ليست إسرائيل التي اعترف بها العالم

ليست إسرائيل التي اعترف بها العالم

بلال ضاهر

سن الكنيست لـ"قانون أساس: إسرائيل الدولة القومية للشعب اليهودي"، المعروف باسم "قانون القومية"، هو زلزال شديد القوة أحدثته إسرائيل، ولم يضرب فقط مواطنيها العرب أو الشعب الفلسطيني أو العالم العربي، وإنما هو زلزال شديد القوة ضرب العالم كله.

ليس دقيقا القول إن "قانون القومية" لا يأتي بجديد وإنما هو يشرع ممارسات إسرائيل على أرض الواقع، منذ عقود. هذا الادعاء ليس دقيقا، مثلما ليس دقيقا وصف القانون بأنه عنصري ويرسخ التفرقة العنصرية. وإنما هذا قانون يجرد الفلسطينيين من حقوقهم القومية والوطنية والثقافية، ويرمي إلى اقتلاع روح الشعب الفلسطيني من أرض فلسطين، إن لم يكن تطهيرها منهم، ليس بترانسفير جديد، وإنما بمحاصرتهم في مناطق ضيقة ومعزولة، والاستيلاء على أكبر مساحة ممكنة من الأرض لصالح استيطان اليهود ورفاهيتهم.

يخلط القانون، عمدا، بين مصطلحين يفترض أنه يوجد فرق كبير بينهما، وهما "إسرائيل" و"أرض إسرائيل". وينص البند الأول فيه على أن "أ. أرض إسرائيل هي الوطن التاريخي للشعب اليهود، الذي قامت فيه دولة إسرائيل؛ ب. دولة إسرائيل هي الدولة القومية للشعب اليهودي، التي يطبق فيها حقه الطبيعي، الثقافي، الديني في تقرير المصير؛ جـ. تطبيق حق تقرير المصير القومي في دولة إسرائيل مخصص للشعب اليهودي".

هذا البند لم يُبقِ مساحة في فلسطين للفلسطينيين، خاصة وأن في بنوده التالية يحدد "قانون القومية" رموز الدولة، شعارها وعلمها وحتى عيدها الوطني وأيام الذكرى الدينية. لكن هذا القانون، وهو "قانون أساس" يعتبره الإسرائيليون قانونا دستوريا، يخلو، بشكل متعمد ومقصود، من أي تطرق لحدود إسرائيل، أو حتى حدود "أرض إسرائيل".

ويتحدث البند الثالث عن "عاصمة الدولة: القدس الكاملة هي عاصمة إسرائيل". وهذا يعني بالنسبة للإسرائيليين أن لا حق للفلسطينيين في القدس. ورغم أن لـ"القدس الكاملة" يوجد قانون خاص تم سنه بعد احتلال القدس عام 1967، إلا أن مكانة القدس التي يتحدث عنها "قانون القومية" تأتي منسجمة مع روح القانون ومجمله ونظرته إلى "أرض إسرائيل"، أي كل فلسطين التاريخية.

وحتى الآن يسري "قانون القومية" على القدس المحتلة، لأنها بحسب القانون الإسرائيلي هي جزء من إسرائيل، مثلما يسري على هضبة الجولان المحتلة. لكن التطورات على أرض الواقع تدل على أن هذا الواقع ليس جامدا، وإنما سعت إسرائيل، منذ احتلال العام 1967، إلى زرع الأراضي المحتلة، القدس والضفة الغربية وهضبة الجولان، بمئات المستوطنات والبؤر والنقاط الاستيطانية. وينص البند السابع على أن "الدولة ترى في تطوير الاستيطان اليهودي قيمة وطنية، وستعمل من أجل تشجيع ودفع إقامة وتكريس الاستيطان". وإذا أضيف إلى ذلك التصريحات المتكررة حول ضم "المنطقة جـ" في الضفة الغربية (60% من مساحة الضفة) إلى إسرائيل، والخطوات والتطورات على أرض الواقع هناك وسن قوانين تمهد لفرض القانون الإسرائيلي على الضفة كلها أو "المنطقة جـ" فقط، فإن "قانون القومية" سيتجاوز "الخط الأخضر" ليسري على القسم الأكبر من الضفة الغربية أيضا. فإسرائيل ترفض رسم حدودها، وفي الوقت نفسه تسعى إلى توسيع رقعة استيطانها قدر الإمكان، وفقا معادلة "أرض أكثر، عرب أقل".

صحيح أن إسرائيل لم تسأل أحدا بخصوص الاستيطان، ولم تأبه لإدانات انتهاكها المتكرر لجميع الشرائع والقوانين الدولية، مثلما انتهكت كافة الاتفاقيات التي وقعها الفلسطينيون معها. لكنها الآن تسن قانونا، "دستوريا"، تقول فيه أن لا حق لأحد غير اليهود في فلسطين التاريخية. وعبر عن ذلك المبادر لـ"قانون القومية"، عضو الكنيست أفي ديختر، رئيس الشاباك الأسبق، بعد التصويت على القانون، فجر الخميس: "أريد أن أقول لأعضاء الكنيست من القائمة العربية المشتركة إن هذا القانون جاء بسببكم، وأن نحن (اليهود) موجودون هنا قبلكم وسنبقى هنا بعدكم".

إزاء ما تقدم، لا ينبغي لأحد الاعتماد على أحزاب المعارضة الإسرائيلية، لأن معارضتها لـ"قانون القومية" كانت ضعيفة جدا ولم تتعد مناكفة رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو. وهي، بغالبيتها العظمى، لم تعترض على روح القانون، لأنها، ببساطة، لا ترى أن للفلسطيني حق في فلسطين.

سن "قانون القومية" هو زلزال يفترض أنه ضرب العالم، أولا، لأنه يتنكر لكافة القرارات والوعود التي قامت إسرائيل بناء عليها. هذا القانون يتنكر حتى لـ"وعد بلفور" وقرار التقسيم. دول العالم جميعها، وكذلك مصر والأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية، لم تعترف بإسرائيل كهذه التي ينص عليها "قانون القومية"، بل اعترفت بإسرائيل مختلفة، واعترفت أيضا بحق الفلسطينيين بتقرير المصير في فلسطين من خلال دولة مستقلة عاصمتها القدس في كل الضفة الغربية وقطاع غزة. والسؤال الآن هو كيف سيتعامل العالم مع إسرائيل ما بعد "قانون القومية"، وهل سيبقى اعترافه ساري المفعول بـ"إسرائيل الكبرى الجديدة".

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018