يبدو أن حرب إسرائيل التي تخوضها بالشراكة مع الولايات المتحدة على إيران هي المعركة الأخيرة في الحرب الشاملة التي أشعلها نتنياهو بعد السابع من أكتوبر، والتي ابتدأت في غزة وامتدت إلى لبنان وسورية ولن تنتهي في إيران.
ويعتقد العديد من المحللين الإسرائيليين وغير الإسرائيليين أن "حروب نتنياهو" غير المنتهية جاءت للتكفير عن "ذنبه" في أحداث السابع من أكتوبر التي زعزعت كيان إسرائيل وضعضعت أساساتها الوجودية، ويحملون نتنياهو المسؤولية الكاملة عن وقوعها بسبب سياسة "الاحتواء" التي اتبعها خلال فترة 15 سنة من حكمه، حتى عُرف بأنه الزعيم الإسرائيلي شبه الوحيد الذي لم يشهد عهده المديد حربًا بالمعنى الحقيقي، وهو ما جعل فعله وممارسته يقفان على طرف نقيض من خطابه السياسي الأيديولوجي المتشدد.
وبغض النظر عما إذا كان هذا التحليل ذا صلة، فإن حرب إسرائيل الممتدة التي يخوضها نتنياهو هي مرحلة ضرورية لإعادة ترتيب الواقع السياسي الشرق أوسطي، بحيث تبقى لإسرائيل اليد العليا فيه، في حين أن توقيت السابع من أكتوبر لا يتعدى استغلال ظرف زماني يتيح لإسرائيل استعمال قوتها الضاربة دون قيود أو ضوابط أخلاقية وقانونية يفرضها المجتمع الدولي، في إعادة إنتاج ذاتها كمشروع استعماري توسعي عبر بسط سيادتها على كامل فلسطين التاريخية، واستعادة هيبتها المهتزة وتثبيت مكانتها كقوة إقليمية تسعى لفرض هيمنتها على كامل المنطقة العربية-الإسلامية.
وكان من الضروري، والحال كذلك، أن تكون المعركة الأخيرة والفاصلة في هذه الحرب الشاملة هي إيران، التي ظل نتنياهو على مدى 15 عامًا من حكمه يحذر ويحرض ويتوعد ويعد الخطط لضربها، دون أن يتسنى له ذلك، بفعل المعارضة الداخلية التي واجهها من القادة "المتعقلين" للأجهزة الأمنية الإسرائيلية في حينه، وبسبب المعارضة الدولية التي قادتها أوروبا والإدارة الأميركية "العاقلة" في عهد أوباما.
وإذا كانت إسرائيل قد نجحت أخيرًا في جر الولايات المتحدة إلى حربها لتدمير القدرات الاستراتيجية لإيران، وربما تدمير إيران النظام والدولة للتخلص مما تعتبره تهديدًا استراتيجيًا لوجودها، مثلما جرتها سابقًا نحو حرب تدمير العراق وتفكيك نظامه ودولته وتقطيع أوصال شعبه وأرضه تحت "كذبة" السلاح النووي ذاتها، وهو ما يُحسب لنتنياهو ويفسر التأييد الإسرائيلي الحزبي والجماهيري الجارف للحرب، فإن الصمود الإيراني الذي يعيق تحقيق أهداف الحرب الإسرائيلية الأميركية ويكبد أطرافها المشاركة طوعًا أو عنوة خسائر مادية ومعنوية، سياسية واقتصادية باهظة، وهو صمود بات ينبئ بتورط إسرائيل ومعها أميركا في حرب استنزاف طويلة، يحول تدريجيًا إنجاز نتنياهو إلى كيد مرتد على إسرائيل وعليه شخصيًا، وربما يطيح به في الانتخابات القريبة.
نتنياهو، الذي أراد أن يتوج حربه الممتدة بانتصار على إيران ويحمل لإسرائيل بشرى تخليصها من آخر وألد أعدائها وأكثرهم "شرًا"، على حد تعبيره، يبدو أنه يتورط في معركة طويلة تحول حربه التي بدأها في غزة إلى "حرب أبدية" يُستعاد فيها إيقاظ الجبهات النائمة في لبنان وغزة واليمن وغيرها، وهو ما يزج، بتعبير أحد جنرالات الاحتياط الإسرائيليين، إسرائيل في حرب استنزاف طويلة متعددة الجبهات، سيدخلها قرار الاجتياح البري في لبنان سنتها الرابعة، ويكشف غطاء قصص الانتصارات الزائفة في غزة ولبنان وغيرها، وفق تعبيره.
إلا أن الأهم من ذلك، والحديث لنا، هو أن هذه الحرب قد أماطت اللثام ليس عن الوجه الحقيقي لإسرائيل فقط، بل لأميركا المتواطئة معها أيضًا، والتي تضع التحالف معها فوق أية مصالح وتحالفات أخرى مع دول المنطقة، فقد خبر النظامان المصري والأردني ذلك على جلديهما خلال الحرب على غزة، وها هي دول الخليج التي أغدقت تريليونات الدولارات على إدارة ترامب تلمسه على لحمها الحي، ليس فقط في كون الإدارة الأميركية لم تراع مصالحها ولم تأخذ برأيها المناهض للحرب فحسب، بل عندما فاجأتها أيضًا بفتح هذه الحرب دون التنسيق معها، وتركتها خلالها دون حماية كافية، وكل ذلك "كرمًا لعيون إسرائيل".
هذا ناهيك عن أن إزاحة أو إضعاف إيران كدولة وازنة يؤدي إلى إخلال في التوازنات القائمة في المنطقة، وهو ما يجعل دولًا مثل تركيا ومصر وغيرهما، إضافة إلى دول الخليج ذاتها، تستشعر خطر تسيّد إسرائيل على المنطقة برعاية أميركية.