في زمنٍ يتكاثر فيه المحتوى المرئي وتتشعّب فيه المنصات، يجد الأهل أنفسهم أمام أسئلة مُلحّة: متى يشاهد الطفل الشاشات؟ ما الذي يُسمح له بمشاهدته؟ وكيف يمكن تحويل هذه التجربة من استهلاك خامل إلى أداة تربوية فعّالة؟
للإجابة على هذه الأسئلة وغيرها، التقينا بالباحث والناقد لؤي وتد، المتخصص في أدب الأطفال والسياسة الثقافية، والذي تتركّز أبحاثه في الأدب الفلسطيني وتمثيلات الطفولة ضمن سياقات استعمارية.
في هذه المقابلة، يقدّم وتد رؤية نقدية للتفاعل بين الطفل والشاشة، تدعو إلى الانتباه لا فقط لما يُشاهد، بل للكيفية التي تتم بها المشاهدة، وللأدوات التي يمكن أن نمنحها لأطفالنا لتحويل الصورة إلى معرفة، والحكاية إلى حوار.
من أي جيل يمكن للطفل مشاهدة الشاشات؟
لا يوجد اتفاق علمي قاطع حول "الجيل المثالي" لبدء مشاهدة الشاشات. بعض الأبحاث تحذّر من التعرض قبل سنّ السنتين، وأخرى تركز على نوعية المحتوى وسياق المشاهدة.
لكن المهم أن نفهم أن المسألة ليست رقمية، بل تفاعلية: ما يهم ليس فقط "متى"، بل "كيف، ولماذا، ومع من".
السؤال الأهم يجب أن يكون: هل تُستَخدم الشاشة كوسيلة حوار وتعلّم مشترك، أم كوسيلة عزل وصمت واستراحة من ضجيج الأطفال؟
فما يُحدد الأثر ليس الجيل فقط، بل المدة، وتكرار التعرض، والمضامين، ودرجة مشاركة الأهل. يمكن أن يشاهد طفل في سن الثالثة فيلمًا قصيرًا بتوجيه ومرافقة ويخرج بفائدة، بينما يمكن أن يُترك طفل في العاشرة لساعات أمام محتوى مفرغ من أي سياق حواري فيخرج بضرر.
هل يجب أن تكون المشاهدة فردية أم بمرافقة؟
يفضَّل ألا تكون المشاهدة تجربة فردية في الطفولة المبكرة. ليس لأن الطفل "لا يفهم"، بل لأن ما يفهمه قد يكون مختلفًا جدًا عمّا نظن، وقد يُبنى دون أدوات نقدية.
المرافقة ليست مجرّد جلوس إلى جانبه، بل هي حضور نقدي وحواري داعم. حين نشاهد معهم، نلاحظ ما يلفت انتباههم، ما الذي يضحكهم، وما الذي يخيفهم أو يربكهم. وبهذا نتعلّم كيف يعمل خيالهم، وكيف يمكننا مساعدتهم على تنظيمه بدل أن يتكدّس دون معنى.
وفي بعض الحالات، يمكن أن يشاهد الطفل وحده، ولكن بشرط أن يتبع ذلك زمن مخصص للحوار عمّا شاهده، بدل الاكتفاء بالصمت أو التقييم.
ماذا عن المضامين الجندرية والإشكالية في أفلام مثل "سندريلا" و"بياض الثلج"؟
أقول دائمًا: اتركوا فكرة منع هذه الأفلام أو إقصائها، فهذا لا يجدي نفعًا، لأن الأطفال سينكشفون إليها بطريقة أو بأخرى.
ما يجب فعله هو المشاركة والنقاش. يمكننا أن نُشاهد معهم، ونفتح حوارًا حول القوالب الجندرية مثل: لماذا تحتاج الأميرات دائمًا إلى منقذين؟ هل يمكن أن تكون نهاية الحكاية مختلفة؟
هذه النقاشات تخلق عند الطفل وعيًا نقديًّا، وتحوّل التجربة من تلقٍّ سلبي إلى مُشاهدة ناشطة وفاعلة.
كيف نعزّز فهم الطفل لما شاهده؟
من المهم أن نتحوّل من مستهلكين خاملين للمحتوى إلى شركاء نقديين فيه. بعد المشاهدة، نفتح أسئلة تساعد على التحليل والتأمل:
من أعجبك؟ لماذا؟ كيف شعرت عندما حصل كذا؟ لماذا قرّر البطل ما قرّره؟ ماذا كنت لتفعل لو كنت مكانه؟
بهذه الطريقة، يتحوّل المحتوى إلى محفّز للحوار والتعبير. هذا يُدرّب الطفل على الربط بين الخيال والواقع، وتحليل السلوكيات والقيم، وتوسيع مفرداته العاطفية والتعبيرية.
حين نترك الطفل يشاهد دون هذا النوع من التفاعل، تتحوّل التجربة إلى استهلاك خام، دون تصفية أو عمق أو معنى.
كيف نتعامل مع الأحداث الإيجابية والسلبية في المحتوى؟
ليس الهدف أن نتحوّل إلى معلمين يُلقون الدروس الأخلاقية، بل أن نفتح المجال للطفل كي يسأل، ويشك، ويتأمل، ويكتشف.
الأحداث السلبية في الأفلام ليست أمرًا يجب إخفاؤه، بل فرصة للتعلّم واكتساب آليات نقد. عند مشهد ظلم أو عنف مثلًا، يمكن أن نسأل: هل كان هذا عادلاً؟ ما البديل؟ وعند مشهد صداقة أو فرح: هل شعرت يومًا بشيء مماثل؟ كيف يبدو أن يكون للمرء صديق؟
هذه الطريقة تُنمّي لدى الطفل الوعي الأخلاقي والتعاطف، والقدرة على رؤية وجهات نظر متعددة، وربما الأهم من كل ذلك: القدرة على التحليل النقدي للأحداث.
وتذكّروا دائمًا: الأطفال أذكى وأعمق مما نظن، وإعطاؤهم مساحة للحديث، والتخيل، والشك، يمكن أن يُخرج منهم أفكارًا ومواقف تستحق الإصغاء، لا التصحيح.
** لؤي وتد: باحث وناقد متخصص في أدب الأطفال والسياسة الثقافية، يركز في أبحاثه على الأدب الفلسطيني وتمثيلات الطفولة في سياقات استعمارية.



