لسنا "شبيبة تلال"

لسنا "شبيبة تلال"

بلال ضاهر

صعوبة التنفس في حيفا بالغة، ومن جميع النواحي. بسبب الدخان المنبعث من الحرائق المشتعلة في عدة مواقع في المدينة؛ وبسبب المشهد المحزن للحرائق، ومشاهد ألسنة النار وهي تلتهم الأشجار الخضر وتحاصر البيوت والبنايات؛ وبسبب مشاهد إجلاء عشرات آلاف السكان من أحياء تقع في قمة جبل الكرمل، وهي أجمل أحياء المدينة والتي تطل على الجبل الأخضر والبحر. وبسبب إخلاء الجامعة والتخنيون والأنباء عن إخلاء مستشفيات. ويزداد اختناق العربي في حيفا عندما يسمع شتيمته والتحريض عليه بأم أذنه، بعد اتهام العرب بأنهم تعمدوا إضرام النيران.

لماذا يقوم أحد بإضرام النار ويتسبب بحريق كبير لإحدى أجمل مناطق وطنه، عروس البحر حيفا؟ ما الذي سيحققه من ذلك وأية مقاومة هذه؟ لا أحد يجيب على هذا السؤال. يلقي العنصريون في إسرائيل تحريضهم ضد العرب وحسب. ولا أحد يسأل عن المنطق في هكذا تحريض، يغرق الشارع الإسرائيلي بنزعات العنصرية، ويدفع المارة في الشوارع إلى إطلاق الشتائم على العرب... هكذا علنا دون رادع.

لكن لماذا لا يشعر الإسرائيلي المُحرَض بالخجل، في الوقت الذي يمارس فيه المسؤولون الإسرائيليون، من أعلى مستوى، التحريض ضد العرب. وادعى نتنياهو أنه 'توجد مؤشرات على إضرام نار متعمد أيضا'. وقال وزير الأمن الداخلي، غلعاد إردان، إن نصف الحرائق في البلاد ناجمة عن إضرام نار متعمد. وأعلن 'الشاباك' أنه ضالع في التحقيق في الحرائق وما إذا كانت متعمدة.

كذلك ادعى المفتش العام للشرطة الإسرائيلية، روني ألشيخ، أنه 'على الأرجح أن إضرام النار تم بدوافع قومية'. لماذا قومية؟ الإسرائيليون لا يطرحون هذا السؤال ولا يجيبون عليه. لكن الأخطر من ذلك هو التحريض ضد الفلسطينيين في كلا جانبي الخط الأخضر بشكل جماعي. فعبارة 'خلفية قومية' أو 'دافع قومي' بالنسبة للإسرائيليين، هي كلمة سر تعني التعميم ضد كل من هو ليس يهوديا.

وغذّت وسائل الإعلام الإسرائيلية تحريض المسؤولين الإسرائيليين، بل أن بعضها مارس التحريض فعلا، مثل موقع 'يديعوت أحرونوت' الالكتروني (ynet)، الذي وصف الوضع في اليومين الماضيين بأنه 'انتفاضة إشعال الحرائق'.

لكن الأمر المؤكد هو أنه لا تجتاح البلاد 'انتفاضة إشعال حرائق' فلسطينية، وذلك لسبب بسيط وبالغ الوضوح وهو أن هذه بلاد الفلسطينيين قبل أن تكون بلاد الإسرائيليين. وبالنسبة للفلسطينيين، الوطن هو فلسطين التاريخية كلها، وأية كارثة تصيب أي جزء منه يؤلم جميع الفلسطينيين، أينما تواجدوا. ولذلك، فإن الهاشتاغ القائل إن 'الكيان الصهيوني يحترق' أو 'إسرائيل تحترق' لا يعكس مواقف غالبية الفلسطينيين ولا مشاعرهم كأصحاب البلاد حيال الحرائق التي اشتعلت والتي ما زالت مشتعلة في البلاد. ربما يعكس هذا الهاشتاغ مشاعر حكام إسرائيل الذين يمثلون المستوطنين، الذين يضرمون النار باستمرار في حقول الفلسطينيين وكروم الزيتون والمساجد والكنائس.

عندما اشتعلت حرائق في الماضي، اعتقلت السلطات عربا بادعاء أنهم تسببوا بحريق بعد إلقاء سيجارة أو إلقاء حجر نرجيلة مشتعل. وربما تستخدم ادعاءات كهذه الآن، لكن سيفرج عنهم بسرعة مثلما حصل سابقا. لكن اتجاه التحريض الإسرائيلي الآن يسير نحو تجريم عرب كتبوا تعليقا في إحدى شبكات التواصل الاجتماعي من دون ترجيح للرأي، بصيغة الهاشتاغ المذكور أعلاه، وهؤلاء قليلون. ومحاولة إسرائيل شيطنة الفلسطيني لن تجدي نفعا.     

لسنا 'شبيبة تلال' لنحرق وطننا. لسنا غزاة، نحن أصحاب الوطن.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018