حينَ يُصبحُ عددُ المُتابعينَ أهمَّ من الكفاءة:عبث بأطفالنا

د.منار حداد حنا

 

 

د.منار حدادحنا

باحثة ومحاضرة في جامعة تل ابيب، مختبر لغة ودماغ

 

 

 

في زمنِ وسائلِ التَّواصلِ الاجتماعيّ، لم يَعُدِ الإنسانُ بحاجةٍ إلى عِلمٍ طويلٍ، أو دراسةٍ مُتخصِّصةٍ، أو سنواتٍ من الخبرة، يكفي أحيانًا أن يمتلك كاميرا جيّدة، وإضاءةً جذّابة، وصوتًا واثقًا، وقدرةً على شدِّ الانتباه، ليجلسَ فجأةً في موقعِ "الخبير"، ويبدأ بتوجيهِ النَّاسِ في أكثرِ الأمورِ حساسيّةً وتعقيدًا: لغة الأطفال وتطوّرها، القراءة، والكتابة، وعسر التّعلُّم.

للأسف، أصبح الكثير من الأهالي يُقيِّمون صانعي المحتوى بناءً على عددِ المُتابعين، وجودةِ "المونتاج"، وطريقةِ الحديث، لا بناءً على السُّؤالِ الأهمّ فعلًا:

- مَن أنت؟

- ما هي شهاداتك؟

- أينَ درست؟

- ما مدى خبرتك الحقيقيّة في هذا المجال؟

- هل أنتَ باحث؟ أخصّائيّ؟ أم مُجرّدُ شخصٍ يُتقنُ الحديثَ أمام الكاميرا؟

 

لقد أصبح “التأثير” في كثيرٍ من الأحيان بديلًا عن الكفاءة، وأصبح بعضُ النّاسِ يثقونَ بالمُحتوى لأنّه انتشر، لا لأنّه صحيح.

"أعطوا الخُبزَ لخبّازه"

هذه الجملةُ البسيطة تختصرُ أزمةً كاملة، فنحن لا نذهب إلى طبيب جلد كي يُشخّصَ مرضًا في القلب، ولا نطلبُ من جرّاح أن يُصلح سيّارتنا، فلماذا أصبحَ مقبولًا أن يُعطي أشخاص غير مؤهّلين نصائح في اضطرابات اللّغة، وعُسرِ القراءة، والتّطوّرِ اللُّغويّ، وصعوباتِ التّعلُّم؟

الأمرُ لا يتعلّق بوصفةِ طعامٍ فاشلة، أو بنصيحة ديكور غير موفّقة. نحنُ نتحدّثُ عن أطفال، عن لغةٍ تتشكّل، عن مستقبلٍ اجتماعيّ، أكاديميّ، نفسيّ ومعرفيّ، قد يتأثّر بكلمةٍ خاطئة، أو بمعلومة غير دقيقة، أو بنصيحةٍ قيلت بثقةٍ تفوقُ علمَ صاحبِها.

الثِّقةُ ليست دليلًا على الصّحّة

من أخطر ما يحدث اليوم أنَّ بعضَ المؤثّرين يتحدّثون بثقةٍ مُطلقة عن أمورٍ مُعقّدة للغاية، وكأنّها حقائق نهائيّة لا تقبلُ النِّقاش.

إحدى المؤثّرات، مثلًا، نشرت مقطعًا تتحدّثُ فيه عن طفلٍ يستطيعُ تهجئةَ حروفِ الكلمة، لكنّه لا يستطيعُ قراءتها كاملة، ثمّ جزمتْ بكلّ ثقةٍ أنّ السّبب هو "ضعفُ الذّاكرة السَّمعيّة".

- هكذا ببساطة!

- تشخيصٌ جاهز.

- سببٌ واحد.

- حكمٌ قاطع.

متجاهلةً تمامًا أنّ القراءة عمليّة ذهنيّة مُركّبة، تمرُّ فيها الكلمةُ بمراحل عديدة قبل أن تُقرأ. وأنّ هذه الصُّعوبة قد تكونُ ناتجةً عن أسبابٍ مختلفة أخرى، وأنّ تحديد السّبب الحقيقيّ يتطلّب تقييمًا دقيقًا يقوم به مختصّ، ويكونُ مُلائمًا لهذا الطّفل تحديدًا، لا تقييمًا عامًّا يُرمى على الجميع كما تُرمى العبارات الرنّانة في الفيديوهات القصيرة.

 

الصُّعوبات اللُّغويّة وعُسرُ التَّعلُّم ليست كوجعِ الرأس الّذي قد يُعالج بحبّة مُسكّن، ليست وصفة موحّدة تصلح لكلّ طفل، وليست "حيلةً سحريّة" تُختصرُ في فيديو مدّتُه ثلاثون ثانية.

بينَ الجهلِ المُتعَمَّد والجهلِ الصادق

- بعضُ صنّاعِ المحتوى يعلمون جيّدًا أنّهم غير مؤهّلين، لكنّهم يُتقنونَ لعبةَ الكلام، ويُضخِّمونَ قدراتِهم، ويعرضون شهادات قد تكونُ مُضلِّلة أو فارغة، ويستخدمون لغة توحي بالخبرة، بينما هدفهم الحقيقيّ هو الشُّهرة أو المال.

- وهناك فئة أخرى أكثرُ خطورة أحيانًا، فئة لا تدرك أصلًا حدود معرفتها. أشخاص مقتنعون فعلًا بأنّهم خبراء، لأنّهم قرأوا بعض المنشورات، أو حضروا دورةً سريعة، أو جرّبوا شيئًا مع أطفالهم ونجح معهم. والمشكلةُ أنّ التّجربةَ الشخصيّة، مهما كانت صادقة، لا تُساوي معرفة علميّة.

ما ناسب طفلك ليس بالضّرورة مناسبًا لجميع الأطفال. وما نجحَ في حالة واحدة قد يكونُ ضارًّا في حالةٍ أخرى.

 

لذلك، إنْ كانت نصيحتك نابعة فقط من تجربةٍ شخصيّة، فقُل ذلك بوضوح. نبّهِ الأمّهات والآباء أنّ ما تتحدّثُ عنه ليس قاعدةً علميّة، ولا حقيقةً مُطلقة، ولا بديلًا عن التّشخيصِ المهنيّ.

اللَّومُ السَّهل… والحقيقةُ الأكثرُ تعقيدًا

إحدى صانعات المحتوى ظهرت في مقطع تهاجم فيه أهالي الأطفال ذوي العُسر السَّمعيّ لأنّهم لم يُعلّموا أبناءهم لغةَ الإشارة، وكان خطابها لاذعًا، قاسيًا، وجارفًا، وكأنّ جميع العائلات تملك الظروف نفسها، والإمكانات نفسها، والخيارات نفسها.

نعم، لغة الإشارة مهمّة ومفيدة جدًّا في حالات كثيرة، لكن

- هل يحتاجها جميعُ الأطفال ذوي العسرِ السَّمعيّ بالطريقة نفسها؟ بالطّبع لا.

- وهل الفرصة لتعلُّمها متاحةٌ دائمًا لجميع العائلات؟ أيضًا لا.

- وهل عدم تعلُّمها يعني بالضّرورة أنّ الطّفل لن يكتسبَ لغة؟ هذا غير دقيق إطلاقًا.

المشكلةُ ليست فقط في المعلومة الخاطئة، بل في القسوة الّتي تُقال بها أحيانًا، وفي تحويلِ الأهلِ المُرهقين أصلًا إلى مُتّهمين دائمين.

حينَ ينتشرُ الخطأ كأنّه حقيقة

أحيانًا، وبدونِ سابقِ إنذار، تضجُّ وسائلُ التّواصلِ الاجتماعيّ بمعلومةٍ معيّنة، فنرى مئاتِ الأشخاص يُعيدون نشرها، وتكرارها، وتطبيقها، وكأنّ كثرةَ التّداول تحوّلُ الخطأ إلى حقيقة.

رويدكم!

 - ليس كلُّ ما ينتشرُ صحيحًا.

- وليس كلُّ ما يُقال بثقةٍ يستحقُّ التّصديق.

بعضُ النّصائح قد يبدو سهلًا، سريعًا، قليلَ التّكلفة، ومتاحًا دائمًا خلف الشّاشات الصّغيرة، لكنّ ثمن تطبيقها قد يكونُ باهظًا جدًّا… يدفعه الأطفال لاحقًا من لغتهم، وتعلُّمهم، وثقتهم بأنفسهم.

أحيانًا تكونُ حالةُ الطّفل قبل اتّباع هذه "النّصائح السّريعة" أفضلَ بكثيرٍ ممّا تصبحُ عليه بعدها.

لا تسرقوا المعرفةَ دونَ فهمٍ

من أخطرِ ما يحدثُ أيضًا أنَّ بعضَ صنّاعِ المحتوى يسرقون أو ينقلون معلوماتٍ من مختصّين وباحثين دون فهمٍ عميق، ثمّ يُعيدون شرحها بطريقةٍ مشوّهة.

المعرفةُ ليست جُملًا محفوظة وليست “ترندًا” نُعيد تدويره. حينَ يأخذ شخص معلومةً علميّة معقّدة ويختصرها بشكل مُخلّ كي تصبح "أكثرَ جاذبيّة"، فإنّه لا يُبسّطُ العلم، بل يُفسده.

"الكتابةُ على الهاتف تُعلِّمُ الأطفال الكتابة"

ومن الأمثلة الصّادمة أيضًا ظهور صانعةِ محتوى تُروّج لفكرة أنّ الكتابة على لوحة مفاتيح الهاتف طريقةٌ ناجعةٌ لتعليم الأطفال الكتابة.

لكن، هل تدركُ حجم الضّرر الّذي قد تُسبّبه هذه النّصيحة لبعض الأطفال؟

فبعضُ الطّلّابِ أصلًا يعانون صعوبة في الوصول إلى شكلِ الحرف المُجرّد قبل كتابته يدويًّا. ولوحةُ المفاتيح تُظهرُ الحروف جاهزةً أمامهم، ممّا قد يمنعُهم من تطوير مهارات أساسيّة تتعلّق بتذكّر شكل الحرف، واستدعائه، وبنائه ذهنيًّا وحركيًّا.

مرةً أخرى: ليست المشكلةُ في وجودِ التكنولوجيا، بل في تقديم حلول عامّة وكأنّها تناسب الجميع.

ليس كلّ المحتوى سيّئًا… ولكن، وللإنصاف، يوجد على وسائل التّواصل الاجتماعيّ محتوى جميل، وصادق، وموثوق، يقدّمه مختصّون حقيقيّون يُحاولون نشرَ الوعي والمعرفة بطريقةٍ محترمة ومسؤولة.

لكن، وللأسف، يقابل هذا المحتوى سيل أكبرُ من المعلومات السّطحيّة، والمبالغات، والادّعاءات، والنّصائح الّتي لا أساسَ علميًّا لها، وقد تضرُّ أكثر ممّا تنفع.

كلمةٌ أخيرة إلى صنّاعِ المحتوى

رجاءً… توقّفوا قليلًا قبل أن "تُشيعوا في الأرضِ فسادًا"

تأكّدوا ممّا تقولون.

لا تسرقوا معلوماتٍ لا تفهمونها جيّدًا.

لا تُحوّلوا الأطفال إلى حقولِ تجاربٍ من أجل المشاهدات.

ولا تجعلوا الشُّهرةَ أهمَّ من الضّمير.

فالحديثُ عن لغةِ طفل، أو قراءته، أو تطوّره، ليس لعبةً إلكترونيّة، ولا مساحةً للاستعراض.

وربّما أخطرُ ما في الأمر أنّ الطّفل لا يملكُ القدرةَ على الدّفاع عن نفسه، بينما نتائجُ أخطائكم قد تبقى معه سنواتٍ طويلة.

أمّا الأهالي، فكونوا أكثرَ وعيًا. لا تنبهروا بعددِ المُتابعين، ولا بطريقةِ الكلام، ولا بجمالِ الفيديو. اسألوا دائمًا:

- هل هذا الشخصُ مؤهّل فعلًا؟

- هل يملك معرفة حقيقيّة؟

- هل يقدّمُ معلومات دقيقة ومتوازنة؟

- هل يُفرّق بين التّجربة الشّخصيّة والحقيقة العلميّة؟

فليس كلُّ من امتلك منصّةً أصبح أهلًا لأن يُوجّه عقولَ أطفالِنا ولغتَهم ومستقبلَهم.

 

تقديم: سوسن غطاس-والديه