أفادت منظمة "مراسلون بلا حدود" بأن إسرائيل شهدت تراجعًا في حرية الصحافة وتشديدًا على التعددية الإعلامية منذ اندلاع الحرب على غزة في 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023، في ظل تصاعد الضغوط على الصحافيين وتزايد القوانين المقيّدة، بالتوازي مع مقتل أكثر من 220 صحافيًا في غزة ولبنان.
تغطية متواصلة على قناة موقع "عرب 48" في "تليغرام"
وجاء ذلك في تصنيفها السنوي الصادر اليوم الخميس، الذي أظهر أن حرية الصحافة عالميًا بلغت أدنى مستوياتها منذ ربع قرن، إذ إنّ الوضع في أكثر من نصف دول العالم "صعب" أو "خطير للغاية".
وأوضحت المنظمة في المذكرة المرفقة بهذا التصنيف أن "متوسط سجل البلدان التي يشملها التقييم لم يسبق أن هبط إلى هذا الحد من التدني على مدى السنوات الخمس والعشرين الماضية".
وعزَت هذا التدهور إلى "اتساع ترسانة تشريعية آخذة في التقييد وتشديد الخناق، ولا سيما في ظل تنامي سياسات الأمن القومي" منذ 2001، أي السنة التي حصلت فيها هجمات 11 أيلول/ سبتمبر في الولايات المتحدة.
وأفادت "مراسلون بلا حدود" بأن نسبة "سكان العالم الذين يعيشون في بلدان حيث يُعتبر وضع الصحافة ‘جيدا‘" انخفض من 20% عام 2002 إلى أقل من 1%. وتندرج في هذه الفئة سبعة بلدان فحسب من شمال أوروبا، تتقدّمها النروج. احتلت فرنسا المرتبة الخامسة والعشرين ضمن فئة "حالة جيدة نوعا ما".
تضييق متواصل على الإعلام في إسرائيل منذ حرب غزة
وتراجع تصنيف إسرائيل من المرتبة 112 إلى المرتبة 116 في حرية الصحافة من أصل 180؛ وأفادت منظمة "مراسلون بلا حدود" بأن إسرائيل شهدت "تشديد الخناق على التعددية الإعلامية واستقلالية وسائل الإعلام وحرية الصحافة" منذ اندلاع الحرب على غزة في 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2023، في أعقاب الهجوم الذي نفذته حركة حماس.
وقالت المنظمة إن "الجيش الإسرائيلي قتل في القطاع الفلسطيني المحاصر أكثر من 220 صحفيًا، من بينهم 70 على الأقل بسبب طبيعة عملهم"، مضيفة أنه "في الوقت نفسه، تزايدت الضغوط على الصحفيين في إسرائيل وتضاعفت حملات التضليل والقوانين القمعية".
المشهد الإعلامي في إسرائيل
وأشارت المنظمة إلى أنه "في عام 2023، أصبحت القناة التلفزيونية اليمينية المتطرفة ‘القناة 14‘ ثاني أكثر القنوات مشاهدة في إسرائيل، بعد ‘القانة 12‘، وفقاً لمعهد إسرائيل للديمقراطية"، مضيفة أن "موقع "واي نت" الإخباري يُعد الأكثر قراءة في البلاد".
وأضافت أن "صحيفة "هآرتس" اليومية تواصل التأثير بقوة في الساحة الإعلامية رغم عدد قرّائها المحدود والضغوط التي يتعرض لها صحفيوها"، فيما "تتنافس صحيفتا "يديعوت أحرونوت" و"يسرائيل هيوم" في مجال الصحافة المكتوبة".
ولفتت إلى أنه "أمام ضعف تمثيل بعض شرائح المجتمع الإسرائيلي في الإعلام، ظهرت منابر صحافية موجهة إلى الجمهور الناطق بالعربية أو الروسية، وإلى الطائفة اليهودية الأرثوذكسية (الحريديون)".
السياق السياسي لتراجع حرية الصحافية في إسرائيل
وذكرت المنظمة أن "القادة السياسيين يتمتعون بتأثير كبير على التعيينات في الهيئات التنظيمية للبث الإذاعي والتلفزيوني"، مشيرة إلى أنه "منذ عام 2021، لم يُسمح إلا لصحفيي القناة 14، وهي مؤسسة إعلامية موالية لبنيامين نتنياهو، بإجراء مقابلات معه".
وأضافت أن نتنياهو "يتهم الصحافة الإسرائيلية بالتآمر ضده"، فيما "دعا وزير الاتصالات، شلومو كرعي، الحكومة إلى مقاطعة صحيفة ‘هآرتس‘ خلال عام 2024"، رغم أنها "من الصحف القليلة التي تنتقد سياسات نتنياهو، بما في ذلك المذابح التي تطال المدنيين في غزة، وهو موضوع محظور تقريبًا في وسائل الإعلام الإسرائيلية".
كما أشارت إلى أنه "لا يُسمح إلا للصحفيين الذين يرافقون الجيش الإسرائيلي بدخول القطاع".
الإطار القانوني
وبيّنت المنظمة أن "رقابة عسكرية تُمارس على مختلف القضايا الأمنية في إسرائيل، حيث يتطلب النشر موافقة مسبقة من السلطات".
وأضافت أنه "في عام 2023، وافق الكنيست على تعديل قانون مكافحة الإرهاب، الذي يعاقب من ‘يستهلك المطبوعات الإرهابية بشكل منهجي ومستمر‘ أو من يبث ‘دعوة مباشرة لارتكاب عمل إرهابي‘".
وأوضحت أن "تفسير هذا النص الفضفاض يهدف إلى حظر وسائل الإعلام التي تعتبر غير موالية للحكومة"، مشيرة إلى أن ذلك "يتعزز بقانون صدر عام 2024، يتيح للسلطات حظر بث وسائل الإعلام الأجنبية التي "تهدد أمن الدولة"".
السياق الاقتصادي للصحافية غي إسرائيل
وأفادت المنظمة بأن "ملكية معظم وسائل الإعلام في إسرائيل تعود إلى شركات كبرى أو رجال أعمال نافذين"، مشيرة إلى أن هؤلاء "يستخدمون هذه الوسائل للضغط على الهيئات التنظيمية والنواب المنتخبين".
وأضافت أن "مشاريع إصلاحية قدمها وزير الاتصالات، كرعي، خلال عام 2024 تهدف إلى خصخصة هيئة البث العامة الإسرائيلية، أو حتى إغلاقها، مع فرض سيطرة سياسية على الهيئات التنظيمية للقطاع السمعي البصري الخاص".
السياق الاجتماعي والثقافي للصحافة في إسرائيل
ولفتت المنظمة إلى أن "أساليب الترهيب التي تطال الصحافيين العرب في إسرائيل أثناء مزاولتهم لعملهم قد تزايدت"، كما أصبحت "إجراءات الحصول على الاعتمادات للصحافيين الأجانب أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى".
وأضافت أنه "منذ بداية الحرب على غزة، اشتدت وتيرة قمع السلطات للصحافيين، خاصة الأجانب أو الإسرائيليين الذين يحاولون تغطية النزاع خارج إطار الرواية الحكومية الرسمية". وأشارت إلى أن "خطابًا قوميًّا متشددًا يهيمن على التغطية الإعلامية، على حساب التغطية التعددية للصراع".
الأمن وتأثيره على حرية الصحافية في إسرائيل
وأكدت المنظمة أن "الجيش الإسرائيلي قتل أكثر من 220 صحفيًا، من بينهم 70 على الأقل بسبب عملهم، في كل من قطاع غزة ولبنان منذ عام 2023"، مشيرة إلى أن "السجون الإسرائيلية تضم عددًا كبيرًا من الصحفيين الفلسطينيين المعتقلين في غزة والضفة الغربية".
وأضافت أن "إجراءات القمع ضد الصحفيين الإسرائيليين الذين يغطون المظاهرات المناهضة للحكومة قد اشتدت"، فيما "يدفع الخطاب الإعلامي القومي المتزايد الصحفيين الناقدين نحو الرقابة الذاتية". كما لفتت إلى أن "حملات التشهير والدعاية عبر الإنترنت، التي تستهدف وسائل الإعلام والصحفيين، أصبحت ممارسة شائعة ومتزايدة".
ماذا عن الولايات المتحدة؟
أما الولايات المتحدة التي كان تصنيفها انخفض أصلا من "حالة جيدة نوعا ما" إلى "حالة إشكالية" عام 2024، أي في سنة إعادة انتخاب دونالد ترامب رئيسا، فتراجعت سبعة مراكز لتحتل المرتبة الرابعة والستين، "بينما تجد بلدان عديدة في أميركا اللاتينية نفسها عالقة وسط دوامة من العنف والقمع".
ورأى التقرير أن "ترامب جعل من استهداف الصحافة ومهاجمة الصحافيين ممارسة ممنهجة"، مشيرا أيضا إلى احتجاز وترحيل الصحافي السلفادوري ماريو غيفارا الذي كان يندد بتوقيف المهاجرين.
كذلك أبرز التصنيف "التخفيض الجذري في عدد موظفي الوكالة الأميركية للإعلام العالمي، وما ترتب عن ذلك من انعكاسات سلبية على المستوى الدولي، من خلال إغلاق مؤسسات إعلامية أو تعليق نشاطها أو تسريح موظفيها".
وأفادت المنظمة بأن "أكبر تراجع على مستوى تصنيف عام 2026، فقد سُجل في النيجر" التي احتلت المرتبة 120 أي بتراجع 37 مركزا. واعتبرت أن ذلك "يُجسد تدهور حرية الصحافة في منطقة الساحل منذ سنوات عدة، علما أن هذا البلد يئن تحت وطأة الهجمات التي تشنها الجماعات المسلحة من جهة والقمع الذي تفرضه مختلف المجالس العسكرية المتعاقبة على سدة الحُكم".
وقالت مديرة التحرير في منظمة "مراسلون بلا حدود" آن بوكاندي إن "بعض الدول كانت في الطليعة في مجال حرية الصحافة، لكنها تدهورت بشكل عميق مع وصول أنظمة عسكرية إلى الحكم، كما هي الحال في مالي (المرتبة 121) أو بوركينا فاسو (المرتبة 110)".
وحلّت إريتريا في المرتبة الـ180 الأخيرة في التصنيف، بعد إيران والصين وكوريا الشمالية. وتراجعت السعودية 14 مرتبة وصُنفَت في المركز الـ176، وذكّر التقرير بإعدام الكاتب تركي الجاسر في حزيران/يونيو 2025 ، واصفا إياه بأنه "واقعة فريدة من نوعها على مستوى العالم".