من أكثر فسادًا اليهود أم العرب؟

من أكثر فسادًا اليهود أم العرب؟

سهيل كيوان

كثيرًا ما تدور نقاشات عابرة غير مؤسسة على دراسات وإحصاءات، يدّعي خلالها البعض أننا أكثر فسادًا من اليهود، بينما يدعي آخرون أننا تعلمنا الفساد منهم، نحن كنا ساذجين وهم الذين أفسدونا.

في الحقيقة، إن العرب واليهود قبل نصف قرن كانوا أقل فسادًا بكثير، كان العرب فقراء جدًا ويحلمون بتحرير وطنهم، ولم يكن لدى معظمهم ميدان للفساد، وكلنا نعرف أن القادة العرب المحليين لم يكونوا أغنياء، بل ومنهم فقراء، وكان اليهود يكافحون لتثبيت دولتهم، ومتمسكين بفكرة الدولة الصهيونية. كلنا نعرف أن مناحيم بيغن عاش في شقة عادية في القدس، ثمنها أقل من سجائر وشمبانيا نتنياهو، وبن غوريون قضاها بشورت الكشاف الخاكي.

ما نستطيع تأكيده، هو أن الفساد يجد له مرتعًا وأرضا خصبة، حيث تكون الرقابة ضعيفة.

ولوجود الرقابة القوية أسبابها وللضعيفة كذلك.

عندما نقارن بيننا نحن وبين اليهود، نجد أن الرقابة عندنا أضعف، لماذا وكيف؟

أولا، المجالس والبلديات عندنا هي المُشّغل الأكبر في كل بلدة، ولهذا نجد أن التنافس كبير على كل وظيفة وأحيانا على نصف وظيفة، قد يصل إلى قطع العلاقات الاجتماعية بين المتنافسين، وهذا مجال يستغله المرشحون في البلديات وورقة بأيديهم لابتزاز الأصوات، فيفصّلون الوظيفة بما يتلاءم مع الشخص الذي وعدوه.

ثم إن العلاقات الاجتماعية عندنا تحول دون فضح المفسد، وتبقي الأمر مستورًا في أغلب الأحيان.

ومن النادر أن تجد رئيس أو عضو بلدية، يكشف فسادًا مثلا في فرع الجباية، أو في العلاقة بين مسؤول ومقاول ما، على الأغلب لا تصل قضايا الفساد إلى قاعات المحاكم، لأن الشكوى إلى القضاء تؤدي إلى عداء طويل الأمد، ليس فقط مع الفاسد والمختلس، بل مع كل عائلته وحمولته. لهذا تجري لملمة الفضائح المالية، وفي أقصى الحالات ممكن أن يطلب منه إعادة جزء من المال، وعادة ما تتم الصلحة على حساب المال العام، وفي حالات كثيرة يصبح الطالب مطلوبًا وتنقلب الآية، والذي يدفع الثمن هو الذي فضح الفساد وليس المفسد.

الصحافة العربية عمومًا تتردد من نشر أسماء مفسدين أو حالات فساد لأسباب كثيرة، منها أن الأمر سيمس بعائلة وأسرة المفسد، ولهذا يتحاشون نشر الخبر عنه، أو أن المفسد نفسه والمحيطين به لهم علاقات خاصة مع هذا أو ذاك من أصحاب الصحف والمواقع. أما الصحافة الحزبية فمن المستحيل أن تنشر خبرًا عن فساد أحد قادة الحزب مثلا أو أحد حلفائه الانتخابيين، وتتحجج بأنها لا تنزل إلى هذا المستوى فهناك قضايا كبرى تشغلها.

إضافة إلى أن مجالسنا وبلدياتنا تعتمد على كتل من الأصوات الحمائلية، فليس من الحكمة المجازفة ببضع مئات من الأصوات قد تقرر النتيجة.

التوظيفات في معظمها تعتمد على الصفقات قبل الانتخابات، لدرجة أنها صارت عادية، في بعض القرى صار أنصار المرشح الذي يخسر الانتخابات يعرفون أنهم إلى البيت ذاهبون، وقد يضطرون لخوض معارك قضائية للبقاء في أعمالهم، أو يستسلمون ليحل مكانهم أنصار المرشح الفائز.

النكتة أن بعض رؤسائنا يقولون لك إن هذا النظام معمول به أيضًا في العالم الحر وفي أميركا بالذات، فعندما يربح الرئيس الجمهوري يوظف جماعته، هكذا يصبح عامل النظافة المسكين عندنا ندًا لوزير الدفاع الأميركي السابق.

في الوقت ذاته فإن كثرة الفساد عندنا لا تعني أن المبالغ التي نتداولها في هذا المجال أكثر من الأموال المتداولة عند اليهود، فالفقراء فاسدون بحجمهم الصغير، فالشبهات حول مدير عام شركة الاتصالات "بيزك" بمليار شيكل، وهي أكثر من مجموع فساد كل سلطاتنا المحلية وبلدياتنا في عقد من الزمن، وسجائر بيبي وزجاجات الشمبانيا توازي الفساد في مشروع المجاري في إحدى بلدياتنا، الأمور نسبية، ليس عندنا غواصات ولا صفقات طائرات أو نفط، نحن فاسدون بأعداد حاويات القمامة مثلا، وفي مشروع تعبيد شارع بطول خمسمئة متر، وبشراء القهوة مع الهيل خلال عام واحد مثلا.

ومن مفارقاتنا أن بلدياتنا ومجالسنا المحلية مرّت في أسوأ حالاتها، وأعلن معظمها إفلاسه، وتوقف عن دفع الرواتب واحتاج لمحاسب مرافق من الداخلية أو جرى حَلُه، بالذات بعد تدفق الميزانيات الكبيرة على البلديات في زمن حكومة رابين كثمن لتأييد النواب العرب في الكنيست لاتفاقات أوسلو، حيث اعتمدت الحكومة على 61 ضد 59 صوتا، فتدفقت الميزانيات على بلدياتنا وازدهر الفساد، وبدلا من أن نستغل الفرصة لازدهارنا فقد جاءت النتيجة عكسية، معظم مجالسنا البلدية تدهورت ودخلت غرفة الإنعاش المكثف.

إلى جانب هذا فإنني أتعاطف مع المقاول العربي الذي يعمل صفقات مع مجالسنا العربية، كثيرًا ما تسمع أنه أعلن إفلاسه، فهو يضطر للدفع لعماله وثمن مواد العمل والعتاد، ويكون موعودًا بأن يتلقى حسابه، فإما أن يتلقى جزءا من الحساب ويتوقف العمل، ولهذا نرى بعض المشاريع الصغيرة تستمر لسنوات دون أن نعرف السبب، أو أنه ينهي المشروع وينتهي كمقاول، فالمحاسب مسافر إلى نقاهة حتى يعود، والرئيس مريض حتى يشفى، ومدير العمل لم يصادق، والمهندسة في إجازة ولادة، والبنك أخو الفاعلة التاركة عامل حجز(حسيماه) ويعاملنا بالجقارة، وإن شاء الله بعد رمضان ثم بعد أعياد اليهود ثم بعد استلام الوزير الجديد لمهامه ثم بعد الانتخابات المبكرة، وكثيرًا ما يتضح أن المطلوب لحسة إصبع، يعني رشوة بالعربي للمحاسب كي يوقّع، "طيب إحك من الأول يا زلمة".

الفساد في الوسط اليهودي فساد أغنياء، وعليه رقابة قوية رغم محاولات الفاسدين السيطرة على كل شيء، وكثيرًا ما نرى اسم مسؤول متورط. عندنا الفساد صغير فلا غواصات ولا صفقات سلاح ولا مشاريع نفطية، فالتمييز ضدنا ينعكس أيضًا على حجم فسادنا.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018