26/03/2026 - 10:26

حين تتكلم الصواريخ من يكتب الحقيقة؟

ربما لا يستطيع الفرد أن يوقف حربًا، لكنه يستطيع أن يرفض أن يكون جزءًا من روايتها الجاهزة. وهذا، في زمن تتصارع فيه القصص بقدر ما تتصارع الجيوش، ليس أمرًا بسيطًا...

حين تتكلم الصواريخ من يكتب الحقيقة؟

صاروخ إيراني انشطاري فوق تل أبيب (Getty)

في هذه الحرب، لا يُقاس كل شيء بعدد الصواريخ التي انطلقت، بل بعدد القصص التي كُتبت عنها. السماء تشتعل، ومعها العقول أيضًا. وبين ومضة صاروخ وعنوان عاجل وصفارة إنذار، تتشكل روايات متناقضة، لكل واحدة منها منطقها، ولغتها، وجمهورها. وحده الخيال قادر أن ينسج أعقد الصور بمجرد حدث أو صورة أو لقطة لاقت رواجًا.

والمشهد ليس مجرد متابعة لأخبار بعيدة. هو اختبار يومي للوعي: أي رواية تُصدّق؟ وأيها تُشكّك؟ وكيف تفهم حربًا تُبثّ لك من شاشات لا تُعدّ، كل واحدة تقول شيئًا مختلفًا؟ وكيف تهرب من آلاف المقاطع اليومية التي تُبثّ على شاشة هاتفك، ومن آلاف النصوص القصيرة التي تتفجر من التطبيقات، من حيث تدري ومن حيث لا تدري؟

في الإعلام العبري، الذي يهيمن علينا نحن في الداخل، تُقدَّم الحرب كعملية محسوبة: ضربات دقيقة، وإنجازات تتراكم، وتهديد ما زال قائمًا لكنه "تحت السيطرة". الكلمات هنا ليست عفوية. "تحييد"، "تفكيك"، "قدرات تم تقليصها"، لغة هندسية تُحوّل الحرب إلى مشروع إدارة مخاطر، وكأنّها شركة أسلحة ناشئة، وخبراء قفزوا عن التاريخ والجغرافيا إلى شاشة التلفاز مباشرة. حيث الحديث عن طهران كالحديث عن خان يونس، وعن مضيق هرمز كأنه معبر رفح. الخسائر تُختزل، والضباب يُعاد ترتيبه ليبدو كأنه وضوح.

على الضفة الأخرى، الإعلام الإيراني لا يكتفي بنقل الحدث، بل يعيد تشكيله. الضربة تتحول إلى "عدوان"، والرد إلى "إنجاز"، وإطلاق الصاروخ يتحول إلى استهداف استراتيجي، والصمود إلى عنوان رئيسي، والمسافة بين الحقيقة والخيال بعيدة كبعد أصفهان عن ميناء حيفا. هنا، لا تُقاس الحرب بالنتائج المباشرة، بل بقدرة الرواية على الاستمرار. حتى الصمت يصبح أداة، والغموض يُقدَّم كقوة.

أما الإعلام الغربي، فيبدو كمن يقف في المنتصف، لكنه يحمل ميزانه الخاص. يزن الأحداث بلغة "الاستقرار" و"الردع" وأسعار النفط، ويضع الحرب في إطار أوسع: كيف تُحتوى إيران؟ كيف يُعاد رسم التوازن؟ قد يبدو الخطاب أكثر هدوءًا، لكنه ليس بلا اتجاه. الكلمات هنا ناعمة، لكنها منحازة بذكاء.

ثم يأتي الإعلام العربي، فسيفساء قاتمة متناقضة لا تشكل أي صورة. بين من يرى في الحرب خطرًا إقليميًا مفتوحًا، ومن يراها مواجهة مع مشروع إيراني، ومن يتبنى خطاب "المقاومة"، يجد المتلقي نفسه أمام مرايا متعددة. كل مرآة تعكس زاوية، لكن لا واحدة تعكس صورة، والتناقضات النائمة قد تتحول إلى بركان.

في هذا الضجيج، لا تكمن المشكلة في الانحياز بحد ذاته، فكل إعلام منحاز بدرجة ما، بل في وهم الحياد. أن تعتقد أن هناك شاشة واحدة تقول الحقيقة كاملة، هذا هو الفخ الحقيقي.

الفلسطيني في الداخل يعيش هذا التناقض بشكل مضاعف. يتلقى الخبر أولًا من إعلام عبري، مصاغ بلغة القوة والسيطرة، ثم يعود ليقارنه بروايات عربية أو دولية. هذا التنقل ليس رفاهية، بل ضرورة. لأنه من دون هذه المقارنة، تتحول الرواية إلى واقع، حتى لو كانت ناقصة.

ما يجب فهمه أن الأرقام التي تتكرر، نسب التدمير، حجم الخسائر، عدد الأهداف، ليست دائمًا قياسًا للواقع، بل أحيانًا أدوات لصناعته. "80% تم تدميرها" قد تكون رسالة قبل أن تكون معلومة. و"الأضرار محدودة" قد تكون موقفًا قبل أن تكون تقييمًا. ولنا في الأعوام الأخيرة عبرة.

الحرب الحديثة لا تُخاض فقط على الأرض، بل في اللغة. في اختيار كلمة بدل أخرى. في تقديم مشهد وإخفاء آخر. في ترتيب العناوين قبل ترتيب الوقائع. وهذا قبل الحديث عن أدوات الذكاء الاصطناعي، الذكي منها والغبي على حد سواء. الحقيقة، في مثل هذه الحروب، لا تظهر كاملة في أي شاشة. هي تتشكل بين الشاشات. بين ما يُقال وما يُخفى. بين المبالغة والتقليل. بين الصوت العالي والصمت المدروس.

ربما لا يستطيع الفرد أن يوقف حربًا، لكنه يستطيع أن يرفض أن يكون جزءًا من روايتها الجاهزة. وهذا، في زمن تتصارع فيه القصص بقدر ما تتصارع الجيوش، ليس أمرًا بسيطًا.