02/10/2026 - 09:53

تجربة الدروز وأوهام منصور عبّاس

لم أرَ في السياسة العربيّة في البلاد أكثر من النائب منصور عباس إطلاقًا للشعارات والشائعات والأضاليل. وها هي تجربة الدروز التاريخيّة تُثبت بطلان نموذجه وشعاراته وأوهامه...

تجربة الدروز وأوهام منصور عبّاس

منصور عباس (Getty)

من دروس السياسة التي ينبغي أن نتعلّم منها عشيّة الانتخابات ذاك المتّصل بعلاقة الدولة مع مجموعة عربية أصلانية هي الدروز. أقول هذا لأن في الموحّدة شخصًا راكبًا رأسه وذاهبًا معصوب العينين إلى موقع خاسر وبائس في الحيّز السياسيّ. اتّضح من يوم دراسيّ عُقد في مجلس يركا المحلّي، بالتعاون مع المركز العربي للتخطيط البديل، أن في البلدات المعروفية نحو 2162 بيتًا معرّفة كبيوت بدون ترخيص، منها نحو 292 بيتًا في بلدة يركا وحدها. وهذا يعني أن كل أصحاب هذه البيوت معرّضون لأوامر هدم وغرامات باهظة تصل إلى 400 ألف شيكل. وإذا لم يكن في هذا ما يكفي للتدليل على ما سنقول، نُضيف أن 80% من أراضي البلدة المعروفيّة، بالمعدّل، قد تمّت مصادرتها أو الاستحواذ عليها بأيدي الدولة أو إحدى المؤسسات فوق القوميّة.

بمعنى أن "العلاقات التاريخيّة" بين الدولة والدروز، التي تتغنّى بها الدولة وبعض النُخب الدرزية، لم تشفع للدروز في كلّ ما يتّصل بسياسات المكان وتوزيع الأراضي، بل جعلت من بعض بلداتهم بلدات تفجّر سكاني، و"قسيمة الأرض" عملة نادرة. أمّا الاعتراف اللفظيّ بالطائفة المعروفية وأعيادها، فلم يُترجم إلى تدخّل حكوميّ لمنع الجريمة المنظّمة من "ضرب" البلدات ومشاريعها الناجحة. لكن يأبى منصور عباس وبعض العرب أن يتعلّموا من هذا الدرس، فيواصلون المراهنة على أن أوضاعهم ستكون في أفضل حال لو أنهم خرجوا من عروبتهم قليلًا وصاروا "شاطرين" وخواتم في أيدي دولة الاحتلال العنصريّة! لو أن عيونهم في رؤوسهم ـ خاصة منصور عباس ـ لرأى وأدرك أن اللعبة السياسيّة قائمة على القوة وعلى الابتزاز وعلى التنكيل وعلى استغلال الحلقة الأضعف، وأن حقّك في منظومة كهذه ـ إذا وصل ـ فسيصل بعد أن تقف وتناضل، لا عندما تزحف وتتذلّل، عندما تروي روايتك، وليس عندما تتنكّر لهويتك وإسلامك وشعبك.

لم يراعِ أصحاب قانون القومية ولا قانون كمينتس العلاقات التاريخيّة بين الدولة وبين الدروز. لم يُراعوا "تضحياتهم" ولا خدمتهم في أذرع الأمن، ولم يُراعوا الوكلاء الدروز الذين يسبّحون بحمد الدولة من على كلّ منبر. لقد أخرج قانون القومية الدروز من الـ"نحن" الذي يمتلك الدولة ويحصل منها على كل الامتيازات التفضيليّة، مقابل الدروز وسواهم من السكان المقيمين الأصليين. لقد انتهى الأمر بهذه العلاقة إلى ورطة تاريخية تنظر الدولة إلى الدروز في إطارها على أنهم مرتزقة ليس لديهم إلى أين يذهبون ولو ظُلموا وسُحقوا، أو على أنهم "تابعون" و"رهائن" بين أيديها، تستطيع استخدامهم في كلّ عمل قبيح ـ الاحتلال والقمع مثلًا ـ دون أن تضمن لهم المساواة!
هذه الحقائق لا يستطيع النائب عبّاس، المنقطع عن واقع شعبه ومواطنيه، أن يقول عنها "شبعنا شعارات"! ولن يستطيع أن يتهبّل في مواجهتها ومواجهة ما تعنيه من فشل طرحه ونموذجه في الواقع العمليّ. ليس لديه ما يقوله حيال الرقمين أعلاه. ومع هذا يواصل أضاليله كأن شعبنا وصل للتوّ من كوكب آخر، أو كأننا لم نخبر على جلودنا ماذا يعني أن تقترب من مركز الحكم في النظام الاستعماريّ وتظلّ "غريبًا" أو "منبوذًا"، عُرضة للتمييز العنصريّ. كأننا لا نعرف ماذا يعني أن تتنازل عن روايتك وهويّتك ومطالبك في منظومة عنصريّة تسعى هي بكلّ قوتها إلى أن ترحّلك وأن تُبقيك تابعًا أو بدون حقوق سياسيّة.

أستغرب من "قائد" سياسيّ يدّعي المعرفة أنه لا يعرف أبسط قوانين السياسة ودروسها التاريخيّة، فيزعم أنه الحلّ وهو المشكلة ـ مشكلة العرب واليهود على السواء. فحتّى يتغيّر الواقع، ينبغي على أصحاب الحقّ أن يحضروا بقوّة لا أن يغيبوا، وأن يقولوا ما على قلوبهم لا أن ينشقوا عن مجتمعهم وينضمّوا إلى لعبة خاسرة.

لم أرَ في السياسة العربيّة في البلاد أكثر من النائب منصور عباس إطلاقًا للشعارات والشائعات والأضاليل. وها هي تجربة الدروز التاريخيّة تُثبت بطلان نموذجه وشعاراته وأوهامه، إلا إذا كان يخدم أجندات لا تتعلّق بمجتمعه أو مصالحه! ولا يبقى في الوادي غير حجارته ـ "المُشتركة" بوصفها الأقرب إلى تجسيد رواية مجتمعنا وشعبنا.