أعاد النقاش الذي دار في الأيام الأخيرة حول شطب ترشّح سامي أبو شحادة إلى الواجهة سؤالًا يتجاوز الحالة العينية، بل يتجاوز حتى السؤال عمّا إذا كان قرار الشطب مبرّرًا أو كيف ستفصل فيه المحكمة العليا: ما جدوى التقاضي حين لا تكون الخسارة مجرّد احتمال، بل نقطة انطلاق؟
ثمة دقّة قانونية ينبغي توضيحها بدايةً: قرار لجنة الانتخابات المركزية بشطب مرشّح فرد لا يصبح نهائيًا بذاته، بل يحتاج إلى مصادقة المحكمة العليا. بهذا المعنى، فإن قضية أبو شحادة تصل إلى المحكمة العليا في كل الأحوال. لكن النقاش الذي نشأ حول استنفاد المسار القضائي يطرح معضلة أوسع بكثير: هل يصبح التقاضي عبثيًا لمجرّد أننا لا نتوقّع الانتصار فيه؟
هذا السؤال تحديدًا شغلني في أطروحة الماجستير بإشراف البروفيسور ميخائيل كرييني، من خلال ما أسميتُه "التقاضي في ظل خسارة مؤكدة": الحالات التي تختار فيها مجموعات أقلية ومنظمات حقوقية التوجّه إلى المحكمة، رغم إدراكها أن فرص الحصول على الإنصاف القضائي المطلوب ضئيلة جدًا. اتخذ البحث من الالتماسات ضد قانون القومية حالةً دراسية، لكن السؤال الذي حاول الإجابة عنه يتجاوزها: لماذا نستثمر الوقت والموارد ورأس المال البشري والعام في "معركة خاسرة" سلفًا؟
للإجابة عن ذلك، علينا أولًا التحرّر من الافتراض بأن النجاح القضائي مفهوم ثنائي: إمّا انتصرنا وإمّا خسرنا.
فالقانون ليس مجرّد مجموعة من القواعد التقنية والإجراءات المحايدة. إنه أيضًا حيّز جدلي تتقاطع فيه القوة والمقاومة، وساحة اجتماعية وسياسية تتشكّل داخلها علاقات القوة. ولهذا بالذات، يستطيع القانون أن يؤدي وظيفتين متناقضتين في الوقت نفسه: أن يكون أداةً للمحافظة على النظام القائم، وأن يوفّر في الوقت ذاته للمجموعات المبعدة عن مراكز القوة ساحةً لمقاومته.
تكتسب هذه المفارقة معنى خاصًا بالنسبة إلى أقلية سياسية وقومية. فعندما تكون قدرتها على التأثير في مراكز صنع القرار محدودة، تصبح للمسار القضائي وظيفة تتجاوز الحصول على الإنصاف. المحكمة هي إحدى الساحات التي يمكن فيها إلزام الدولة بفعل بسيط في ظاهره، لكنه ليس بديهيًا: أن تقف في مواجهة الادعاء وأن تجيب عنه.
لا يعني ذلك أن المحكمة ستتبنّى الادعاء. لكنه يعني أن ثمة إمكانية ألّا يختفي الادعاء من دون أن يترك أثرًا.
من الأفكار المركزية التي استند إليها بحثي مفهوم Winning Through Losing، أي إمكان "الانتصار عبر الخسارة".
ليس المقصود تجميل الهزيمة. فمن طلب إنصافًا قضائيًا ولم يحصل عليه خسر، بالمعنى الإجرائي المباشر. لكن المحكمة ليست سوى ساحة واحدة داخل منظومة أوسع من الصراع الاجتماعي، والخسارة التي تقع داخلها قد تنتقل إلى ساحات أخرى وتتحوّل إلى مورد سياسي أو تنظيمي أو معرفي.
وقد خلص البحث إلى ثلاث دوائر متراكمة من التأثير: قضائية - فقهية، وتنظيمية، واجتماعية - وعيية.
على المستوى القضائي، لا يعني رفض حجة اليوم بالضرورة اختفاءها. فقد يجبر التقاضي المحكمة على مواجهة سؤال كان حتى ذلك الحين نظريًا، أو على رسم حدّ معياري، أو إبقاء باب تفسيري مفتوحًا، أو وضع أساس يمكن استخدامه في قضايا لاحقة. وبهذا المعنى، قد تتحوّل "خسارة" اليوم، في ظروف معينة، إلى جزء من البنية التي سيُبنى عليها إنجاز قانوني في المستقبل.
أما على المستوى التنظيمي، فقد كشف البحث عن تصوّرين مختلفين لمعنى التقاضي. يركّز الأول على إمكان تحقيق إنجازات قانونية والعمل على تغيير النظام من داخله؛ فيما يرى الثاني في المحكمة أيضًا منبرًا سرديًا: مكانًا يمكن من خلاله إدخال رواية وهوية وموقف سياسي إلى الحيّز الرسمي، حتى من دون افتراض أن القضاة سيتبنّونها.
أما الدائرة الثالثة، الاجتماعية - الوعيية، فلعلها الأكثر تعقيدًا. فالقانون لا يقرّر فقط ما هو مسموح وما هو محظور؛ بل ينتج أيضًا اللغة التي يفهم المجتمع من خلالها نفسه: من ينتمي، ومن يُقصى، وما الذي يُعدّ حقًا، وأي ادعاء يُعترف به بوصفه ادعاءً يستوجب الرد أصلًا.
بهذا المعنى، حتى الالتماس الذي يُرفض يمكن أن يخلّف وراءه أرشيفًا للمقاومة: أن يثبّت في السجل الرسمي أنه لم يكن هناك إجماع، وأن هناك من اعترض، وأن رواية أخرى طُرحت، وأن الدولة أُجبرت على صياغة موقف رسمي والرد على الحجج الموجّهة إليها.
السؤال الأصعب هو: ماذا نريد أن نترك وراءنا حتى لو خسرنا؟ لأن العدالة تكون، أحيانًا، غايةً نبلغها بحكم قضائي. لكن حين تصبح الغاية بعيدة المنال، قد يكون الإصرار على المطالبة بها هو ما يمنع الظلم من أن يصبح الرواية الوحيدة للقصة.
بالنسبة إلى أقلية، ليست هذه مسألة رمزية فحسب. فالامتناع عن دخول الساحة لا يعني فقط التنازل عن احتمال الانتصار فيها؛ بل قد يعني أيضًا التنازل عن إدخال موقفك إلى السجل المؤسسي الذي ستُكتب منه، لاحقًا، الذاكرة القانونية لذلك النزاع.
وهناك معنى آخر للتقاضي في ظل خسارة متوقعة: أحيانًا تنتج الخسارة نفسها معرفة. حين تطالب مجموعةٌ ما النظامَ مرارًا بأن يطبّق عليها المبادئ التي يعلن هو نفسه التزامه بها، ثم تتلقى جوابًا سلبيًا، فإن هذا الجواب يكشف شيئًا عن حدود ذلك النظام.
عندها لا يكون التقاضي بالضرورة تعبيرًا عن إيمان بأن المحكمة ستُنقذ الأقلية. يمكن أن يكون فعلًا واعيًا يختبر مدى قدرة الوعد الدستوري على الصمود عندما يصطدم ببنية القوة التي يعمل داخلها.
وهنا يكمن الفرق بين الأمل الساذج وما أسميتُه في البحث "الأمل العقلاني". الأخير لا يقوم على وهم أن المحكمة ستفكّك بنى قوة راسخة، بل يعترف بحدود القانون، وفي الوقت نفسه يدرك أن لإجبار النظام على الإجابة، ولكشف حدوده وتوثيقها، قيمةً في حد ذاتها.
لكن لهذا السبب بالذات، لا يجوز تحويل التقاضي إلى قيمة مقدّسة. فللتوجّه إلى المحكمة ثمن أيضًا.
عندما يدخل صراع سياسي واجتماعي عميق إلى المحكمة، لا يدخل إليها كما هو؛ عليه أن يمرّ بعملية ترجمة. فالحديث عن التاريخ والهوية والانتماء والإقصاء يجب أن يتحوّل إلى أسباب قانونية وطلبات واختبارات قضائية. واللغة السياسية الواسعة تصبح لغة تناسب وموازنة وتفسير. هذه الترجمة تتيح للادعاء الدخول من باب القانون، لكنها تغيّره أيضًا.
وهنا يظهر خطر القوننة والاستيعاب القانوني (co-optation)، أي أن تستوعب المنظومةُ المقاومةَ داخلها، ثم تعيد صياغتها وفق تصنيفاتها هي، فتضيّق بذلك بعدها السياسي. وبدلًا من أن يزعزع النضال حدود النظام، قد يصبح النظام نفسه هو من يحدّد الحدود التي يُسمح للنضال بأن يتحرّك داخلها.
وهناك ثمن آخر، ربما أكثر إشكالية.
فمجرد إخضاع قرار سياسي للرقابة القضائية قد يمنحه شرعية لم تكن لديه من قبل. فبعد أن تُسمع الادعاءات، وتجيب الدولة، وينظر القضاة في القضية، يصبح بإمكان المنظومة أن تقول: لقد فُحص الخلاف ضمن مسار قانوني وديمقراطي، واجتاز القرار الاختبار.
وهذه هي مفارقة التقاضي في أوضح صورها: تلجأ مجموعات الأقلية ومنظمات الحقوق إلى القانون لكي تتحدى قوة النظام القائم، لكن مجرد لجوئها إليه قد يسهم أيضًا في ترسيخ شرعيته.
ولهذا، فإن القول المقابل، بأن علينا دائمًا أن نتقاضى لأننا دائمًا "نكسب شيئًا"، هو الآخر قول مبسّط أكثر مما ينبغي. فنحن لا نربح دائمًا، وليس الطرف نفسه هو من يربح دائمًا.
قد تكسب الدولة شرعية. وقد تعزّز المحكمة مكانتها المؤسسية. وقد يحقق الملتمسون إنجازًا قانونيًا أو سرديًا. وقد يحصل الجمهور على لغة جديدة يفهم من خلالها النزاع. وكل هذه الأرباح والأثمان يمكن أن توجد في القضية نفسها وفي الوقت نفسه. لذلك، فإن السؤال الأكثر إثارة للاهتمام ليس فقط: من انتصر؟ بل: من ربح من التقاضي، ماذا ربح، وفي أي ساحة؟
وهذه، برأيي، زاوية أدق للتفكير في النقاش الدائر اليوم. ليس السؤال إن كانت المحكمة "معنا" أم "ضدنا". وليس إن كان الوصول إليها انتصارًا أو استسلامًا. وحتى احتمال الحصول على الإنصاف القضائي ليس السؤال الوحيد.
السؤال هو: ماذا نريد أن نُنتج من خلال التقاضي؟
هل نريد تغيير النتيجة؟ وضع أساس قانوني للمستقبل؟ إلزام الدولة بصياغة موقف رسمي؟ إدخال روايتنا إلى السجل القضائي؟ كشف حدود النظام؟ إبقاء الخلاف حيًا حتى بعد صدور الحكم؟ وفي المقابل، هل يمكن في حالة معينة أن يكون الثمن السياسي أو الوعيّي، أو ما يمنحه المسار من شرعية للنظام، أكبر من الفائدة التي يمكن تحقيقها؟
فقط بعد تحديد الغاية يمكن أن نتحدث بجدية عن النجاح والفشل.
إن "التقاضي في ظل خسارة مؤكدة" يعيش داخل هذا التوتر بالضبط: بين الأمل بالتغيير والاعتراف بحدود القانون؛ بين استخدام المنظومة والخشية من أن تستخدم المنظومة التقاضي نفسه لترسيخ قوتها؛ وبين الرغبة في تحقيق العدالة والحاجة، أحيانًا، إلى إبقاء أثرٍ يوثّق أن العدالة قد طُلبت أصلًا.
ولهذا، قد يكون سؤال "هل انتصرنا في المحكمة؟" أحيانًا هو السؤال الأقل إثارة للاهتمام. فالقانون حيّز جدلي تحديدًا لأنه قادر، في الوقت نفسه، على حفظ القوة ومقاومتها؛ على منح الشرعية وكشف حدودها؛ على استيعاب الاحتجاج، وعلى إبقاء أثر له.
وحين تكون فرص الانتصار ضئيلة، لا يعود السؤال فقط ما إذا كان لا يزال هناك معنى للتقاضي. السؤال الأصعب هو: ماذا نريد أن نترك وراءنا حتى لو خسرنا؟ لأن العدالة تكون، أحيانًا، غايةً نبلغها بحكم قضائي. لكن حين تصبح الغاية بعيدة المنال، قد يكون الإصرار على المطالبة بها هو ما يمنع الظلم من أن يصبح الرواية الوحيدة للقصة.
رغدة عوّاد - محامية وحقوقية
اقرأ/ي أيضًا | د. حسن جبارين: ملف أبو شحادة يضع المحكمة العليا أمام اختبار المساواة بين العرب واليهود