"دولة المواطنين" بين تطوير شعار "المساواة" وتدوير "الدولة العلمانية"

"دولة المواطنين" بين تطوير شعار "المساواة" وتدوير "الدولة العلمانية"

سليمان أبو إرشيد

لم أشأ أن اعتبره مفكرا، لكن دائما احترمت المنطق السياسي والقدرات الفكرية للأخ والرفيق د. رائف زريق، الذي جمعني به الموقع والموقف في أكثر من سياق، كان آخرها عضويتنا المشتركة في التجمع الوطني الديمقراطي. لذلك أخذت عليه اعتباره وبجرة قلم شعار التجمع 'دولة المواطنين' مجرد تطوير لشعار 'المساواة' الذي يتبناه الحزب الشيوعي، كما أشار في مقال نشره في صحيفة 'السفير' اللبنانية بتاريخ 17.10.16 حيث ورد فيه التالي: 'وجاءت دولة وجاء معها مشروع التواصل مع العالم العربيّ. مشروع دولة المواطنين طالب الدولة الإسرائيليّة بتطبيع علاقاتها مع المواطنين الفلسطينيين وعدم التعامل معهم كأعداء. إنّ مشروع دولة المواطنين ما هو إلاّ تطويرٌ لمشروع المواطنة والمساواة الذي آمن به الحزب الشّيوعي، ومراهنة على حيزٍ إسرائيليّ غير صهيونيّ'. إلى هنا نص الاقتباس.

خيرا فعل د. زريق، عندما ربط بين دولة المواطنين والتواصل مع العالم العربي وجعلهما متلازمة واحدة وكان حري به أن يضعها أمام متلازمة 'المساواة والسلام'، عماد برنامج الحزب الشيوعي الإسرائيلي، الذي يتحدث عن سلام بين إسرائيل والدولة الفلسطينية العتيدة، التي ستقام في الضفة الغربية وقطاع غزة من جهة، وعن مساواة للمواطنين الفلسطينيين داخل إسرائيل.

ولزيادة التوضيح، فإن شعار المساواة الذي رفعه الحزب الشيوعي ردحا من الزمن، لم يستأنف على الطابع اليهودي لإسرائيل ومضمونها الصهيوني، ولا هو تحدى الأساسات الأيديولوجية والدينية التي تقوم عليها وسعى إلى تقويضها وإقامة الدولة المدنية (كنظام سياسي)، التي تقوم على أساس المواطنة المتساوية بين القاطنين ضمن حدودها. كما أن هذا الشعار رسم حدود الفصل الجغرافي/ سياسي بيننا، نحن الفلسطينيين داخل الخط الأخضر وبين شعبنا الفلسطيني، من خلال تحديد الدولة الفلسطينية بحدود الضفة والقطاع إلى جانب إسرائيل.

لذلك، هو فسر على أنه اندماج على هامش المجتمع الإسرائيلي، ربما من خلال خلق 'جيب إسرائيلي غير صهيوني'، إلى جانب التسليم بجوهر وماهية وطبيعة الدولة ورموزها، في حين أن مشروع 'دولة المواطنين'، والذي شكل عصبه الأساسي التيار الذي تمرد على هذا البرنامج، من داخل الحزب الشيوعي، وتطور من خلال التفاعل مع تيارات الحركة الوطنية المحبطة من إسقاطات عملية أوسلو، تشكل كمشروع اعتراضي لعملية الأسرلة والاندماج على هامش المجتمع الإسرائيلي، ودعا لإلغاء الطابع اليهودي للدولة بصفته المدخل الوحيد لتحقيق المواطنة المتساوية، ما جمعه  بالكثير من المشتركات مع دعاوي إقامة المجتمع العلماني الديمقراطي في فلسطين،وما زال يشكل تربة خصبة لاجتهادات الدولة الواحدة.

بالمقابل، فإن الركيزة الثانية لهذا المشروع المتمثلة بـ'البعد القومي' الذي ترجم عبر التواصل مع العالم العربي، وكان المقصود كل العالم العربي، وبالذات الشق المعادي لاسرائيل والذي لا يقيم علاقات دبلوماسية معها، وهناك الكثير من التسطيح عندما نقول إن البعض فهم التواصل على أنه 'التعاون مع 'حزب الله'. هذا التواصل ساهم في كسر القوقعة التي بنتها حولنا إسرائيل وأخرجنا إلى دائرة فضائنا القومي، حيث صار بمقدورنا تنشق هواء بيروت والشام والقاهرة والتفاعل مع فنونها وثقافتها.

التواصل المذكور أعاد الاعتبار لهويتنا القومية والثقافية، التي سعت إسرائيل إلى سلخنا عنها وجعلنا كـ'الكرام على موائد اللئام' نستجدي فتات موائد مسخ الثقافة والهوية. هذا التواصل شد ظهرنا وعزز من مقومات نضالنا وصمودنا في الصراع اليومي مع المؤسسة الإسرائيلية، التي سعت إلى إبقائنا ضعفاء معزولين عن بيئتنا الطبيعية، ليسهل عليها الاستفراد بنا وتطويعنا بما يتناسب مع مخططاتها.

طبعًا، المؤسسة الإسرائيلية لم يرقها هذا التطور، الذي اعتبرته نقلة نوعية في مطالب فلسطينيي الداخل ومحاولة لتقويض الأساسات التي تقوم عليها الدولة، وبالتالي إعادة الصراع إلى بدايته الزمنية والجغرافية الأولى عام ١٩٤٨ ،ولذلك سعت إلى محاصرة هذا المشروع وضربه جنبا إلى جنب مع محاولات تعزيز وتمكين تلك الأساسات بدعائم قانونية وحقوقية، على غرار سلسلة القوانين التي تؤكد يهودية الدولة وفرض المزيد من هيمنة الأغلبية اليهودية على الحيز العام، مقابل طرد الفلسطينيين إلى هوامشه. وفي هذا الإطار ولدت مشاريع الخدمة المدنية والخدمة العسكرية، كذلك جوبهت محاولات كسر التابو على منع التواصل مع بعض الدول العربية بقبضة حديدية، تمثلت بفبركة التهم الأمنية وفرض الأحكام الشديدة على الناشطين.

ولكن، تلخيصا، نستطيع القول إن متلازمة 'دولة المواطنين' و'التواصل مع العالم العربي' بغض النظر عن حمالاتها، قد حيدت متلازمة 'السلام والمساواة'، وسيطرت على المشهد والمنطق السياسي لفلسطينيي الداخل، دون أن يعني ذلك غياب الحاجة لتطوير بدائل وخيارات تتوافق مع متطلبات المرحلة الجديدة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018