أميركا من "رأس الحية" إلى "راع نزيه" لعملية السلام

أميركا من "رأس الحية" إلى "راع نزيه" لعملية السلام

سليمان أبو إرشيد

منذ أن أقنعنا السادات بأن 99% من أوراق الحل بأيدي أميركا، تحولت الأخيرة إلى صاحبة الاحتكار الوحيدة لقرار الحرب والسلم في كل ما يتعلق بالصراع العربي الإسرائيلي والنزاعات المتفرعة عنه في المنطقة، فالحرب صناعة أميركية مسجلة ترسل الموت والدمار إلى العواصم والمدن العربية والفلسطينية عبر طائرات الـ"إف 16" والأباتشي وصواريخ الكروز والتوماهوك، والسلام ماركة أميركية مسجلة أيضا، لا يتم إلا بوساطة أميركية "نزيهة" لا توقع اتفاقياته إلا على عشب البيت الأبيض ولا تعقد رايته إلا بعد أن يتوسط الرئيس الأميركي الصورة التي يحتل يمينها رئيس حكومة إسرائيل ويستبدل الزعيم العربي الواقف في يسارها حسب الحاجة.

فلسطينيا جرى استعجال التقاط هذه الصورة، لأن الرئيس كلينتون لم يرغب بتفويت فرصة تخليده في مشهد شبيه بالذي ظهر فيه كارتر وهو يتوسط بيغن والسادات، إلا أن كلينتون ذاته فوت الصورة النهائية التي "احترقت" بفشل مفاوضات كامب ديفيد الثانية، بين عرفات وبراك، وبذلك لم يحظ الفلسطينيين بشيء من السلام الأميركي سوى بتلك "الصورة التاريخية" وبثلث جائزة نوبل، التي حصل عليها عرفات شراكة مع رابين وبيرس، بينما لا تزال صناعة الحرب الأميركية على شكل صواريخ وقنابل تقذفها طائرات الـ "إف"16" تنزل على رؤوسهم في قطاع غزة.

لقد لفت الصحفي الإسرائيلي رفيف دروكر، في مقال نشرته "هآرتس"، تحت عنوان "خدعة الوساطة النزيهة"، إلى أن تاريخ المفاوضات الفلسطينية/ العربية الإسرائيلية، لم يشهد وسيطا محايدا بالمعنى الحقيقي عبر إيراد بعض المواقف التي يبدو فيها الإسرائيليون والأميركيون طرفا واحدا أمام الطرف الآخر (الفلسطيني أو العربي)، حيث يشير مثلا إلى كيفية عرض الأميركيون في "واي بلانتيشن" عام 1998 مسودة اتفاق على الإسرائيليين بهدف سماع ملاحظاتهم عليها وتعديلها قبل عرضها على الفلسطينيين، وكيف فرض رئيس الحكومة الإسرائيلية في حينه، إيهود براك، على الرئيس كلينتون، مؤتمر كامب ديفيد في تموز/ يوليو 2000، رغم أن كبار رجال إدارة الرئيس وهو شخصيا كانوا يعتقدون أن الجانبين غير مستعدين، وكيف اضطرت إدارة كلينتون على الموافقة وإجبار عرفات على الحضور، وعندما عرض الأميركيون على الإسرائيليين وحدهم مسودة اتفاق مرنة، تضمنت أفكارا إسرائيلية تم نقلها سابقا للأميركيين من وراء ظهر الفلسطينيين، جوبهت بالرفض من قبل براك الذي أصر على طرح اقتراحات مجافية لها وطلب تقديمها للفلسطينيين كاقتراح أميركي وكان ذلك فعلا هو الاقتراح الذي رفضه عرفات.

ويقول دروكر إن هذا الخط تواصل في عهد الإدارات الأميركية اللاحقة، منوها إلى مشاركة الإسرائيليين المباشر في"تبييض" مبادرة جون كيري التي قدمت عام 2014.

وفي التطبيق الميداني، حرصت الإدارات الأميركية المتعاقبة على إسناد الملف الإسرائيلي الفلسطيني والشرق أوسطي عموما، إلى شخصيات صهيونية يهودية وغير يهودية وهو أمر شمل المبعوثين والمستشارين ووزراء الخارجية ذاتهم، في كثير من الأحيان، كما هو حال مستشاري ترامب جاريد كوشنير وغيسون غرينبلات وسفير أميركا في إسرائيل ديفيد فريدمان، وسابقيهم أمثال دنيس روس ومارتن إنديك ووزراء خارجية على غرار كيسنجر وأولبرايت وغيرهما.

وفي هذا السياق ينقل دروكر ما أورد دنيس روس في مذكراته، عن طلب نتنياهو منه عدة مرات إرسال توضيحات لوسائل الإعلام ولشركائه في الائتلاف الحكومي، وعندما سأله، لماذا لا يقوم هو بذلك؟ أجاب: لأنهم لا يصدقونني. ويواصل دروكر ساخرا بأن الإدارة الأميركية، استخدمت ممثلون "يحبون الخير"، يمتلكون العرفة وملتزمون بالهدف ويهود، ومن بينهم من عمل قبل وظيفته في الإدارة وبعدها في منظمات يهودية.

من جهتنا، نوافق دروكر بشأن عدم نزاهة أميركا وانحيازها الكامل لصالح إسرائيل، ولكن نختلف معه بشأن خداعها لنا، لأن أميركا والحق يقال لم تخادعنا بل كانت صريحة وواضحة في انحيازها العلني والدائم لإسرائيل، بل نحن الذين خدعنا أنفسنا وأوهمناها بنزاهة أميركا وحيادها، بعد أن أقنعنا أنفسنا أن الحل والربط بأيديها لأنها الوحيدة التي تملك مفاتيح الحل والسلام في المنطقة ورضينا بأن تكون الخصم والحكم.

على أمل أن يقلب إعلان ترامب هذه المعادلة، وأن لا يذهب تصريح أبو مازن حول إنهاء الرعاية الأميركية لعملية السلام، بعد هدوء العاصفة أدراج الرياح، نحن بانتظار رعاة محايدين لعملية سلام حقيقية تفضي إلى الاعتراف بحقوق شعبنا بالعودة والدولة المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018