وصلت النخب السياسية إلى قرار خوض الانتخابات في قائمتين منفصلتين: القائمة المشتركة التي تضم الجبهة والتجمع والعربية للتغيير، والقائمة العربية الموحدة برئاسة منصور عباس. ولم يكن ممكنًا - ولا صحيحًا - للقائمتين تشكيل قائمة واحدة، رغم النداءات المتكررة، والملحّة أحيانًا، من الشارع ومن نشطاء وسياسيين ومثقفين وأكاديميين اعتقدوا أن قائمة مشتركة تضم جميع الأحزاب ستكون أكثر استجابة لمطالب الناس وتقدّم لهم بعض الحماية في ظروف الإبادة الحالية. نبض الشارع كان صحيحًا في المطالبة بقائمة واحدة، لكن لم تكن المطالبة بالضرورة بقائمة فيها حزب ينوي الانضمام إلى حكومة مكوّنة من أحزاب إبادية.
القائمة الثلاثية من ناحية، والموحدة من ناحية أخرى، تمثلان برنامجين سياسيين وفهمين مختلفين لطبيعة الصراع بين الصهيونية والفلسطينيين، ولطبيعة العلاقة بين إسرائيل والمواطنين الفلسطينيين فيها كمواطنين تحت نظام كولونيالي، وللعمل السياسي نفسه. المشاركة في حكومة من هذا النوع هي مساهمة في النظام الكولونيالي الاستيطاني والمشاركة في مسؤولياته. تخيلوا، مثلًا، لو أن نشطاء في المؤتمر الوطني الإفريقي نادوا للمشاركة في حكومات التفرقة العنصرية في جنوب إفريقيا. لا يمكن الجمع بين هذين الفهمين، من يقاوم جوهر النظام الكولونيالي ومن يريد أن يدخل في حكوماته، من دون أن تتنازل إحدى القائمتين عن مركبات جوهرية في برنامجها السياسي. فلو كانت النداءات إلى تشكيل مشتركة رباعية تطالب منصور عباس بالتنازل عن برنامج "التأثير" من داخل الحكومة الإسرائيلية - حتى لو كانت حكومة أقل همجية من الحكومة الحالية - لكانت هذه المطالب تستحق المثابرة. أما تشكيل الرباعية وفق شروط عباس وبرنامجه، وإن كان ذلك بتحالف تقني، فقد شرحت في مقال سابق لماذا أعتقد أنه مطلب خاطئ. وأعتقد أن المتحدثين باسم المشتركة الآن - وأشدّد على الآن - وكثيرون آخرون ممن يدعون إلى الرباعية، يقصدون رباعية بدون شروط منصور عبّاس.
أما الأجندة الملحّة حاليًا، فهي كيف نعمل جميعًا على إسقاط حكومة نتنياهو من ناحية، وكيف تقدّم المشتركة للناس، من ناحية أخرى، برنامج عمل يتعامل، في هذه الظروف الإبادية، مع مخاوفهم الحقيقية ومطالبهم العينية والشرعية، ويساهم في العمل على إنقاذ غزة، ولكن من داخل تيار يحافظ على الكرامة الوطنية والهوية الجماعية، ومن دون التنازل عن الرواية والتاريخ، ومن دون الانزلاق إلى التطبيع مع الصهيونية أو شرعنتها أو المشاركة في نظامها الكولونيالي. وربما ليس خطاب الهوية والرواية، وحده، بالضرورة، ما يشغل الناس في ظروفهم الحالية؛ لأنه في حقيقة الأمر، وفي كثير من الأحيان، هو مفهوم ضمنًا، وإن كان بحاجة إلى تغذية مستمرة وواضحة. إن التحدي الحقيقي أمام القائمة المشتركة يكمن في أن تخاطب الناس ببرامج عمل تتجاوب مع مخاوفهم ومطالبهم من داخل السياج الوطني. وليست هذه بمهمة سهلة.
وقبل الدخول في اقتراحات عينية على طريق بناء برنامج للعمل السياسي، من المهم التحذير من تعامل القوائم ومؤيديها مع بعض الجهات في مجتمعنا بلغة التخوين أو بأي لغة تقسيمية أخرى. منصور عباس مخطئ في برنامجه السياسي، والتوجه إليه وإلى برنامجه يجب أن يبيّن مواضع الخطأ والمخاطر الكبرى الكامنة فيه، كأن يصبح الفلسطيني شريكًا في نظام إبادي ضد شعبه وشريكًا في حكومة دولة كولونيالية مقابل شعبه. يجب أن نثق بما اصطلح على تسميته بالجماهير العربية، وبقدرتها على التمييز بين البرامج السياسية من دون اللجوء إلى لغة التخوين، بل بالإشارة إلى مواقع الخطأ والخطورة. يجدر التركيز على التوضيح، بدون المسّ بالأشخاص أنفسهم بل بنقاش الأفكار، ما الخطر في الطريق التي يعتقد عباس أنها تخدم الناس، وأنها تستطيع تحقيق بعض المكاسب العينية المعروفة، مثل مكافحة الجريمة والتصدي لهدم البيوت وزيادة الميزانيات للمجتمع العربي، وكيف يمكن التوصّل إلى تحقيق تلك الأهداف بدون المخاطر الكامنة في الطريق التي تقترح الموحّدة أن تسلكها. زد على ذلك أنه، من الناحية العملية أيضًا، إذا كان الهدف زيادة نسبة التصويت بهدف إسقاط نتنياهو وحكومته، فإن لغة التقسيم قد تبعد الناس عن التصويت بدل أن تقرّبهم منه. لكن الحذر من لغة التقسيم لا يعني عدم التحذير من الانزلاق السياسي، وعدم التحذير من خطأ مشروع سياسي يسعى للتأثير من داخل حكومات أيدت الإبادة وكانت وما زالت جزءًا من مشروعها.
وبنفس الروح، وبدون قصد إقامة موازنة بين توجهات غير متماثلة، من غير المنصف التوجه إلى من يشددون على حماية الخط الوطني ويدافعون عن فكرهم غير المهادن، حتى وإن فعلوا ذلك بحزم، أو إلى مقاطعي الانتخابات، بإلقاء تهم من قبيل "الطهرانية"، التي أُدخلت قاموسنا السياسي بوصفها تهمة. لقد تبنى الكثيرون فكرة مقاطعة الانتخابات في مراحل مختلفة، ولم يكونوا طهرانيين؛ بل كانوا ملتزمين ببرنامج سياسي وفكري ذي معالم واضحة، وليس عبثيًا. وقد تمثل هذا الخط الفكري لدى بعض أجنحة أبناء البلد والجناح الشمالي (غير البرلماني) للحركة الإسلامية، ومجموعات تشكلت لمرّة واحدة للدعوة لمقاطعة الانتخابات، وأفراد كثيرين.
المهم الآن هو التوجه إلى المقاطعين ومحاولة إقناعهم بأن هذه المرحلة غير اعتيادية، وأن مشاركتهم، في هذه المرحلة، بأن يقدموا الدعم للمشتركة الثلاثية، تحمل أهمية خاصة في ظروف الإبادة، حتى وإن لم تتماشَ تمامًا مع مواقفهم الفكرية وقناعاتهم السياسية العميقة. ففي حين أن إسقاط نتنياهو، زعيم المسؤولين عن الإبادة الجماعية، مهمة وطنية أولى، فإن الحديث عن اللاعقلانية والطهرانية ليس خطابًا تقسيميًا فحسب، بل غير منصف لنقاش البدائل والتفسيرات السياسية التي يقدمها هؤلاء بإسهاب في كثير من الأحيان. والبديل الآن هو النقاش العلني المسؤول حول النجاعة والمخاطر والصواب في مقابل الخطأ السياسي، وليس حول وطنية الناس أو عقلانيتهم أو نقائهم الأيديولوجي.
وأقترح أن تقوم المشتركة بتشكيل مجلس من الخبراء والأكاديميين المقربين فكريًا من أحزابها، وتكليف عضواته وأعضائه بتقديم اقتراحات - على أن يبقى القرار سياسيًا ومن صلاحية الأحزاب وحدها - لخطوات عملية تفصّل ما تستطيع المشتركة القيام به بعد نجاحها من أجل التجاوب مع المطالب العادلة للناس، ومن أجل تعزيز ثقة المجتمع بنفسه وبقدرته على الفعل وعلى التعاضد وإنجاز الحماية بالعمل الجماعي الوطني، وعدم التهويل والتخويف الذي يُستعمل أحيانًا لأهداف حزبية وسياسية.
ويمكن لهذه الخطوات أن تتسع لتشمل العمل داخل المجتمع العربي نفسه؛ والعمل في مواجهة الحكومة والمؤسسات الإسرائيلية؛ والعمل تجاه العالم العربي، بما في ذلك الأردن ومصر وجامعة الدول العربية؛ وكذلك تجاه المؤسسات الدولية والمؤسسات السياسية الأوروبية والأميركية التي صارت أكثر قابلية للإصغاء ولفهم المطالب العينية والدفع باتجاه تحقيقها. هناك الكثير مما يمكن عمله، وهناك عدد كبير من الخبراء ومن أصحاب التجربة في هذه المجالات في الداخل وفي العالم ممن يجدر تجنيدهم لهذه المهمات.
من خلال العمل المهني من داخل السياج الوطني، وطرح البرامج العملية والقابلة للتنفيذ، تستطيع المشتركة الثلاثية أن تبعث الأمل لدى الناس، وأن تعزز ثقتهم بأنفسهم وبمنتخبيهم وقياداتهم، وأن تعمل معهم على استنباط أفكار وسياسات تساعد على حمايتهم، بدل اللجوء إلى دروب سياسية خطرة بحجة الاستجابة لمخاوف الناس.
لدى مجتمعنا من النشطاء والأكاديميين والخبراء الكثيرون ممن هم مستعدون للعمل في هذا الاتجاه. وإذا كانت المهمة الآنية هي تشكيل المجلس المذكور أعلاه بتكليف من الأحزاب وبشرط ألا يكون ممولًا من مصادر خارجية - فإن هذه المهمة، وما يشبهها من مهمات في المستقبل، هي في الأصل من صلب مسؤوليات لجنة المتابعة العليا، التي يجب أن تملأ، وبصورة عاجلة، الفراغ القائم في تحفيز التفكير السياسي والتخطيط السياساتي وتنظيمهما من داخلها.
لقد حُسم، إذن، سؤال القائمتين (والذين لا يزالون ينادون بقائمة رباعية حتى اللحظة الأخيرة يجدر بهم مطالبة الموحدة صراحة بالالتزام بالخطوط الوطنية العريضة وعدم المشاركة في ائتلاف حكومي - علمًا بأنها مطالبة يائسة، لكنها على الأقل توضح للناس موقف المطالبين، وبذلك تشكل دعمًا للقائمة المشتركة الثلاثية). والمهمة الآن هي الانتقال إلى السؤال الأصعب والأهم:
كيف نحوّل القائمة المشتركة من صيغة انتخابية إلى إطار للعمل السياسي الوطني، قادر على المساهمة في إسقاط حكومة نتنياهو، وعلى حماية الناس والاستجابة لمطالبهم العينية، والمساهمة في العمل على وقف الإبادة في غزّة، من دون التفريط بكرامتهم الوطنية وهويتهم الجماعية وروايتهم التاريخية؟ هنا أقترح أن تتركز طاقات السياسيين والمثقفين والنشطاء والخبراء في المرحلة المقبلة.
اقرأ/ي أيضًا | نحو اجتراح طرق للعمل السياسي الوطني وتجنّب شرعنة الصهيونية
* نديم روحانا؛ المدير المؤسس لمدى الكرمل وباحث مشارك فيه حاليًا.