بعد 19+ 50 عاما: إسرائيل توطد سيطرتها على فلسطين التاريخية

بعد 19+ 50 عاما: إسرائيل توطد سيطرتها على فلسطين التاريخية

سليمان أبو إرشيد

هو بن غوريون ذاته الذي جرى بإشارة من يده ترحيل سكان اللد والرملة عام 1948، الذي طلب إزالة مراحيض ملاصقة لحائط البراق عام 1967، فجرى إزالة حارة المغاربة كلها ومحوها عن الوجود.

إنها ليست مفارقة، بل استكمال لمشروع بدأ عام 1948 واستكمل عام 1967 بالسيطرة على كامل فلسطين التاريخية وبدء تثبيت ركائز هذه السيطرة بالتهجير والاستيطان وفرض حقائق جديدة على الأرض، وبغض النظر أن ما جرى عام 67 كان إصلاح خطأ ارتكب رغما عن بن غوريون أو هو إصلاح خطأ بن غوريون ذاته، فإن وجود الأخير في المشهد ساهم في اكتمال الصورة التاريخية. 

احتجاج مؤسس الدولة العبرية العجوز، الذي حث الخطى إلى المدينة المقدسة في اليوم التالي لاحتلال البلدة القديمة، مهد الطريق أمام هدم حارة المغاربة التي ضمت 135 بيتا، وتغيير طابعها التاريخي عبر إزالة أحد مكوناتها وأحيائها ومعلم هام من معالمها الممتدة لمئات السنين.

ومثلما فشل المؤرخون الجدد في العثور على قرارات موثقة وأوامر مثبتة، يدعو فيها قادة العصابات الصهيونية إلى تهجير الفلسطينيين وممارسة جرائم التطهير العرقي التي ارتكبت عام 1948، فكان التهجير يتم بإشارة، والقتل ينفذ بإيماءة مثلا، كذلك فشل الذين حققوا في عملية هدم حارة المغاربة وتهجير أهلها، وبينهم الصحفي عوزي بنزيمان، بالعثور على وثائق تتضمن أوامر مباشرة بتنفيذ عملية الهدم.

 بنزيمان، الذي كان خلال الحرب مراسلا عسكريا لصحيفة 'هآرتس' في المدينة وأصدر كتاب 'القدس - مدينة بلا أسوار'، يقول إن عملية الهدم نفذت بـ'غمزات'، دون قرارات رسمية  ودون تصاريح مكتوبة ودون عملية اتخاذ قرارات واضحة وموثقة.

هكذا جرى في حارة المغاربة وفي ما يسمى بـ'حارة اليهود' في البلدة القديمة، حيث أجاز شلومو لاهط تشيتش (رئيس بلدية تل ابيب لاحقا)، الذي عين حاكما عسكريا للمدينة، لقيادات بدرجات متوسطة في الجيش الإسرائيلي، بإخلاء سكانها العرب ونقلهم إلى حارات أخرى، بينما لم تسفر محاولات أجراها الجيش الإسرائيلي لاحقا لمعرفة المسؤولين عن هذه العملية، عن نتائج تذكر.

بعد التهجير والتطهير العرقي جاء الاحلال والاستيطان، ومرة أخرى تدخلت يد بن غوريون، ذاته، في اجتماع عقد في منتصف حزيران 67 في بيت رئيس بلدية غربي القدس، تيدي كولك، حضره موشيه ديان، موشيه حاييم شبيرا، مناحيم بيغن ويوسف سبير، دعا فيه 'العجوز' إلى توطين كميات كبيرة من اليهود شرقي القدس بأقصى سرعة.

وفي تموز 1967 خرجت أول خطة استيطانية رسمية لـ'ترميم' 'الحي اليهودي' في القدس القديمة وتوطينه بـ 5000 مستوطن يهودي، إضافة إلى إقامة أحياء استيطانية في المنطقة الفاصلة بين شرق القدس وغربها، حيث تم الإعلان عن مصادرة 3345 لإقامة الأحياء الاستيطانية 'التلة الفرنسية' و'أرمون هنتسيف' وتوطين 10000 مستوطن يهودي. 

إن إزالة حارة المغاربة، كشف عن النوايا الحقيقية للاحتلال منذ أيامه الأولى، وعن وجهه الاستيطاني السرطاني الذي تفشى على مدى 50 عاما في مفاصل الجسد الفلسطيني وتمكن منه، رغم الفشل في ممارسة سياسة تهجير للفلسطينيين على نطاق واسع، مثلما حدث عام 1948، حيث تمت عملية اقتلاع السكان الأصليين وإحلال مستوطنين محلهم، فالحديث يجري هنا عن حي صغير من أحياء القدس القديمة في وقت بقيت فيه المدينة عامرة بغالبية أهلها، بينما جرى عام 48 تهجير غالبية سكان حيفا ويافا مثلا وإحلال مستوطنين مكانهم وفي بيوتهم ذاتها.

بالمحصلة، فإن النتيجة واحدة، وهي السيطرة على الأرض وزرعها بالمستوطنات، دون مراعاة لوجود السكان، الذين يجري 'التعامل معهم' عندما يصطدم وجودهم مع المخطط الاستيطاني المرسوم سلفا، هكذا جرى في حارة المغاربة وما يسمى بالحي اليهودي في البلدة القديمة غداة الحرب مباشرة، وهكذا يجري في سلوان والشيخ جراح والخليل اليوم حيث 'يسري' الاستيطان في قلب هذه المدن.

بموازاة ذلك، تجري عملية تطهير عرقي هادئة في مناطق 'جـ' التي تشكل أكثر من 60% من مساحة الضفة الغربية، لتسهيل عملية فرض السيادة الإسرائيلية عليها وحشر الفلسطينيين في مناطق 'أ' و 'ب' في معازل محاطة بالجدران و'المحسومات' العسكرية، ولعل أكبر هذه المعازل هو قطاع غزة، محكم الإغلاق، إلا برحمة إسرائيل الذاهبة نحو توطيد سيطرتها على كامل فلسطين التاريخية، حتى لو كان ذلك بثمن تأسيس نظام فصل عنصري 'أبرتهايد'.

اقرأ/ي أيضًا | 'بروتوكولات حرب 67'

بعد 50 عاما يتأكد أن احتلال 67 كان بمثابة تصحيح خطأ عدم السيطرة على كامل فلسطين عام 48، وأن الحديث عن 'لو وافقنا على قرار التقسيم'، هو أشبه بالحديث عن 'وافقنا على أوسلو' اليوم، وفي الحالتين فإن المشروع الصهيوني يقوم بإصلاح أخطائه او إعادة حساباته وفقا لميزان القوى القائم، هكذا فعل عام 67 باستكمال احتلال فلسطين وهكذا فعل عام 2000 بإعادة احتلال المدن الفلسطينية وإصلاح ما اعتبره خطأ أوسلو او الخطأ الذي وقع فيه أوسلو والذي كان من شأنه أن يجعله رافعة لسيادة فلسطينية، وإعادته إلى وضعه الطبيعي كصيغة لشرعنة السيادة الإسرائيلية على كامل فلسطين.  

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018