الغيرة لدى الأطفال

مثلما أخبرتني والدة لطفلين الأخ الأول (٤ سنوات)، استقبل أخته الصغيرة المولودة حديثا بصفعة على وجهها من شدة الغيظ ربما، بالرغم من تحضيره لولادة أخته الجديدة.

أخبرتني إحدى السيدات وقالت:

في اليوم الذي علمنا من الطبيب أننا في انتظار ابنتنا "ملك"، أختا لأخيها البكر، قمنا بإخبار إبننا هذا الخبر بكل فرح وسرور، وأننا جميعا في انتظارها، بشوق كبير، كما انتظرناه هو قبل 4 سنوات، وبدأت كل يوم أخبره بأنه سوف يقوم بمساعدتي في أمور الطفلة، وأنها بحاجه إليه، وستكون سعيدة بقربه، وبدأت أشاركه اختياراتي بشراء الملابس والألعاب التي ممكن أن تحبها أخته، وتجهيز الغرفة بكامل معداتها وألوانها الزهرية الناهية. ولكن بعد قدومها بالسلامة إلى عالمنا، استقبلها أخاها بصفعة على وجهها، واعتبرنا الأمر طبيعيا.

تحدثنا معه بكل لطف وقمنا بتسليمه هدية من أخته تعبيرا عن محبتها له، وطلبنا منه أن لا يقوم بإزعاجها بقوة فهي ما زالت طفلة، وبدأت بالفعل بإشراكه في تجهيز قنينة الحليب، وتحضير الحمام والصابون، وتغيير الحفاضات واللعب وغيرها.

عندها شعرت أن الأمور ليست بصعبة كما توقعت والأمور تسير على ما يرام، حتى بدأت أخته تمشي قبل عامها الأول، عندها شعرنا بغيرته أكثر وبدأ يعبر عن هذه الغيرة بتصرفات غريبة مثل القفز كالبهلوان أو الرقص بطريقة مضحكة أو ارتداء ثياب غريبة، فقط للفت النظر، وجعلنا نهتم به ليكسب اهتمامنا أكثر من أخته، حتى تعودنا على الأمر وصرنا نعدل وننصف قدر المستطاع بين الاثنين.

ما زلنا نشعر بالغيرة من الطرفين، حتى اليوم (بعد مرور 6 سنوات) ولكننا مدركين أن الأمر طبيعيا وغير مقلق....وأن الغيرة بالغريزة نعيش ونتعايش معها كل يوم من جديد بطريقة مختلفة. بناءا على ما ذكر من القصة وقصص أخرى (ذكرهها وحفاظا على الخصوصية محفوظ معنا).

منتهى منصور هواري

التقينا بالسيدة "منتهى منصور هواري" وهي معالجة وظيفية، عاطفية ومرشدة أهل.

متخصصة في تطوّر الطفل 

حاصلة على عدة شهادات معتمدة في الطفولة المبكّرة سألناها عن غيرة الأطفال فأجابت: 

 

 

 

الغيرة عند الطفل، هي مشاعر طبيعية تحتاج إلى احتواء وليس تصحيح.

إن الغيرة عند الطفل، على عكس ما نعتبره في كثير من الأحيان، ليست سلوكًا سيئًا أو علامة على أنانية، بل استجابة طبيعية تمامًا للتغيّر الذي يحدث في عالمه الداخلي عندما يصل مولود جديد. فجأة، يشعر الطفل أن الأمان الذي كان يشعر به في علاقته مع والديه لم يعد مضمونًا بالكامل، وأن انتباههم وحبهم قد يُقسّم بينه وبين شخص آخر.

وهنا تبدأ مشاعر القلق، الحيرة، والغيرة بالظهور بطرق مختلفة، أحيانًا بالبكاء الزائد، أو التراجع في السلوك، وأحيانًا بمحاولات لفت الانتباه أو حتى الغضب من المولود.

هل مشاعر الغيرة فطرية؟ أم مكتسبة?

الغيرة ليست غريزة يولد بها الطفل بشكل كامل، لكنها استعدادا طبيعيا موجودا منذ الولادة يمكن أن يتطور أو يضعف بحسب الخبرات والتجارب التربوية.

"الطفل يولد ولديه حاجة فطرية إلى الحب والاهتمام والشعور بالأمان. عندما يشعر أن هذه الحاجات مهددة، تظهر الغيرة كرد فعل عاطفي طبيعي".

 هل هناك عوامل تجعل الغيرة تظهر أو تزداد؟

نعم فهنالك عدة عوامل منها:

- طريقة الوالدين في التعامل مع الأبناء (التمييز، المقارنة، أو المديح الزائد لأحدهم).

- شخصية الطفل 

- ثقته بنفسه.

- عمر الطفل

فالأطفال بين سنتين وخمس سنوات أكثر عرضة للشعور بالغيرة لأنهم في مرحلة تكوين الذات.

وهل أسلوب البيئة المحيطة تؤثر؟

نعم تؤثر في التعامل مع المشاعر (هل يُسمح بالتعبير عن الغضب والحزن؟).

هل الغيرة تبدأ فور عودة المولود الجديد من المستشفى؟

الغيرة من المولود الجديد نادراً ما تظهر فور عودة الطفل إلى البيت، بل تتكوّن تدريجيًا خلال الأيام أو الأسابيع التالية.

في البداية، قد يبدو الطفل الكبير متقبّلًا أو حتى متحمّسًا للمولود الجديد، خصوصًا إذا تلقّى الكثير من الاهتمام والهدايا.

لكن مع الوقت، حين يدرك أن وجود المولود يعني تغيّرًا حقيقيًا في روتين العائلة، كأن تقضي الأم وقتًا أطول مع الرضيع أو تنشغل بإرضاعه، يبدأ الطفل بالشعور بأن مكانته مهددة، وهنا تبدأ مظاهر الغيرة بالظهور.

بشكل عام، الأطفال الصغار لا يستطيعون ضبط أنفسهم ومشاعرهم، خصوصًا في السنوات الأولى من العمر (حتى جيل خمس سنوات).

والسبب هو أن الطفل في هذه المرحلة ما زال يتعلم التعبير عن مشاعره وتنظيم انفعالاته. فهو يشعر بالغضب أو الغيرة أو الخوف، لكن لا يملك بعد الأدوات اللغوية أو المهارات العاطفية لشرح ما يشعر به. لذلك قد يُعبّر عن غيرته بسلوكيات عديدة: نوبات غضب أو بكاء بلا سبب واضح بوتيرة عالية، تغيّر في النوم أو الأكل، وتراجع في السلوك.

فمثلًا، من خلال عملي مع الأهل في مرحلة الفطام، ألاحظ أن كثيرًا من الأطفال يمرون بتراجع واضح في عملية الفطام عندما يتزامن ذلك مع قدوم مولود جديد إلى العائلة. فالمشاعر الصعبة التي يعيشها الطفل في هذه الفترة تجعل من الصعب عليه التكيف مع أكثر من تغيير في الوقت نفسه. 

أنصح الأهل:

 بتجنب البدء بعملية الفطام في الفترة القريبة من ولادة المولود الجديد، ومنح الطفل وقتًا للشعور بالأمان والاستقرار أولًا.

لكن مع الدعم الصحيح من الأهل، يستطيع الطفل أن يتعلّم تدريجيًا كيف يعبّر عن مشاعره ويهدأ. مثلًا عندما نقول له:

“أنت زعلان لأن الماما عم تحمل البيبي كثيرًا، صح؟”

فنحن نساعده على تسمية شعوره بدلًا من أن يعبّر عنه بسلوك مزعج.

من المهم أن أذكر هنا أن الطفل يتعلم تنظيم مشاعره من خلال الطريقة التي يتعامل بها الأهل مع المواقف اليومية. فعندما يرى والديه يحافظان على الهدوء ويتعاملان مع التوتر أو الغضب بطريقة متزنة، يتعلم هو بدوره كيف يضبط نفسه وينظم مشاعره. لذلك، ومن المهم أن يدرك الأهل أن قدرتهم على التهدئة ليست فقط مفيدة لهم، بل هي نموذج مباشر يساعد الطفل على بناء مهاراته العاطفية وتنمية قدرته على التوازن النفسي.

أخيرًا: 

من المهم جدًا أن نُشعر الطفل أن جميع مشاعره هي مشاعر شرعية، ويمكن أن نسميها ونتحدث عنها. لكن السلوكيات غير المرغوبة هي المرفوضة. هذه فرصة مهمة جدًا للطفل للتدرب على تطوير أدوات ومهارات للتعامل مع مشاعره الصعبة، والتفريق بين الشعور، الذي يكون شرعيًا دائمًا، والسلوك الذي يجب أن يكون متسقًا مع البيئة المحيطة ويعتمد على ضبطه لنفسه. وعلى الأهل احتوائه ومساعدته على هذه المهمة الصعبة.

أجرت اللقاء وأعدته: سوسن غطاس