حتى الآن، لم يحدث أي اختراق في المشهد السياسي لفلسطينيي الـ48. فاللحظة "المسرحية"، أي التوقيع على تعهّد بخوض الانتخابات بقائمة مشتركة، التي عُرضت في سخنين بعد الهبّة المباركة قبل أشهر، وبدت وكأنها لحظة تحوّلية، انطفأت سريعًا دون أن تترك أثرًا يُذكر. كما أن نشاطات "العصف الذهني"، بأطرها القديمة والناشئة، على أهميتها، لم تُترجم بعد إلى تأثير فعلي في مسار الخطاب السياسي المنشود.
في المقابل، نشهد تعددًا في الخطابات المتداولة، أخطرها ذلك الذي أدخلته الحركة الإسلامية الجنوبية إلى الحيّز العام، مُحدثًا إرباكًا لدى القوى السياسية المناهضة له. لكن الأخطر ليس وجود هذا الخطاب بحد ذاته، بل انزلاق بعض هذه القوى إلى مسايرته أو التهاون معه، ليغدو مركز الثقل الذي يدور حوله النقاش والجدل في المنابر الخاصة والعامة. وبدل أن تنجح هذه القوى في بلورة خطاب وطني بديل وقوي، يتقدم خطاب الارتداد ويتجذر في أوساط جديدة، فارضًا نفسه وشرعيته. وربما لا تنتبه معظم القوى السياسية والنخب إلى خطورة اتساع قاعدته، فتكتفي بردود الفعل بدل الانخراط في إعادة بناء وصياغة الخطاب الوطني، وإيجاد الوسائل الكفيلة بترسيخه مجتمعيًا.
إن الخطاب المتردّي والدخيل، الذي تمتد جذوره إلى نظام الإمارات، الذي حوّل بلاده إلى مستعمرة صهيونية فعلية، لا يستمد قوته من متانة فكرية أو عبقرية سياسية، بل من ثلاثة عوامل متداخلة: أولًا، هشاشة العمود الفقري الفكري (التحرري) لدى التيار الإسلامي الجنوبي؛ ثانيًا، الانحدار الشامل في المشهد الإسرائيلي نحو مزيد من التطرف والاستئصال على مستوى النظام والمعارضة والمجتمع؛ وثالثًا، تصاعد النزعة البراغماتية داخل القوى المناهضة له، مقرونًا بعجز النخبة المستقلة، القديمة والجديدة، عن بلورة بديل متماسك.
نحن أمام ظرف سياسي وإنساني غير مسبوق في خطورته وشمولية تأثيراته التدميرية، ما يجعل مهمة البحث عن صيغة وطنية وأخلاقية وعملية قادرة على لملمة الشمل وفتح أفق جديد مهمة معقدة للغاية، لكنها ملحّة، بل وجودية. وتنبع صعوبة ذلك، ضمن عوامل عديدة، من الواقع المركّب لفلسطينيي الداخل، أي تحوّل العلاقة مع المواطنة الإسرائيلية-الكولونيالية إلى علاقة عضوية، لا عابرة. ومع تآكل هذه المواطنة بفعل التغوّل الإسرائيلي، تزداد هشاشة وضعهم، ما يفرض التفكير بصيغ مختلفة ومبتكرة، ليس فقط للنجاة، بل للحفاظ على ما تحقق من إنجازات، والاستعداد لمواجهة المستقبل.
على مدار سنوات طويلة، جرت محاولات لإعادة الاعتبار للعمل السياسي، تمحورت حول بناء رؤى مستقبلية، وإعادة بناء لجنة المتابعة، وإقامة قائمة برلمانية مشتركة. وقد أغنت هذه المحاولات التجربة السياسية والفكرية للحركة السياسية الفلسطينية داخل الـ48، دون أن تتحول إلى مشروع سياسي متماسك ومؤسس مؤسسيًا. لكن منذ انهيار "المشتركة" وتعثر محاولات ترميم المتابعة، لم نشهد جمودًا سياسيًا فحسب، بل تآكلًا في مضمون العمل السياسي نفسه، وانفلاتًا أخلاقيًا. فبعد أن كان الطموح الارتقاء بالخطاب، خارجيًا عبر تعميم خطاب الأبرتهايد والاستعمار الاستيطاني، وما يستتبعه من إعادة تشكيل الشخصية الوطنية الفلسطينية، وداخليًا عبر إعادة تنظيم المجتمع الفلسطيني داخل الخط الأخضر تحت سقف وطني جامع، نشهد اليوم تراجعًا وانحرافًا مستمرين عن هذا المسار.
لقد دخلت الساحة السياسية، ومعها الخطاب، في حالة تفكك. وانزلقت بعض الأوساط نحو حرف "القائمة المشتركة" عن هدفها الأصلي، باتجاه أوهام تحالف عربي–يهودي "ديمقراطي" يستند إلى توجهات ليبرالية صهيونية. ثم جاء من دفع هذا المنحى إلى أقصاه، بالانخراط في حكومة استيطانية صهيونية، في سابقة غير معهودة في تاريخ العمل السياسي والكفاحي لفلسطينيي الداخل. والأخطر أن هذا الانحدار لم يبقَ تقنيًا، بل ترافق مع خطاب متهالك يمنح الصهيونية، عبر تكريس التفوقية اليهودية، شكلًا من أشكال الشرعية، والتنصل من القضية الفلسطينية كقضية تقرير مصير وانتزاع للتحرر من نظام أبارتهايد استيطاني.
اليوم، يراهن أنصار هذا المسار على تحالف بينيت–لبيد باعتباره فرصة لإسقاط حكومة نتنياهو في الانتخابات القادمة. لا شك في أن أحدًا لا يرغب في استمرار هذه الحكومة المجرمة، لكن العودة إلى الرهان على حكومة استيطانية بديلة، واستعداد تيار "الجنوبية" للانخراط مجددًا فيها، رغم إعلان بينيت ولبيد رفض الاعتماد على الصوت العربي باسم "تخفيف الضرر"، تعني عمليًا مزيدًا من التنازلات. فالسعي لتحصيل حقوق مدنية، هي أصلًا حقوق طبيعية، في ظل هكذا حكومة، لن يتم إلا عبر صفقات ومساومات إضافية، تُفضي إلى مزيد من تآكل الخطاب الوطني والتفكك المجتمعي. فالحكومة البديلة التي قد تحل محل حكومة نتنياهو لا تختلف إلا في طريقة إدارة هذا النظام الإقصائي والاستئصالي.
هذا النهج لا يقدّم حلولًا، بل يجمّد التفكير الاستراتيجي، ويحول دون إعادة تشكيل الجسم السياسي العربي-الفلسطيني في الداخل موحدًا في مواجهة المخطط العدواني المستمر، سواء عبر الحكومة الحالية أو القادمة. كما يضعف التمسك بالهوية الوطنية لفلسطينيي الداخل وحقهم في التنظيم كجماعة قومية، ويعيد تعريف علاقتهم بقضيتهم الكبرى بوصفها جزءًا من معركة وطنية واحدة. فالخطاب الوطني ليس شعارًا، بل عنصر أساسي في تمتين الوحدة، وفي عملية التعبئة والتحشيد ضمن المسار الكفاحي والبناء المجتمعي.
الخلاصة واضحة: الرهان على حكومة قادمة، تحت شعار إسقاط نتنياهو، ومسايرة خطاب التهافت والسقوط، في غياب رؤية وطنية متماسكة، ليس تكتيكًا ذكيًا، بل وصفة مضمونة لاستمرار العقم السياسي، بل شكل من أشكال الانتحار السياسي. إنه يجمّد الفكر والخيال، ويمنع بلورة بديل، ويؤخر ولادة حالة سياسية وطنية جديدة، دينامية، مستقلة، وقادرة على التأثير في الرأي العام.
لكن هذا ليس الوجه الوحيد للمشهد. فمجتمعنا يعج بالحراك والمبادرات والجهود، عبر أطر المجتمع الأهلي والمدني والقانوني، والثقافي، والنقابي، والاجتماعي، والعمل الخيري. غير أن هذا الحراك لا يتخذ بعد الشكل الشعبي القادر على شحن الهمم واستقطاب عموم الناس إلى الفعل. وهذا مرهون بوجود مشروع سياسي واضح، وقيادة موحدة، قادرة وذات مصداقية عالية. فهل يفاجئنا المشهد بتحوّل قريب؟ أم ستظل الساحة تعيش مخاضًا طويلًا؟