمى... وأن كوادر التجمع لم يعودوا مجرد مجموعات تهتف وتغني في الساحات عندما يطلب منها ذلك... بل هي مجموعات شبابية منضبطة تمارس نضالها ضمن أطر تنظيمية محددة المعالم والأهداف وهو ما يخيف العدو. ومن ناحية أخرى، فإن تعامل هذه الكتلة النيابية وكوادرها مع برلمانات العالم وسفاراته أكسبها مصداقية، وأصبحت المؤسسات الديمقراطية في العالم مضطرة إلى السماع لهم بل الذهاب إلى أبعد من مجرد السماع، وذلك بالتعاون معهم ودعم تحركاتهم وبعض مشاريعهم بعدما كانوا يوما مجرد شاهد زور يستفيد العدو الصهيوني منهم ومن وجودهم في برلمانه لتغطية ديمقراطيته العنصرية المزيفة، والتي لا تعترف بالآخر ولا بحقوقه وهويته.

لقد انتقل التجمع من مرحلة المراهقة السياسية إلى مرحلة النضوج. وأصبح في نظر شريحة كبيرة من الفلسطينيين هو الحامل للهمِّ الفلسطيني في الداخل بامتياز، بعدما أًصبح بمقدوره خوض معارك سياسية ناجحة ضد مشاريع الاستيطان والتهويد ومحو الهوية الذي تمارسه دولة الصهاينة بصفوف منظمة عرّت الصهاينة أمام العالم وأسقطت عنهم ورق التوت وفضحت عنصريتهم... وقد كان لآخر تحركاتهم النضالية والإعلامية أثرة على ساحة النضال العالمي فلفتت أنظار العالم إلى عملية صهينة النقب وطرد الآلاف من سكانه العرب منه من أجل توطين من يتم تجميعهم من دول العالم المختلفة مكانهم.

ثانيها، ويتعلق بتوقعات كثير من المراقبين حول حملة الاعتقالات هذه إذ كانوا يظنون أنها كانت ستتم في مثل هذه الأيام من العام الماضي، وذلك عندما قامت في الأراضي المحتلة والقدس ما اصطلح على تسميته حينها "هبة الأقصى"، والتي كان من الممكن أن تتطور إلى انتفاضة شاملة يكون لها أثرها العميق والجذري على القضية الفلسطينية ومستقبلها لولا الانقسام الفلسطيني المقيت الذي أصبح واضحا وبما لا يدعو مجالا للشك أنه لا يخدم إلا العدو الصهيوني ومن ورائه الأعدقاء...

قد اكتشف العدو الصهيوني أن أجهزة السلطة الفلسطينية الأمنية مارست دورها المنوط بها بموجب اتفاقيات الذل على أتم ما يرام. وأنها تعاونت مع أجهزته الأمنية وإلى أبعد الحدود لدرجة أصبح الفاصل بينها وبين الخيانة مجرد انبثاق الخيط الأبيض من الخيط الأسود... وأن حماس، وطبقًا لاتفاق غير معلن عبر وسطاء، حافظت على التهدئة والتزمت بذلك، واقتصر دورها على البيانات الشاجبة وخطب الدعم للشباب الفلسطيني المنتفض وهي أمور لا تعني الإسرائيليين كثيرًا. بل قد يكون مرحب فيها أحيانا طالما أن ماكينة الإعلام الصهيوني الدولية تستطيع الاستفادة من كل ذلك.

إلا أن أجهزة البحث والتقصي والدراسات الصهيونية اتضح لها بشكل قاطع، أن تلك الهبة ما هي إلا مجرد رطوبة رشحت من جرة الفخار، وأن الجرة تخفي في أعماقها احتقانا مهولا... والأمر الأخطر الذي تكشف لهم هو أن ديناميكية تلك الهبة كانت محلية صرفة. وأن المساندة الفعلية والهامة التي لقيها الشباب المنتفض كانت من عرب الداخل وقياداتهم... وأن تلك الهبة ما هي إلا تجربة سوف تتطور حتما مع الأيام وستكون بداية لكرة ثلج لو ترك الأمر على حاله بالنسبة لقيادات الصف الثاني والثالث من مناضلي التجمع؛ فكان لا بد من وضع حد سريع لهذا الخطر الذي قد يصعب السيطرة عليه في ما بعد.

ثالثها، وهو في اعتقادي غير منظور بشكل كاف بالنسبة لقطاع كبير من الفلسطينيين، ولكنني أعتبره الأهم ويتعلق بحملات المقاطعة التي تتم بهدوء وبدون ضجيج إعلامي، والتي بدأت تؤثر بشكل مباشر على الاقتصاد الإسرائيلي، حيث شرعت شرائح لا بأس بها في المجتمعات الأوروبية والغربية عموما تتجاوب مع دعوات المقاطعة هذه للبضائع والمنتجات الإسرائيلية، وأصبحت حركات المجتمع المدني العالمية تعتبر أن ما تمارسه إسرائيل بحق الفلسطينيين هو تمييز عنصري محض لا يقبل الجدل ولا بد من مقاومته ومحاربته من خلال المقاطعة.

في الوقت الذي بلغت فيه المقاطعة للمنتجات الإسرائيلية في الداخل وفي مناطق السلطة حدًا أثّر بشكل مباشر على المصنوعات والمنتجات الإسرائيلية، وأصبحت البدائل الفلسطينية لكثير من السلع متوفرة في الأسواق وبنفس الجودة، بل إن بعضها أفضل كونها تراعي مقاييس النوعية الحديثة من ناحية الحفاظ على البيئة وكل الضوابط الصحية الأخرى؛ ما أنعش الاقتصاد الفلسطيني في الداخل وفي مناطق السلطة بسبب الوعي بالهوية والوجود، وأنعش، أيضًا، التجارة البينية بين الفلسطينيين والتي تخطت كل التوقعات وأصبحت سلاحًا غير منظور ووسيلة للرد على سياسات الإسرائيليين المتعنتة.

وهذا أمر خطير جدا بالنسبة لسلطات الاحتلال وتراقبه عن كثب لا لكونه أصبح يزعجها من الناحية المادية، بل لأنه يسير حتما نحو دائرة اقتصادية فلسطينية مغلقة تتخلص من التبعية للاقتصاد الإسرائيلي، مما يعني السير نحو الاستقلالية. لأن استقلال الاقتصاد هو المقدمة الأولى والأساس نحو استقلالية الدولة!

كاتب وناقد لبناني مقيم في باريس 

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018