أعادت التسوية التي توصلت إليها شركة "ميتا" مع 29 ولاية أميركية بشأن اتهامات بتصميم منتجات رقمية تسبب الإدمان لدى القاصرين، الجدل حول إمكان انتقال ضغوط مماثلة إلى دول أخرى، في وقت تواجه فيه الشركة دعاوى وتحقيقات منفصلة في كينيا وهولندا والاتحاد الأوروبي.
وبموجب التسوية، وافقت "ميتا" على دفع 18 مليار دولار وإدخال تغييرات على بعض خصائص منصتي "فيسبوك" و"إنستغرام" في الولايات المتحدة، من بينها فرض حدود زمنية على استخدام الأطفال وحظر الاستخدام ليلًا.
وجاء الاتفاق بعد أربعة أيام من بدء المحاكمة، فيما كانت الولايات تطالب بتعويضات تصل إلى 200 مليار دولار، في حين كانت "ميتا" قد أشارت في ملف قضائي سابق إلى احتمال تعرضها لالتزامات مالية قد تبلغ 1.4 تريليون دولار.
ورغم أن التسوية فرضت قيودًا جديدة داخل السوق الأميركية، فإن تأثيرها خارج الولايات المتحدة لا يزال موضع تساؤل. وترى جهات قانونية وحقوقية أن حكومات أخرى قد تطالب الشركة بتنازلات مماثلة، خصوصًا في ما يتعلق بحدود استخدام القاصرين وتصميم الخلاصات الرقمية.
وفي بريطانيا وأستراليا، سبق أن فُرضت قيود تنظيمية على استخدام القاصرين لوسائل التواصل الاجتماعي، ما يفتح الباب أمام مطالب إضافية، بينها اعتماد حد يومي افتراضي لاستخدام من هم دون 18 عامًا، على غرار ما وافقت عليه "ميتا" في الولايات المتحدة.
لكن القضايا الأوسع المتعلقة بخوارزميات الشركة ومسؤوليتها عن المحتوى الذي تروجه منصاتها لا تزال من دون حسم.
وفي كينيا، يواصل أبرهام ميراغ دعوى أقامها ضد "ميتا" في 2022 على خلفية مقتل والده، أستاذ الكيمياء في مدينة بحر دار الإثيوبية، خلال الحرب الأهلية في البلاد.
ويقول ميراغ والجهة الحقوقية "فوكسغلوف" الداعمة لقضيته إن خوارزمية "فيسبوك" ساهمت في الترويج لمنشورات دعت إلى قتل والده وتضمنت صورًا له وعنوان منزله، رغم مطالبات متكررة بحذفها.
وقضت المحكمة العليا في كينيا أخيرًا بإمكان مواصلة النظر في القضية، بعد محاولات قانونية من "ميتا" لمنعها من الوصول إلى المحاكمة، ما قد يتيح بدء جلساتها خلال العام المقبل.
وتتمحور القضية حول خوارزمية "ميتا" التي تحدد المحتوى المعروض أمام مستخدمي "فيسبوك" و"إنستغرام"، وهي آلية تعتمد على سلوك المستخدم وتفضيلاته لتخصيص المحتوى وزيادة مدة بقائه على المنصة.
ويقول منتقدو الشركة إن هذه الخوارزميات قد تؤدي إلى تضخيم محتوى ضار أو متطرف، خصوصًا عندما تقترن بضعف إجراءات الإشراف على المحتوى في بعض المناطق.
وكانت توقعات ظهرت في بداية المحاكمة الأميركية بأن تؤدي القضية إلى تغييرات أعمق في آلية عمل خوارزميات "ميتا"، إلا أن التسوية ركزت بدرجة أكبر على الحد من استخدام القاصرين وتقييد بعض جوانب تخصيص المحتوى لهم.
وفي هولندا، وصفت منظمة "ريpro أنسينسورد"، التي تتابع قضايا الرقابة الرقمية، التسوية الأميركية بأنها تطور مهم، فيما تواصل دعوى ضد "ميتا" على خلفية اتهامات بتمييز منصاتها ضد حسابات مرتبطة بمجتمع الميم، وتخطط لاتخاذ إجراءات قانونية إضافية في دول أوروبية أخرى.
وتطالب المنظمة بألا تقتصر مساءلة الشركات على تصميم المنتجات المسببة للإدمان، بل أن تشمل أيضًا الخوارزميات، وآليات الإشراف التمييزية، وأنظمة اتخاذ القرار الآلي.
وفي الاتحاد الأوروبي، فتحت المفوضية الأوروبية في 2024 تحقيقًا بشأن ممارسات "ميتا"، وأصدرت خلال الصيف مذكرة اتهامات قالت فيها إن بعض خصائص منصاتها، ومنها التمرير اللانهائي، قد تسهم في أنماط استخدام قهرية وغير صحية.
وقد يقود التحقيق الأوروبي إلى مطالب بإجراء تغييرات أوسع في تصميم المنصات أو في خوارزميات التوصية، إلا أن قدرة الجهات التنظيمية خارج الولايات المتحدة على فرض تنازلات مماثلة لا تزال غير مؤكدة.
وتواجه "ميتا" كذلك قضايا مرتبطة بدورها المزعوم في تضخيم محتوى عنيف في ميانمار وإثيوبيا، فيما سبق أن رفضت الشركة اتهامات بأنها تقدم الأرباح على سلامة المستخدمين، وقالت إنها توظف فرقًا تتمتع بخبرة محلية لرصد المحتوى المخالف في إثيوبيا.
وتشير التسوية الأميركية، بحسب متابعين، إلى أن الضغوط القضائية قد تدفع "ميتا" إلى تغيير بعض ممارساتها، لكنها لا تحسم الأسئلة الأوسع المتعلقة بمسؤولية الشركة عن خوارزمياتها وتأثيرها في المجتمعات خارج الولايات المتحدة.