تضامن لا يعيدهم  للحرية

تضامن لا يعيدهم للحرية

نزار السهلي

ينهي الأسرى المضربون عن الطعام في المعتقلات الإسرائيلية، الأسبوع الرابع على وقع تعاطف كبير من الشارع الفلسطيني، لإصرارهم على خوض اضراب الكرامة، ويشهد التضامن معهم العديد من الوقفات الاحتجاجية والإعلامية المتضامنة مع قضيتهم الوطنية والإنسانية، إلى ذلك، لا تزال مخاطر دخول العديد من الأسرى في غيبوبة بين الحياة والموت، بسبب التجاهل واللامبالاة تجاههم، وعدم إعطاء قضيتهم الاهتمام المناسب من قبل الجهات الفلسطينية الرسمية  والعربية، ففي الوقت الذي تحاول فيه مصلحة السجون الاسرائيلية إيجاد "حلول" عبر التغذية القسرية للسجناء، يتم عن عمد، تجاهل إثارة معاناة الأسرى وإضرابهم في اجندة القيادة الفلسطينية.

 تجلى هذا التجاهل في زيارة الرئيس عباس الأخيرة لواشنطن، عندما وردت قضية الأسرى في باب الابتزاز والمراوغة في كلمتة عن أن قضية الأسرى، من قضايا الحل النهائي الذي تقبل به السلطة الفلسطينية في حال تم تحريك ملف المفاوضات.

تكتفي قيادة السلطة، ومن خلفها فصائلها "الثورية والوطنية" ببيانات التضامن مع الأسرى ومن بينهم أمين عام تنظيم فلسطيني، وأعضاء المجلس التشريعي وقيادات وطنية وكوادر تنظيمية، ومئات من النشطاء المقاومين، بإطلاق المناشدات للمنظمات الدولية للضغط على حكومة الاحتلال، دون وجود أجندة سياسية ووطنية تعمل على إطلاق سراح الأسرى، أو تحقيق أدنى المطالب الإنسانية لهم، والتي لن تغير من مساحة  الزنازين التي يقبع خلفها آلاف الأسرى، مع الاكتفاء بفعاليات رفع الكراتين المخطوط عليها شعارات التضامن، وترك الأمر على هذا النحو لإثارة قضية الأسرى، إذ تحمل هذه الفعاليات ميوعة وابتعادًا حقيقيًّا عن قضيتهم المستمرة لنحو عقدين.

"جريمة" الأسرى التي ادخلتهم قفص الاعتقال، قائمة على أجندة سلطة استمرأت وجودهم وقضيتهم الاستعمالية في مواسم التضامن، وفي يوم الأسير، كما باقي القضايا الأخرى مثل الاستيطان وتهويد المدن وإقامة الجدران العازلة، حيث أنّ الجريمة في عرف التنسيق الامني تضع "جرائم" الأسرى اولوية للملاحقة والمطاردة لهم، فكيف ينشأ التضامن معهم إن كان أشقاؤهم وشعبهم يجرم لأدنى افعال "الوطنية" خارج أسوار المعتقل؟

أسهمت العقلية والذراع الأمني المنسق مع السجان، في استدراج أحمد سعدات للاعتقال، وبالإيقاع بمروان البرغوثي، وقبلها كانت وشايات التنسيق الأمني تسقط المئات من المقاومين في شباك الأسر، وتبعد العشرات عن مدنهم، فيما عرف بـ "مبعدو كنيسة المهد"، حتى غدت فعلا يوميا مألوفا ومطلوبا تكراره، وذلك لكي يعطي دفعا إضافيا لبند التنسيق الأمني الذي تفاخر به السلطة ليل نهار أمام "المحتل" الذي كان عدوا وما زال للأسرى،  لتنزع منه مبررات استمرار مقاومته للاحتلال، وأسهمت تلك العقلية في تكريس كذبة فجة وواضحة عن تحمل قضية الأسرى والتضامن معها.

لا يستقيم التنسيق الأمني وبث الإشارات المبتزة لقضيتهم بترحيلها لمفاوضات، خبرها الأسير قبل المحرر دون أن تدرك أيضا أن المحتل ليس بحاجة لمبررات مواصلة فعل الاعتقال، لأنه محتل يقوم على انتهاك كل المقدسات والمحرمات.

يكفي العودة لسجال مركزية " فتح " عن الخوض بالإضراب او عدمه، ويقيناً لدى البعض هواجس وامنيات ان يكون هو السجان بدلاً من المحتل، ليطبق بطشه عليهم كي لا تستمر الكرامة الفاضحة لعجز السلطة .

تحولت قضية الأسرى لمادة شعاراتية، في إيديولوجية السلطة القائمة على التنسيق الأمني، فهي تجرم الأفعال النضالية الأقل في فعلها وتأثيرها من تلك التي أُسر لأجلها المعتقلون عند الاحتلال، وقسم لا يستهان به من المعتقلين، بعد أوسلو تم الإيقاع به تحت بند التنسيق الأمني، فكيف سيتم الاكتراث به إن كان مضربا عن الطعام أو لم يكن، طالما أن تغييبه يخدم الاجندة المشتركة "للمؤمنين" بحلول سلام تقوم على تبادل التنسيق من جهة واحدة، يضمن للسلطة الاستمرار بعملها القائم اساساً على أهم بند تقوم عليه، فضلاً عن بقية الأسرى المنتمين جغرافياً لـ فلسطين 48، والذين التي تعتبرهم السلطة شأنًا إسرائيليًا داخليًا وتعتبرهم إسرائيل قضيتها.

فعل التضامن الرسمي مع قضية الأسرى، هو فعل العاجز عن التأثير أو الممتنع عن ممارسات تضع حدًا للمحتل، بعد أن سلم بكل أوراق القوة لديه، وهو فعل تبرئة النفس أمام الشارع المكبل بدوره بعمليات تمويل العجز المضاعف بتضامن موسمي لا يعيد الحرية للأسرى ولا للأرض.