الخطابان السياسي والحقوقي... بين التوافق والهيمنة

الخطابان السياسي والحقوقي... بين التوافق والهيمنة

سليمان أبو إرشيد

ساهمت مؤسسات ما يسمى بـ"المجتمع المدني" التي تشكلت مطلع التسعينيات وتكاثرت في نهايتها، في نشوء وتبلور "خطاب حقوقي" يحاكي المواثيق والقوانين الدولية.

ويتمحور الخطاب المذكور في تعريف الجماهير الفلسطينية داخل الخط الأخضر كـ"أقلية قومية" تنطبق عليها معايير وتعريفات الأقليات، كما وردت في الوثائق الدولية، من حيث كونها "جماعة تقل عددا عن بقية سكان الدولة، ويكون أعضاؤها من مواطنيها، ولهم خصائص أثنية، أو دينية، أو لغوية مختلفة عن تلك الخاصة ببقية السكان، كما أن لديهم الرغبة في المحافظة علي تقاليدهم الثقافية والدينية". أو كما جاء في "إعلان فـيينا" 1993: "الأقلـيات القومـية هي المجموعات التي صارت أقليات داخل حدود الدولة نتيجة أحداث تاريخية وقعت ضد إرادتها، وأن العلاقة بين مثل هذه الأقلية والدولة علاقة مستديمة وأفرادها من مواطني هذه الدولة"، أو إعلان الأمم المتحدة للأقليات للعام 1992، الذي أشار في مادته الأولى إلى الأقليات على أساس الهوية القومية أو الإثنية والثقافية والدينية واللغوية، والذي دعا إلى وجوب حماية وجود هذه الأقليات.

ومع تطور عمل مؤسسات ما يسمى بـ"المجتمع المدني" واتساع مداركها القانونية والحقوقية، تطور هذا التعريف من "أقلية قومية" إلى "أقلية أصلانية"، والتي يقصد بها ما تبقى من شعوب بعد تعرض بلدانها لاستعمار كولونيالي، وأبرز هذه الحالات هي أميركا وأستراليا وكندا وإسرائيل، حيث قام  الغزو الاستيطاني في هذه الحالات بالاستيلاء على مكان الشعب الأصلي الذي تواجد فيه ومنح لنفسه أحقية سياسية وتاريخية على الأرض ومنح للمستعمرين حقوقا إضافية وفوقية، على حساب نهب حقوق المجموعة الأصلانية أو ما تبقى منها، بعد عمليات القتل والتهجير التي اقترفت ضدها، مما زاد من دونيتها.

الخطاب الحقوقي، وإن كانت إيجابياته تكمن في نقل قضية جماهير الداخل الفلسطيني إلى موائد المحافل الدولية، على غرار الاتحاد الأوروبي ومؤسسات الأمم المتحدة، إلا أنها تختزلها من قضية شعب جرى تجزئته بعد استعمار بلاده وتهجير غالبيته وإقامة كيان كولونيالي على أنقاضه، شعب يناضل من أجل العودة وإحقاق حقوقه الوطنية فوق أرضه، إلى مجرد أقلية أو بقايا شعب أصلاني على غرار مجموعات الهنود الحمر في أميركا أو غيرها من بقايا الشعوب المنقرضة، التي تسعى للحصول على حقها في المساواة مع الأغلبية التي تشكل المجتمع الكولنيالي.

هذا الخطاب كان سيكون صالحا لو أخضع لخطاب سياسي مهيمن وشامل، يتفرع عنه مثل هذا الشق الحقوقي الفرعي، الذي يتم توظيفه بعناية للإفادة من المواثيق والمحافل الدولية وطرح قضايانا المدنية أمامها كوسيلة للضغط على دولة إسرائيل لتلبية هذه المطالب. لكن ما يحدث عمليا هو العكس، إذ يهيمن الخطاب الحقوقي على الخطاب السياسي، بفعل ضعف قوى العمل السياسي واختلال الميزان لصالح الجمعيات ومؤسسات ما يسمى بـ"المجتمع المدني" التي باتت تفرض أجندتها وخطابها الحقوقي المجزوء على ساحة العمل الوطني. ومخاطر هذا الخطاب، في أنه لا يتماشى مع توجهات جميع أجزاء الشعب الفلسطيني السياسية، ويحمل إسقاطات سياسية تتناقض والتطلعات الوطنية الفلسطينية وحق تقرير المصير في إطار دولة فلسطينية مستقلة. 

وحتى عندما تجري مقارنة الحالة الإسرائيلية بدول استعمارية - استيطانية أخرى في العالم مثل كندا وأستراليا والتي قامت بخطوات عملية  وجدية، وإن كانت غير كافية، تجاه المجموعات الأصلانية التي تعيش بين ظهرانيها، من خلال الاعتراف بحقوقها وانتهاج عدالة تصحيحية لتصحيح الغبن التاريخي أيضًا، نجد إسرائيل مستمرة بتعنتها وإنكارها لــ"حقوق الأقلية الفلسطينية الأصلانية"، علما أن الفلسطينيين داخل الخط الأخضر يختلفون عن بقايا الشعوب الأصلانية في العالم، ليس بسبب كونهم جزء من شعب جرى تمزيق وطنه واشلاؤه فقط، وترتبط مسألة حل قضيتهم بحل قضية شعبهم فقط، بل أيضا، بسبب كون فكر وممارسة الحركة الصهيونية كحركة استعمارية استيطانية ما زال فاعلا وعمليات النهب ما زالت مستمرة إلى يومنا هذا، ولم تتوقف عند مرحلة تاريخية معينة.

الخطاب السياسي يفترض أنه خطاب تعبوي تحشيدي موجه إلى الناس وإلى الأجيال القادمة، في ظل صراع طويل ومرير استمر أجيالا وقد يتواصل إلى أجيال أخرى، وهو خطاب وطني شامل ينطوي على مركبات مدنية وقومية ويراعي الخصوصية، دون أن ينزع هذه الجماهير عن قضية الكل الفلسطيني الكاملة.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018