عن الاعتقالات في الداخل

عن الاعتقالات في الداخل

خالد بريش

لقد خرقت إدارة الرئيس أوباما التقاليد وشذت عن أعرافها من ناحية الصمت وعدم التدخل بشكل مباشر في القضايا الدولية والسياسات الخارجية، والذي يسبق عادة توجه الناخب الأميركي إلى صناديق الاقتراع. فكان خطاب سيد البيت الأبيض أمام الجمعية العمومية للأمم المتحدة بمثابة تبرير للتصرفات الإسرائيلية، وبردا وسلاما على أفعال سلطات الاحتلال وحملات الاعتقال الهمجية غير المسبوقة التي مارستها وتمارسها في الداخل الفلسطيني، والتي شملت عددا كبيرا من كوادر وقيادات الصف الأول والثاني  للتجمع الوطني الديمقراطي (الفلسطيني) ومجموعة كبيرة من الإعلاميين والناشطين المدنيين.

وبإلقاء نظرة على الفقرة الخاصة بالفلسطينيين من هذا الخطاب، والتي قال فيها أوباما: 'من المؤكد أن الإسرائيليين والفلسطينيين سيكونون أفضل حالا إذا رفض الفلسطينيون التحريض/ واعترفوا بشرعية إسرائيل...'. فإننا نلاحظ أنه طلبٌ صريحٌ من الضحية بعدم الاعتراض على جلاده، وتقبل عذاباته ووحشيته. بل هو نداء بأن يتحول الشعب الفلسطيني إلى شعب مازوشي يُقبل يد جلاده وقاتل أطفاله ومغتصب أرضه ووطنه، ويشكره على كل ذلك. إنها دعوة لا لبس فيها إلى الفلسطينيين لكي يتخلوا عن التحريض على دولة إسرائيل، طبعا مقابل لا شيء، لأن إسرائيل لا تعرف من القرآن إلا قوله تعالى: ويل للمصلين!

وكلمة تحريض هذه لها في قواميس إسرائيل الخاصة ألف تفسير وتفسير. فهي تعتبر أن كل اعتراض، أيا كان شكله ونوعه سلميا أو حتى ثقافيا، من قبل الفلسطينيين على تصرفاتها القمعية الهمجية والعنصرية التي تفوق الحدود، ومصادرة أراضيهم وأملاكهم، وبناء المستوطنات عليها، هو عمل تحريضي، وبالتالي يكون هذا الخطاب تبريرا بل هو في حد ذاته تحريض.

إن هذه الحكومة الإسرائيلية المتطرفة التي لا تعترف بإنسانية الفلسطينيين، ولا بوجودهم كشعب وبشر، اللهم إلا إذا كانوا ضمن إطار الخضوع لها ويعملون لحسابها كعبيد، ترحب بكل تأكيد بهذا الخطاب، وكل ما يشبهه مع أنها ليست بحاجة إليه لتقوم بالقمع وإذلال الفلسطينيين، فعندها من الذرائع ما يكفي، وهي أصلا ضمن قوانينها التي هي عبارة عن بوصلة باتجاهين في آن معا. وأعني بذلك وجود تفسيرين لأي قانون أو مادة فيه تبعا للمتهم شكلا ونوعا وجنسا، فهي تعني مثلا السجن مدى الحياة لمجرد الاتهام بالشروع بالقتل بالنسبة للفلسطيني، بينما تعني السجن عدة أشهر، وكثيرا ما تكون مع وقف التنفيذ، عندما يتعلق الأمر بالقتل الفعلي المُتعمَّد من قبل صهيوني لفلسطيني. هذا إن لم يقم أطباء وخبراء نفسانيون بتقديم تقارير تفيد بأنه مضطرب نفسيا وربما عقليا. وكأنه يوجد بين المُشبَّعين بالحقد والكراهية من هم غير ذلك! والمحكمة الأخيرة الخاصة بعملية إحراق عائلة الدوابشة بأكملها، ومحاولات التملص منها خير دليل على ما نحن بصدده لولا متابعتها من وسائل الإعلام العالمية المختلفة وبشيء من الحياء مخافة غضب اللوبي الصهيوني العالمي.

لست مع القائلين إن الإدارة الصهيونية كانت على علم مسبق بالخطاب، وإنها بدأت بتنفيذ القسم الخاص بها قبل إلقائه ليأتي الخطاب فيما بعد ويصب الماء على النار التي تشعلها بحملة اعتقالاتها هذه، ويجعل أمر الاعتراض على التصرفات الإسرائيلية المنافية لحقوق الإنسان وشرائعه، والتي لم تحترمها إسرائيل يوما، وكأنه ردة فعل غير مشروعة لكون الفلسطينيين يقومون بالتحريض عليها ويهددون وجودها.

إن هذه الحملة المسعورة في اعتقادي، وبعيدا عن الخطاب الأوبامي، تذهب في اتجاه واحد وهو أن إسرائيل إنما تقوم بهذه الاعتقالات بهدف تكبيل وتقييد تحركات القيادات الفلسطينية في الداخل من صحفيين وإعلاميين وقيادات سياسية واجتماعية ومدنية، وتضع حدا لهم من قبل أن تقدم وكما عودتنا على اغتنام أية فرصة دولية سانحة لتكرس بسط نفوذها أكثر وأكثر، وتوسع من استيطانها وتقمع أيضا معارضيها من الفلسطينيين ما استطاعت إلى ذلك سبيلا.

فالعالم هذه الأيام ولعدة شهور قادمة قد تصل لسنوات منشغل في القضاء على داعش وأخواتها في العراق وسورية. وقد يغض الطرف عن مغامرة إسرائيلية محدودة تُسوِّقها إسرائيل على أنها استكمال للجهد الدولي في محاربة الإرهاب والتطرف والإسلاميين، خصوصا أن العالم ضاق ذرعا بالعمليات الإرهابية على ساحاته وفي مدنه. وإسرائيل ليست بحاجة طبعا لحجج بل هي من يصنع الحجج والمناسبات والمبررات المدروسة بعناية فتخيطها بإتقان كثوب عرس ومن ثم تقوم قواتها بالمفاجأة والحدث الذي غالبا ما يكون مبررا دوليا وعالميا ويكون له آذان تنصت وتستمع له وتتقبله.

وبالتالي سيكون ذلك في نفس الوقت لضبط إيقاع الإدارة الأميركية القادمة في بداية عهدها، وهي منشغلة في إعداد الملفات، وفي تعيين المسؤولين عنها. وأيضا لتحديد أطر تصريحات الرئيس الأمريكي القادم من قبل أن تصدر جمهوريا كان أم ديمقراطيا لكي لا تتكرر مهزلة تصريحات أوباما التي أطلقها في بداية عهده، والتي أزعجتها إلى حد ما، وأعطت الفلسطينيين أملا باستقلال ودولة سرعان ما تبخر. ولكنه كلف إسرائيل كثيرا من الوقت والجهد إلى أن استطاعت تحويل هذه التصريحات إلى مجرد كلام في الهواء، كأنه لم يخرج عن رئيس أكبر دولة في العالم، وبالتالي انتقلت إلى تطويع إدارته طبقا لسياساتها وأهدافها!

خلاصة القول إن هذه الاعتقالات قد تكون زوبعة في فنجان ومناورة كمناورات إطفاء الحريق التي تتكرر بشكل مضطرد في كل مكان من العالم. وقد تكون تخفي وراءها أشياء أخرى أهم وأعظم، وهو ما سيتضح في الأيام القادمة بعد الانتخابات الأميركية، وربما قُبيلها ومن قبل أن يستقر وضع الإدارة القادمة.

كاتب لبناني يعيش في باريس

إقرأ/ي أيضًا | الاعتقالات الإسرائيلية الأخيرة: أسباب وتداعيات

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018