كشفت وثائق قضائية رُفعت عنها السرية حديثًا عن نقاشات ومخاوف داخلية في "أوبن إيه آي" و"مايكروسوفت" بشأن استخدام المحتوى الصحافي المحمي بحقوق النشر في تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، ومدى قدرة منتجات مثل "شات جي بي تي" و"كوبايلوت" على تقليص زيارات المواقع الإخبارية التي توفر جزءًا من بيانات التدريب.
وتأتي الوثائق ضمن نزاع واسع أمام المحكمة الفدرالية للمنطقة الجنوبية من نيويورك، يجمع دعاوى رفعتها مؤسسات إعلامية ومؤلفون ضد "أوبن إيه آي" و"مايكروسوفت"، وفي مقدمتها الدعوى التي أقامتها "نيويورك تايمز" في كانون الأول/ديسمبر 2023، واتهمت فيها الشركتين باستخدام ملايين المواد المحمية بحقوق النشر من دون ترخيص لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي.
وتنفي "أوبن إيه آي" و"مايكروسوفت" أن يكون استخدام المواد في التدريب مخالفًا للقانون، وتستندان في دفاعهما إلى مبدأ "الاستخدام العادل" في قانون حقوق النشر الأميركي، معتبرتين أن النماذج لا تعيد نشر المواد الأصلية بصورتها التقليدية، بل تستخدمها ضمن عملية تحويلية لاستخراج أنماط وإنتاج محتوى جديد.
غير أن مستندات داخلية كُشف عنها في أيلول/سبتمبر الجاري منحت المؤسسات الإعلامية المدعية مادة جديدة لمحاولة الطعن في هذا الدفاع، إذ تضمنت تحذيرات صادرة عن مسؤولين وموظفين في الشركتين بشأن الآثار التي قد تتركها أنظمة الذكاء الاصطناعي على صناعة الأخبار.
وفي مذكرة داخلية تعود إلى كانون الثاني/يناير 2023، استخدم مدير العلوم التطبيقية في "مايكروسوفت"، برنت هيشت، لغة شديدة الانتقاد لوصف جمع كميات كبيرة من المحتوى المنشور على الإنترنت لتدريب النماذج، محذرًا من أن استخدام أعمال أنتجها آخرون من دون أن يقصد أصحابها إدخالها في أنظمة الذكاء الاصطناعي يثير مشكلة جوهرية بشأن مصادر بيانات التدريب.
وأظهرت وثيقة أخرى أعدها هيشت في كانون الثاني/يناير 2024 مخاوف من أن يؤدي انتشار أدوات الإجابة بالذكاء الاصطناعي إلى تقليص حركة الزيارات إلى المواقع التي توفر المحتوى الذي تعتمد عليه النماذج نفسها.
ووفق البيانات الواردة في المستندات، أدى استخدام "كوبايلوت" بوصفه محركًا للإجابات إلى انخفاض معدل انتقال المستخدمين إلى نطاق "نيويورك تايمز" بنسبة وصلت إلى 93% مقارنة بنتائج البحث التقليدية عبر "بينغ".
وحذر هيشت من نشوء دائرة سلبية تبدأ بتراجع زيارات المواقع الإخبارية وإيراداتها، مرورًا بانخفاض قدرتها على إنتاج صحافة أصلية مرتفعة الجودة، وصولًا إلى تقلص كمية المحتوى الجيد المتاح على الإنترنت لتدريب أجيال جديدة من نماذج الذكاء الاصطناعي.
وردت "مايكروسوفت" بأن ملاحظات هيشت تمثل رأيه الشخصي ولا تعكس موقف الشركة الرسمي، مؤكدة أن موقفها القانوني وارد في مذكراتها المقدمة إلى المحكمة، وأنها ترى أن استخدام المحتوى في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي يقع ضمن الاستخدام التحويلي المسموح به قانونيًا.
كما أظهرت المستندات أن نيك تورلي، المسؤول عن "شات جي بي تي" في "أوبن إيه آي"، أشار في مراسلات داخلية إلى خطر تواجهه المؤسسات الصحافية مع تحوّل روبوتات المحادثة بصورة متزايدة إلى بديل عن زيارة مصادر الأخبار الأصلية.
وتضمنت الوثائق أيضًا إشارة من رئيس "أوبن إيه آي" غريغ بروكمان إلى قدرة نماذج الشركة على التعامل بكفاءة مع الأخبار، وهي تصريحات يستند إليها ناشرون في محاولة لإثبات أن منتجات الذكاء الاصطناعي قد تنافس المحتوى الأصلي في السوق، بدل أن تقتصر وظيفتها على استخدامه بصورة تحويلية.
ومن أبرز ما ورد في المستندات ادعاءات بأن باحثين في "أوبن إيه آي" بحثوا وسائل للوصول إلى مواد منشورة خلف جدار الاشتراك في موقع "نيويورك تايمز". وتظهر مراسلة داخلية أن الباحث نيك رايدر أخبر بروكمان عن طريقة لتجاوز جدار الدفع الخاص بالصحيفة، ليرد الأخير بإيجاز بما يفيد استحسان الفكرة.
كما تزعم المؤسسات المدعية أن الشركة بنت مجموعات بيانات تضمنت نسخًا واسعة من مواد صحافية، وأن عمليات تجهيز البيانات تضمنت في بعض الحالات إزالة إشارات متعلقة بحقوق النشر قبل استخدامها في التدريب.
وبحسب مستندات القضية، احتوت مجموعات بيانات استُخدمت في مراحل تدريب نماذج "أوبن إيه آي" على أكثر من 91 ألف نسخة من أعمال تعود إلى "نيويورك تايمز" و"ديلي نيوز" ومركز التقارير الاستقصائية، فيما تضمنت مجموعة بيانات مشتقة من أرشيفات الويب أكثر من مليوني وثيقة من نطاق "نيويورك تايمز".
ولا تعني هذه الأرقام بحد ذاتها أن المحكمة خلصت إلى وقوع انتهاك لحقوق النشر، إذ لا يزال جوهر النزاع يتمحور حول ما إذا كان استخدام هذه المواد لتدريب النماذج يدخل ضمن "الاستخدام العادل" بموجب القانون الأميركي.
وفي تطور آخر قد يكون مؤثرًا في القضية، قال الرئيس التنفيذي لـ"مايكروسوفت"، ساتيا ناديلا، في إفادة قضائية خلال العام الحالي إن المحتوى الموجود خلف جدران الدفع ينبغي، في رأيه، أن يخضع للترخيص عندما يُستخدم في تدريب أنظمة الذكاء الاصطناعي أو دعم إجاباتها.
وأضاف ناديلا أنه لو أُبلغ بأن "أوبن إيه آي" استخدمت محتوى مدفوعًا في التدريب من دون ترخيص، لكان من الممكن أن تلجأ "مايكروسوفت" إلى حقوقها التعاقدية للمطالبة بإعادة تدريب النماذج من دون تلك المواد.
وتسعى المؤسسات الإعلامية إلى استخدام هذه المراسلات والشهادات لإثبات أن الشركتين كانتا تدركان أن منتجاتهما يمكن أن تحل محل جزء من استهلاك الأخبار، وأن استخدام المحتوى لم يكن بعيدًا عن الأسواق التجارية للأعمال الأصلية، وهو عنصر مهم في تقييم مدى انطباق مبدأ الاستخدام العادل.
في المقابل، تتمسك "أوبن إيه آي" و"مايكروسوفت" بأن تدريب نماذج الذكاء الاصطناعي عملية تحويلية تختلف عن قراءة المقالات أو بيعها أو إعادة نشرها، وأن القانون لا يمنح أصحاب الحقوق سلطة مطلقة على كل استخدام تقني لأعمالهم.
ودخلت الحكومة الأميركية على خط النزاع في أيلول/سبتمبر، وقدمت مذكرة إلى المحكمة تدعم جانبًا أساسيًا من حجة "أوبن إيه آي"، معتبرة أن استخدام المواد المحمية لتدريب النماذج يمكن أن يندرج ضمن الاستخدام العادل، ومشددة على الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية لتطوير قطاع الذكاء الاصطناعي في الولايات المتحدة.
أما "نيويورك تايمز" فترفض هذا الطرح، وتقول إن استخدام محتواها من دون مقابل يهدد النموذج الاقتصادي الذي يمول العمل الصحافي، ويتيح لشركات التكنولوجيا بناء منتجات تجارية اعتمادًا على استثمارات المؤسسات الإعلامية في جمع الأخبار وإنتاجها.
وتأتي القضية ضمن موجة متسعة من النزاعات بشأن الملكية الفكرية والذكاء الاصطناعي. وقد انضمت مؤسسات إعلامية أخرى إلى دعاوى ضد "أوبن إيه آي" و"مايكروسوفت"، بينها "سياتل تايمز" و"نيوزداي"، بينما تخوض شركات ذكاء اصطناعي أخرى نزاعات مشابهة مع مؤلفين وناشرين.
ويتجاوز الخلاف مسألة التعويض عن المواد السابقة إلى سؤال أوسع بشأن مستقبل العلاقة بين شركات الذكاء الاصطناعي ومنتجي المحتوى: فإذا أدت روبوتات المحادثة ومحركات الإجابة إلى تقليل حاجة المستخدمين لزيارة المصادر الأصلية، فإن تراجع إيرادات الناشرين قد يؤدي بدوره إلى تقلص إنتاج المادة البشرية عالية الجودة التي تحتاج إليها نماذج الذكاء الاصطناعي في تدريبها المستقبلي.
ولا تزال المحكمة تنظر في دفوع الأطراف بشأن المسؤولية القانونية وتطبيق مبدأ الاستخدام العادل، ولم يصدر حكم نهائي يقرر أن "أوبن إيه آي" أو "مايكروسوفت" انتهكتا حقوق النشر في المواد محل النزاع.