المسلم والمسيحي وما بينهما

المسلم والمسيحي وما بينهما

سهيل كيوان

العلاقة بين المسلمين والمسيحيين في المشرق العربي مرت بفترات ذهبية، وكذلك بفترات عصيبة، وذلك بتغير الظروف والحكام على مر التاريخ العربي وما رافق ذلك من تقلبات في الحكم، ومنذ ظهور الإسلام الذي أتى بعد ديانتين سماويتين، صعدت أو هبطت نوعية العلاقات للأفضل أو الأسوأ حسب نوعية الحاكم ونظرته ووعيه وعدله. فمن كان من الحكام يظلم المسلمين، لا يمكن أن يكون عادلا مع المسيحيين، ومن كان عادلا مع المسلمين فحتما سيكون عادلا مع الجميع!

هناك علاقات إنسانية عادية تشمل كل مظاهر الحياة اليومية، من تبادل زيارات ومعايدات وتبادل تجاري وحضور مناسبات وشراكات في العمل، وتوجد أهواء مختلفة، ولكن الذي يجمع المشاعر ويوحدها هي المشاعر الوطنية والقومية التي تجمع في ظلها الجميع، مع تفاوت في مشاعر الانتماء بين الأفراد كما هو في كل مكان في العالم.

تلفت نظري ظاهرة ليست جديدة، عند وقوع حدث سياسي مثل منع الأذان وردة فعل المسيحيين الطبيعية بالوقوف إلى جانب أبناء شعبهم وقوميتهم من المسلمين. يبدأ المسلمون بالكتابة في شبكات التواصل ووسائل الإعلام عن إخلاص المسيحيين لهويتهم وعروبتهم، والتمجيد بموقف هذا المطران وذاك القس وتلك الكنيسة والخوري والكاتب الفلاني على مواقفه القومية والوطنية، والحقيقة أن هذا التمجيد والتأكيد لكل عمل وطني يقوم به مسيحي تعطي شعورا وكأن ما قام به المسيحي غير مألوف أو خارج التوقعات، علما أن هذا هو الأمر الطبيعي الذي يقوم به العربي سواء كان مسلما أو مسيحيا. هذا التمجيد في أحيان كثيرة يهدف إلى غير ما يُظهر.

نعم، يجب إبراز كل موقف وطني وقومي، ولكن يجب أن لا يكون إبرازه وكأنه عمل خارق للعادة، بل يبالغ البعض ويذهب إلى كتابة تساؤلات من طراز "أليس هذا الخوري أفضل من ملايين أصحاب اللحى!"، أو "أليس هذا المطران أفضل من شيوخ العهر!"، "أليس حذاء هذا الرجل أفضل من كل الزعماء العرب"...  يا أخي هذا كلام لا يليق وغير صحيح، ومن المعيب أن نصل إلى هذه الدرجة من التضخيم لموقف طبيعي يقفه مسيحي إلى جانب ابن شعبه وقوميته المسلم، وليس بالضرورة كي نرفع من قيمة موقف المسيحي أن نُحقّر موقف الملايين ونستهتر بهم، فالمسلمون في معظمهم لا يقلون وطنية ولا قومية، ولهم مواقف شرف وعز سواء كانوا شيوخا أو غير شيوخ!

هذه المبالغات التي يسوقها البعض تهدف إلى التأكيد على قومية وإخلاص المسيحي الفلسطيني لشعبه وقوميته، ولكن بطريقة منفرة غير مقبولة، وتنم عن أرضية هشة ينطلق منها هذا المدعي.

المسيحيون العرب مثلهم مثل بقية أبناء شعبهم من الديانات الأخرى، فيهم أيضا العميل، وفيهم الوطني والقومي والأممي، فيهم من نختلف معه مثله مثل المسلم، فيهم رجل السلطة هنا وفي الأردن وسورية ومصر وغيرها، هناك الشيخ المسلم الأزعر الذي قد يعتدي جنسيا على امرأة أو طفل، وقد يسرق، ومثله يوجد رجل الدين المسيحي الفاسد الذي يعتدي جنسيا، فهذا أمر غير محصور بطائفة أو ديانة! ليس ممكنا ومن المستحيل أن يكون جميع المسلمين أنقياء وأوفياء، لا في الحياة الشخصية المدنية والعائلية والاجتماعية ولا في الحياة السياسية وهذا ينطبق على المسيحيين وكل ديانة أخرى.

في الموقف من القضية السورية، هناك من يقف إلى جانب النظام من مسلمين ومسيحيين، حتى أنه أصبح بوقا في الفضائيات للنظام ويتضامن معه ويخلط بشكل غير بريء بين نصرة الشعب السوري والنظام المجرم، فيعتبر أن النظام هو الشعب والشعب هو النظام، والنظام بنظره  يحارب "الإرهاب"، وهكذا يجعل من أغلبية الشعب السوري التي ثارت إرهابيين. هذا الموقف غير مقتصر على رجل دين مسيحي، فهناك رجال دين مسلمون يدافعون عن النظام السوري وجرائمه، هنا في فلسطين وفي سوريو وغيرها.

لدينا مسيحيون يقاومون الخدمة المدنية بقوة، وهناك مسيحيون يدعون إليها وللأسرلة بقوة، هذا أيضا ما يجري عند المسلمين، فهناك متحمسون للخدمة، وهناك معترضون وهناك دعاة أسرلة!

هناك من يخدم في جيش الاحتلال وسلك الشرطة وحرس الحدود من المسلمين والمسيحيين! وأعتقد أن نسبة المسيحيين المنضمين للجيش أقل بكثير من المسلمين، لكنها في الشرطة قد تكون أعلى! وهذا يعني أن الأمر غير مقتصر على طائفة دون أخرى، لا في المواقف القومية، ولا بالمواقف الانتهازية وحتى العميلة والخائنة.

هناك قلق مشروع من قبل أبناء الطوائف المسيحية من تطرف تنظيمات إسلامية، هذا لا ننكره فهو موجود، وهو يقلق المسلمين والناس العاديين كذلك، ولكنه ليس التيار الأقوى بين المسلمين، لا في فلسطين ولا في الوطن العربي، والتيار الأقوى هو تيار الانتماء الوطني.

لكن الذي ثبت، هو أن أنظمة الاستبداد تستفيد من سياسة تخويف الأقليات الدينية مما تسميه الأكثرية "المسلمة السنّية"، وقد ترتكب جرائم لتخويفها. أذكّر بتفجير الكنيسة بالإسكندرية الذي نفذه رجال داخلية مبارك لتخويف الأقباط وإيهام الغرب بأن النظام يدافع عن المسيحيين في وجه هجمة إسلامية متطرفة خطيرة. قضية تخويف الأقليات استغلها جدا وأججها النظام السوري في سورية وفي العالم لصالح بقائه في السلطة ولو على حساب الدماء.   

العلاقة بين أبناء الشعب الواحد يجب أن تكون أعمق من السطحية التي تبث عند كل موقف وطني. المسيحيون العرب مثلهم مثل غيرهم من العرب في فلسطين والمشرق العربي، لهم ما لهم وعليهم ما عليهم، نعم يجب إبراز المواقف الشريفة ولكن دون تحقير مواقف المسلمين لأهداف وأجندات أنظمة استبداد. المسيحيون فيهم النظيف وفيهم النقي وفيهم العميل، فيهم الوطني الشريف وفيهم التافه، فيهم المفكر وفيهم السطحي، وفيهم من يكيل بمكيالين، وبهذا يشترك المسلمون والمسيحيون، ولكن بلا شك أن التيار الأقوى والمركزي بين أبناء شعبنا وأمتنا هو التيار الوطني الإنساني الشريف الذي يوحد بين أبناء القومية العربية الواحدة والتاريخ الواحد واللغة الواحدة، هكذا كان وهكذا سوف يكون، لأن هذا هو الطبيعي، حتى قيام الساعة.

(ملاحظة: لم أتطرق في هذا المقال إلى علاقة المسلمين والمسيحيين مع العرب الدروز لخصوصية الأمر وتعقيداته السياسية والتاريخية وبسبب فرض الخدمة العسكرية الإجبارية على الدروز وما أفرزته، وهذا يحتاج إلى مقالة أخرى).             

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018