03/09/2026 - 09:48

بيانات الإعلانات تتحول إلى أداة لمراقبة الصحافيين ومصادرهم

أسهم هذا القطاع في ظهور ما يعرف باستخبارات الإعلانات ADINT، وهي خدمات تعتمد على بيانات الإعلانات لتقديم قدرات مراقبة أكثر تخصصًا، مثل تحديد موقع أجهزة في وقت شبه حقيقي أو استعراض تحركاتها السابقة...

بيانات الإعلانات تتحول إلى أداة لمراقبة الصحافيين ومصادرهم

(Getty)

حذّر تحقيق مشترك أجرته لجنة حماية الصحافيين ومركز كار-رايان لحقوق الإنسان في كلية كينيدي بجامعة هارفارد من توسع سوق تجارية تتيح استخدام بيانات تجمعها تطبيقات الهواتف ومنظومات الإعلانات الرقمية في تتبع الصحافيين ومصادرهم، من دون الحاجة إلى اختراق أجهزتهم ببرامج تجسس متقدمة.

ويشير التحقيق إلى أن بيانات المواقع التي تجمعها تطبيقات تبدو اعتيادية قد تنتقل عبر شركات الإعلانات ووسطاء البيانات إلى جهات أخرى، بما يسمح بإعادة بناء تحركات أشخاص محددين، ومعرفة الأماكن التي يزورونها، وربما الأشخاص الذين يلتقون بهم.

وأظهر الصحافي البلجيكي نيكولا بودو سهولة الوصول إلى هذه البيانات بعدما حصل مجانًا من وسيط بيانات أميركي على عينة تغطي أسبوعين من عام 2025، وتضمنت بيانات نحو مليون جهاز و100 مليون موقع. وقال إن فريقه تمكن من استخدام العينة لتحديد هويات أشخاص بعينهم.

وفي ألمانيا، وجد الصحافي إنغو داخفيتز، من موقع "نيتسبوليتيك"، بيانات تتعلق بتحركاته الشخصية ضمن عينة مجانية مشابهة. وكان قد سمح سابقًا لتطبيق طقس بالوصول إلى موقعه، لكنه لم يتوقع انتقال تلك المعلومات لاحقًا إلى قاعدة بيانات يمكن للآخرين الاطلاع عليها.

كما كشفت وسائل إعلام ألمانية في نيسان/أبريل 2026 عن بيانات تجارية تتعلق بالصحافية المصرية بسمة مصطفى، التي تعيش في برلين، تضمنت معلومات عن منزلها وأماكن زارتها. وأثارت النتائج مخاوف من إمكانية استخدام هذه البيانات لمراقبتها أو تتبع تحركاتها.

ويبدأ تدفق البيانات، وفق التحقيق، من التطبيقات نفسها، عبر تقنيات بينها حزم تطوير البرمجيات، المعروفة اختصارًا بـSDKs، ونظام المزايدة الفورية على الإعلانات RTB. وتساعد حزم التطوير التطبيقات في الارتباط بمنصات إعلانية، لكنها قد تستخدم أيضًا في جمع بيانات المواقع وإرسالها إلى جهات أخرى.

وفي نظام المزايدة الفورية، تُرسل عند فتح موقع أو تطبيق يحتوي على إعلان معلومات مرتبطة بالجهاز والمستخدم إلى سوق إلكترونية تتنافس فيها جهات إعلانية على شراء مساحة لعرض إعلاناتها. وقد تشمل هذه البيانات الموقع والوظيفة والاهتمامات والانتماءات السياسية أو معلومات صحية ونفسية.

ولا تتضمن هذه الملفات اسم المستخدم بالضرورة، لكنها غالبًا ما ترتبط بمعرّف إعلاني خاص بالهاتف. ورغم إمكانية إعادة ضبط هذه المعرّفات، تؤكد لجنة التجارة الفيدرالية الأميركية أنها لا توفر إخفاءً فعليًا للهوية، إذ يمكن ربطها ببيانات أخرى للوصول إلى هوية صاحب الجهاز.

وأظهرت أبحاث سابقة في جامعة واشنطن إمكانية استغلال نظام المزايدة الفورية للتحقق من وجود جهاز في مكان معين، عبر استهداف معرّف إعلاني محدد بإعلان يظهر فقط عند اقترابه من موقع جغرافي معين.

وفي عام 2023، حذّر المجلس الأيرلندي للحريات المدنية من إمكان استخدام جهات حكومية وغير حكومية أجنبية بيانات المزايدة الفورية لجمع معلومات عن مسؤولين وشخصيات عسكرية في الولايات المتحدة وأوروبا، مشيرًا إلى أن المخاطر نفسها تنطبق على الصحافيين.

واستند المجلس إلى بيانات من سوق "زاندر" الإعلاني، التابع لاحقًا لـ"مايكروسوفت"، تضمنت شرائح مستخدمين مصنفة بصفات واهتمامات مختلفة، بينها فئات مرتبطة بصحافيات في بريطانيا وأخرى بالصحافيين والأخبار، إضافة إلى فئة لأشخاص مهتمين بلجنة حماية الصحافيين.

وفي كانون الثاني/يناير 2025، قدم المجلس الأيرلندي للحريات المدنية ومركز معلومات الخصوصية الإلكترونية شكوى إلى لجنة التجارة الفيدرالية الأميركية بشأن نظام المزايدة الفورية التابع لـ"غوغل"، واتهمت الشكوى الشركة بعدم الالتزام بقواعد حماية البيانات، مشيرة إلى حالات أُرسلت فيها بيانات إلى جهات في الصين وروسيا.

ونفت "غوغل" ارتكاب مخالفات، وقالت إن لديها قيودًا مشددة على أنواع البيانات التي تشاركها في عمليات المزايدة الفورية. وفي عام 2026، أتاحت خيارًا إضافيًا للحد من المعلومات المشتركة عبر المزادات الإعلانية، لكنه لم يكن مفعّلًا افتراضيًا.

ولا تقتصر المشكلة على منصات الإعلانات، إذ تملك التطبيقات نفسها حوافز مالية لجمع بيانات المستخدمين. وفي عام 2025، كشف موقع "404 ميديا" عن بيانات مواقع مرتبطة بنظام المزايدة الفورية مصدرها تطبيقات شائعة، بينها "كاندي كراش" و"تيندر" و"غريندر" و"تيمبل رن"، إلى جانب تطبيقات إخبارية وصحية.

وبعد خروج البيانات من الهاتف، تدخل في سوق أخرى تقودها شركات تعرف باسم وسطاء البيانات، تجمع المعلومات من مصادر مختلفة ثم تبيعها لجهات تجارية أو أمنية أو استخباراتية.

وأسهم هذا القطاع في ظهور ما يعرف باستخبارات الإعلانات ADINT، وهي خدمات تعتمد على بيانات الإعلانات لتقديم قدرات مراقبة أكثر تخصصًا، مثل تحديد موقع أجهزة في وقت شبه حقيقي أو استعراض تحركاتها السابقة.

وفي عام 2025، كشف صحافي "لوموند" مارتن أونترسينغر وجود أكثر من عشر شركات تستخدم بيانات الإعلانات لتقديم خدمات من هذا النوع، معتبرًا أن هذه السوق تتيح وصولًا عالميًا إلى بيانات يمكن استخدامها لاستهداف صحافيين.

ومن بين الأدوات التي سلطت عليها الأبحاث الضوء نظام "ويب لوك" الذي تطوره شركة "بين لينك" الأميركية. وخلص تحقيق نشره "سيتيزن لاب" في نيسان/أبريل 2026 إلى أن النظام يعتمد على بيانات مشتراة من تطبيقات المستهلكين والإعلانات الرقمية، ويتيح مراقبة جغرافية واسعة النطاق.

وأقرت "بين لينك" بأن "ويب لوك" يستخدم بيانات مواقع مرتبطة بمعرّفات أجهزة، لكنها قالت إنها تحصل عليها من مزودين يؤكدون حصولهم على موافقة المستخدمين، وإنها تطبق قيودًا لمنع إساءة استخدام منتجاتها وانتهاك حقوق الإنسان.

ووجد "سيتيزن لاب" أن عملاء للنظام شملوا جهاز الاستخبارات الهنغاري والشرطة في السلفادور والجيش الأميركي وأجهزة لإنفاذ القانون في الولايات المتحدة، كما ظهرت مؤشرات على استخدامه في دول عدة بينها ألمانيا والنمسا وإيطاليا ورومانيا والإمارات وإسرائيل وسنغافورة وروسيا.