باتت حملات التأثير عبر الصفحات على وسائل التواصل الاجتماعي أداة مركزية تستخدمها دول عديدة في المنطقة والعالم، ولم تعد مجرد ظاهرة عابرة، بل تحولت إلى شكل من أشكال الحرب على الخبر والسردية والحدث، إذ تنشط بشكل ملحوظ خلال التوترات السياسية والعسكرية، من خلال بناء شبكة حسابات وهمية لتوجيه النقاش العام وصياغة وعي الجمهور بما يخدم مصالح سياسية محددة.
وإضافة إلى الصفحات التي ارتبطت سابقًا بمحاولات إسرائيلية للترويج لظاهرة الأسرلة وتلميع صورة إسرائيل وتعاملها مع الفلسطينيين في أراضي الـ48، برزت مؤخرًا صفحات جديدة هجينة المحتوى ومجهولة المصدر، تجمع بين الطابع الإخباري والمجتمعي، وتعمل دون هوية واضحة أو شفافية بشأن الجهة التي تقف خلفها.
وكشف بحث لمنظمة "فيك ريبورتر" (Fake Reporter)، من خلال رصد عدد من الصفحات والحسابات، عن انتشار صفحات مجهولة المصدر، يتسم محتواها بالشبهات إلى حد كبير، وتتمحور منشوراتها حول الأحداث داخل أراضي الـ48، وكأنها تعمل ضمن شبكة واحدة موجهة بهدف التأثير داخل المجتمع الفلسطيني في الداخل.
وقامت هذه الصفحات، وأبرزها: "صوت الـ48" و"أهلنا" و"عشان 48" وصفحات أخرى، بالتواصل مع أحزاب سياسية ومؤسسات إعلامية وصحافيين، بل والدعوة إلى تنظيم وقفات احتجاجية عبر ناشطين، في محاولة لاكتساب ثقة رواد مواقع التواصل الاجتماعي.
وفي حديثه لـ"عرب 48"، يقول الباحث في منصات التواصل الاجتماعي ومختص التحري عبر المصادر المفتوحة في منظمة "فيك ريبورتر"، غسان مطر، إن "ما يُعرف بحملات التأثير عبر وسائل التواصل الاجتماعي لم يعد ظاهرة جديدة، بل بات أداة مركزية تستخدمها دول وأطراف سياسية مختلفة للتأثير على الرأي العام، سواء داخل دولها أو خارجها. هذه الحملات تقوم غالبًا على بناء شبكات حسابات وهمية تُدار بشكل منظم بهدف توجيه النقاش العام وصناعة سرديات معينة، وقد شهدنا ارتفاعًا ملحوظًا في وتيرة هذه الظاهرة خلال أوقات الحروب والأزمات، وهو ما ينطبق على السنوات الأخيرة في ظل حالة التصعيد المستمرة في المنطقة".
ويضيف أن "السنوات الثلاث الماضية شهدت رصد عشرات، بل مئات، محاولات التأثير من أطراف متعددة، من بينها إسرائيل وإيران وروسيا، إذ باتت جميع الأطراف الفاعلة في الساحة الإقليمية والدولية تستخدم هذا ‘السلاح الرقمي’".
ويستحضر مطر في هذا السياق "محاولات إسرائيلية سابقة للتأثير على الرأي العام في الولايات المتحدة لدعم الحرب على غزة، إلى جانب محاولات إيرانية للتأثير داخل إسرائيل، وغيرها من الحملات المتبادلة. إلا أن استهداف فلسطينيي أراضي الـ48 بشكل مباشر عبر هذه الأدوات لم يُرصد سابقًا بهذا الشكل، حتى مؤخرًا مع نهاية عام 2025 وبداية العام الجاري".

ويشير إلى أن "فريقنا رصد شبكة منظمة من الحسابات التي قدّمت نفسها تحت غطاء مواقع إخبارية أو جمعيات مجتمع مدني، واستهدفت الوصول إلى جمهور واسع من فلسطينيي الداخل. وتمحورت الشبكة حول عدة حسابات مركزية، أبرزها حسابات حملت أسماء مثل ‘صوت الـ48’ و‘أهلنا’ و‘عشان 48’، حيث ظهرت الأولى كجمعية تُعنى بمكافحة العنف والجريمة، بينما قدّم الثاني نفسه كمنصة إخبارية تنشر الأخبار ومقالات الرأي. وحول هذه الحسابات المركزية، وُجدت عشرات الحسابات الوهمية التي بدت كأشخاص حقيقيين، لكنها في الواقع كانت جزءًا من شبكة واحدة تعمل بشكل منسق لتعزيز المصداقية والتأثير".
ويلفت مطر إلى أن "هذه الشبكة نجحت إلى حدٍّ ما في إقناع شريحة من الجمهور بمصداقيتها، بل وتمكنت من التفاعل مع جهات إعلامية وشخصيات مؤثرة، ووصل الأمر إلى نشر مقالات رأي في منصات إعلامية محلية تناولت قضايا حساسة مثل العنف والجريمة، والوضع السياسي للفلسطينيين في الداخل، وقضايا الانتخابات وتشكيل القوائم المشتركة. اختيار هذه الملفات لم يكن عشوائيًا، بل جاء لاستهداف نقاط حساسة ومؤثرة داخل المجتمع".
وبشأن مصدر هذه الحملة، يوضح أن "تحديد الجهة المسؤولة بشكل قاطع يبقى أمرًا معقدًا، إلا أن التحقيقات أظهرت مؤشرات قد توحي بوجود صلة إيرانية، استنادًا إلى إشارات تقنية تم رصدها، من بينها بيانات مرتبطة ببعض الحسابات على منصات أخرى. ومع ذلك، لا ترقى هذه المؤشرات إلى مستوى الدليل القاطع، نظرًا لإمكانية استخدام أدوات مثل الشبكات الافتراضية الخاصة (VPN) أو وسطاء تقنيين لإخفاء المصدر الحقيقي، ما يترك الباب مفتوحًا أمام فرضيات متعددة، بما فيها تورط أطراف ثالثة".
ويرى مطر أن "تأثير هذه الشبكات لم يصل إلى مرحلة تغيير فعلي في الرأي العام، لكنها حققت اختراقًا ونجاحًا نسبيًا في مرحلة بناء المصداقية، حيث نجحت في التواصل مع أحزاب ومؤسسات إعلامية وصحافيين وناشطين، بل ودفعهم للتعامل مع هذه الصفحات ونشر مواد فيها، وهو ما يُعد مرحلة خطرة بحد ذاتها، ويعكس قدرة هذه الشبكات على التغلغل التدريجي في المشهد العام".

ويحذر من "المخاطر المترتبة على التفاعل مع مثل هذه الجهات، خاصة في ظل غياب وضوح هويتها ومصادرها، وما قد يترتب على ذلك من تبعات قانونية وأمنية محتملة".
وفي ختام حديثه، يقدّم مطر جملة من الإرشادات للتعامل مع هذا النوع من المحتوى، أبرزها "تبني حالة من الشك الصحي عند التعامل مع ما يُنشر على وسائل التواصل، والتحقق من مصادر الصفحات وهوية القائمين عليها، ومراجعة طبيعة المحتوى المنشور، خاصة إذا كان يتسم بالمبالغة أو التحريض أو يحمل سمات لغوية غير مألوفة قد تشير إلى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي".