عن صعود الطبقة الوسطى

عن صعود الطبقة الوسطى

رامي منصور

يفاجأ الإعلام الإسرائيلي كل مرة من جديد بالإحصائيات "الإيجابية” عن الفلسطينيين في إسرائيل، والتي تتنافى ومعتقداته العنصرية، مثل أن نسبة النساء العربيات تصل إلى 72 في المئة من مجموع الطلاب العرب الذين حصلوا على اللقب الجامعي الأول، فيما مخياله العنصري يصور المرأة العربية على أنها طفيلية وأمية وجاهلة.

لكن ليس هذا الموضوع ههنا، ولا الاهتمام المتأخر لملحق “هآرتس” الاقتصادي (ذي ماركير) بالتوقعات الديمغرافية لدائرة الإحصاء المركزية في إسرائيل للعام 2065 والتي نشرت العام الماضي، وقدّرت بأن نسبة العرب في إسرائيل (يشمل القدس والجولان المحتلين) ستتراجع من 21 في المئة تقريبًا في الوقت الراهن إلى 19 في المئة في العام 2065.

يعزو باحثون هذا التراجع بنسبة العرب إلى هبوط نسبة الولادة بينهم من 4.5 في المئة قبل عقدين إلى 3.1 في المئة في الوقت الراهن، مقارنة مع نسبة ولادة تتراوح ما بين 6.5 إلى 7 في المئة في أوساط الحريديم، فيما نسبة الولادة لدى اليهود غير المتدينين – الحريديم سجلت ارتفاعا طفيفا لتصل إلى 2.6 في المئة، أي أن نسبة الولادة لدى العرب واليهود غير المتدينين – الحريديم متقاربة.

لكن الأمر الملفت هي المعطيات التي أوردها التقرير على لسان د. عزيز حيدر، وهي بأن نسبة الطبقة الوسطى في المجتمع العربي في ارتفاع “دراماتيكي”، إذ تصل اليوم إلى 27 في المئة مقارنة بـ17 في المئة قبل عقدين، فيما تصل نسبة الأثرياء إلى 3 في المئة فقط.

ويربط الباحثون في تحولات المجتمع العربي ما بين اتساع الطبقة الوسطى وارتفاع نسبة التعليم وبين تراجع نسبة الولادة، إذ تفضل الأسر الشابة من الطبقة الوسطى إنجاب ما بين 2-3 أبناء، لضمان مستوى معيشة أعلى وتربية وتعليم أفضل.

وهذه المعطيات ظاهرة كونية وتحصل في معظم دول العالم، لكنها تستدعي أبحاثا اجتماعية معمقة عندنا، وليس في التحولات الحالية فقط، وإنما من أجل تنبؤ المستقبل.

وقد تناولتُ التوقعات الديمغرافية للعام 2065 في مقالين منفصلين الأول عن تحول النخب في المجتمع الإسرائيلي، والثاني عن التحولات الاجتماعية في المجتمع العربي في إسرائيل عشية يوم الأرض الأربعين.

اتساع الطبقة الوسطى

اتساع هذه الطبقة هو أمر محمود ومطلوب، لأنه يعني تحسنا في مستوى المعيشة والصحة والتربية، يعني التقدم والتطور، ويعني أيضا انتشار الثقافة بما تعنيه من أدب ومسرح وسينما، ويعني أيضا بنية تحتية متينة للحركة الوطنية وللحداثة، ويعني أيضا جامعة ومكتبات عامة وفرق فنية وغيرها. لا تطور سياسي واقتصادي وثقافي من دون طبقة وسطى ونخبها.

لكن الواقع العربي ليس بهذه الوردية، لأن اتساع هذه الطبقة يجري على هامش المدنية اليهودية المستعمِرة، ويجري في قرى عربية خسرت هويتها الريفية دون أن تنتج هوية مدنية، وإنما ارتفاعا في الجريمة والعنف واكتظاظا سكنيا لا يناسب القرية أو البلدة الصغيرة بالإضافة إلى الفقر المدقع والبطالة، كما إنها لا توفر أدنى منشآت المدينة الحديثة، من حيز عام على شكل حركة سياسية واجتماعية وثقافية، أو حتى مناطق صناعية حديثة (وليس كراجات سيارات)، أو خدمة مواصلات متطورة.

تتميز هذه الطبقة الوسطى في ظل هذا الواقع بعدم إنتاجية اقتصادية تنموية محلية، وإنما تتحول بلداتها إلى فنادق للمبيت بعد ساعات العمل الطويلة، كما يكون سلوكها السياسي المحلي وفق انتماءات عائلية أو طائفية أو مصلحية ضيقة.

في هذه الحالة، تنشأ طبقة وسطى تعيش في حالة اغتراب تام عن محيطها في دائرتها الأولى، أي البلدة، وفي دائرتها الثانية، البلدة اليهودية أو مجتمع العمل الإسرائيلي.

ويرافق هذا الاغتراب حالة “كبت” أو “ضيق” لا تسمح لها بممارستها إمكانيتها الثقافية والاقتصادية الحقيقية، ما يدفعها إلى خيارين، إما والانكماش إلى الداخل وإما إلى الخروج.

الانكماش إلى الداخل يعني العيش في “فقاعة” معزولة عن باقي مجتمع القرية أو البلدة، بما يعني ذلك من اغتراب عن قضايا البلدة الاجتماعية والسياسية، أي أن الطبقة الوسطى تتخلى عن مهمتها في تطوير المجتمع أو “تخون” دورها، وهذا يعني أيضا أن بلداتنا العربية تتجه بشكل سريع إلى فروقات طبقية اقتصادية، بحيث يصبح هناك “مجتمع أغنياء” غير منتج (الأقلية) ومجتمع فقراء غارق في الإحباط والعنف والجريمة (الأغلبية).

أما الخروج وهي الحالة الطبيعية للطبقة الوسطى، فتعني البحث عن حلول فردية على هامش المدينة اليهودية المستعمِرة في ظل فقدان المدينة العربية منذ دمرتها الصهيونية في النكبة.

في الحالتين، يكون الاغتراب هو المهيمن غالبا، وهذا يعني أن البلدات العربية أو المجتمع العربي سيكون من دون قيادة مجتمعية، سياسيا واقتصاديا، تمكنه من النهوض. وهذا هو مصير الطبقات الوسطى في الظروف الاستعمارية، بأنها تتحول إلى جاليات إذ لم تنشأ حركة ومؤسسات وطنية تضبطها وتبنيها، مثل بناء المدرسة الوطنية والنادي وغيرها. وفي أحسن الأحوال فإن وظيفتها سيقتصر على أداء أدوار كومبرادورية.

يخطئ تقرير “ذي ماركير” عن التوقعات الديمغرافية بتقديره بأن اهتمامات الطبقة الوسطى غير سياسية وإنما تتمحور بالأساس بالتطور الاجتماعي والتنمية المجتمعية والقضايا الحياتية مثل توفير شبكات صرف صحي وميزانيات بلدية. هذا تقدير سطحي، لأن الطبقة الوسطى في الحالة الاستعمارية لا تبحث عن حلول جماعية بل عن حلول فردية وسريعة، سياسية واقتصادية، في ظل الانهيار الحاصل في محيطها ولا يهمها حقا توفير الظروف الحياتية لكل المجتمع، فكونها محبطة من السياسة ومن قدرتها في التأثير وتغيير الواقع، فتبحث عن حلول سريعة وفردية. وفي حالة تركيزها على التنمية المجتمعية والاقتصادية بدلا من السياسة، عندها سيصطدم عزوفها عن السياسة وانشغالها بالتطوير الاقتصادي والمجتمعي عاجلا أم آجلا بجدار العنصرية الإسرائيلية.

هناك عشرات الآلاف من الخريجين الأكاديميين في السنوات القليلة المقبلة في مواضيع محددة مثل الصيدلة والطب على أنواعه وغيرها، الذين سيعززون هذه الطبقة وسيزيدون من حجمها في المجتمع، وهذا يحتاج استراتيجية لتحديثها وتطويرها حتى لا تتحول لمجرد قوى عاملة أجيرة ورخيصة في الاقتصاد الإسرائيلي.

إذًا، هي طبقة وسطى مبتورة، لأنها طبقة وسطى بلا سياق اقتصادي محلي ولا سياق سياسي وطني أو اجتماعي. هي ابنة الحداثة لكن من دون تحديث.

هذه الحالة الاجتماعية التي تنمو أمامنا تستدعي إعادة النظر في خطابنا السياسي وتحديدا الحركة الوطنية، لأن هذه التحولات المجتمعية فيها الكثير لتفسير حالة الركود السياسي والنضالي. يبدو أننا ما زلنا نتمترس ونكرر خطاب وتكتيكات وإستراتيجيات من قبل ثلاثة وأربعة عقود.

المجتمع الفلسطيني في إسرائيل يعيش تحولات عميقة في شكله وتكوينه وسلوكه، بحيث بات اللحاق برصد وتحليل هذه التحولات أمرا غير هين. لكن حقيقة واحدة بينة وأكيدة، لم نكن كما كنا قبل ثلاثة عقود… ولن نكون بعد عقد كما نحن اليوم.

المطلوب مشروع حداثة وطنية عربية، وهذه ليست مهمة السياسيين وحدهم ولن يٌصنع في الكنيست. مطلوب مشروع حداثة جماعي يبني الشعب ومؤسساته، وليس مشاريع مساواة واندماج ومواطنة في دولة اليهود.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018