التربية على فهم المادة والصرف لدى الأجيال

السيدة ردينه شقير مشعور

 

السيدة ردينه شقير مشعور

مستشارة تنظيمية، لها خبرة بالمجال الاقتصادي وأم

 

 

 

وصلتنا، لموقع والديه تعليقات استحسان للمقاله في والدية لطرح موضوع ألعاب الأطفال وشراؤها بكثرة كظاهرة سلبية أكثر منها إيجابية، فمهم الكيف لا الكم، (المقال موحود في المقالات السابقة بعنوان الكيف لا الكم،)  والموافقة العامة على رأي بأنها من عدة نواحي مهم تناولها.
وقد توجهنا لعدة أفراد لهم دراية وإلمام مجتمعي فجاءت تلك التعليقات:
- ظاهرة الاستهلاك والتعود على نمط التبذير في الصرف، هي ظاهرة باتت مقلقة وآخذة في الازدياد يوما بعد يوم وجيلا فجيل بعده.
- هذا الأمر يحتاج لإعادة تفكير في كل موضوع الصرف والاستهلاك، لربما لنمط جديد في التربية المتعلقة بالصرف، ألا وهي التربيه لمعنى المادة والمال، وطريقة استعمال العملة النقدية والربح والخسارة منذ الصغر وشراء الألعاب جزء منها.
"أذكر في الصغر، كان معنا زميلا في الصف، يقول لنا دائما لا تشتروا من الدكان للأكل أو للمسليات. أبوكم سيصبح فقير وتنتهي معه النقود، كنا نضحك.في سرنا وكنا نقول أنه بخيل، مع أن والده كان ميسور الحال، وعرفنا فيما بعد أن ذلك كان حديث في بيتهم مستمر. 
عندما كبرنا أصبح هذا الرجل غنيا وليس بسبب مال أبيه ولكن باجتهاده الشخصي، كان عنده وعي لكي يدير الماديات بشكل أفضل"

- مؤخرا صرت انتبه لتصرف الناس والأولاد بالنسبة للمادة والنقود، فالأطفال اليوم لا يوجد لديهم إدراكا للوعي للصرف، فكثيرة متطلباتهم ومشترياتهم حتى أصبحت عادة دون التحمل لمسؤولية تجاه الأهل أو المستقبلز

- زادت العادات التي كانت تعد من الكماليات مسبقا، على سبيل المثال أعياد ميلاد الأصدقاء وتبذير المال في سبيل ذلك، من ملابس وهدايا وتضييفات وإيجار مكان خاص لذلك، بالطبع لكل الأطفال الحق بتذكر أعايد الميلاد ولكن ليس للمقارنة والتمييز المادي بين الأطفال.
- مشتريات الملابس والأحذية من ماركات عالية الجودة، وعدم قبول أقل من ذلك.
- شراء الألعاب باهظة الأثمان أو المشتريات مثل: حواسيب، جوالات لكل طفل أيضا بدون حساب.
- السفر لخارج البلاد والتجول.
- نموذج الأعراس المبالغ بصرفه، والأحلام بالسيارات الغالية الثمن، والتربية بمستوى الماركات العالمية باهظة الثمن.

- هل نحن كأهل قدوة حسنة لأولادنا؟

- هل نريد تعويضهم عما حرمنا منه في الطفولة؟
- للأسف هذه الأجواء التي نربي أطفالنا وتبدأ حتى قبل المحافظ المدرسية المتميزة.

التقينا بالسيدة ردينة شقير مشعور مستشارة تنظيمية، لها خبرة بالمجال الاقتصادي وأم مرت في هذه المراحل فكتبت ما يلي حين وجهنا لها الأسئلة المتعلقة بالمحال:

في أي جيل في رأيك تبدأ التربية على الوعي لأهمية الصرف وكيف؟
التربية المالية برأيي تبدأ قبل ما الطفل يعرف يحسب النقود كعدد، وقيمة النقود تبدأ لما نعلمه إنه ليس كل مرغوب يجب أن ينفذ فورا، ويتحول لشراء. أبدا بتجربتي كأم مع ذلك.
في أثنا وجودنا بالصغر مع ابني في محلات تجارية، وبالأخص في محلات ألعاب، البكاء
كان يستعمله كآلة ضغط  ونحن نخجل كأهل في هذه المحلات، وكل شيء يطلبونه
يأخذونه، فيتذوتون بأن البكاء أفضل استراتيجية للحصول على ما نريد..

 فالتربية للصرف تبدأ من هنا بأن نعلم الولد القناعة والاكتفاء، انا شخصيا كنت أعمل مع ابني اتفاقا قبل الدخول أي مكان ألعاب مثلا: "إحنا جايين نشتري هدية لصديق لعيد ميلاد والآن مش دورك."

في البداية كان يبكي لأنه هو يريد أيضا، بعدين صار يفهم انو خلص، ما يخوفنا البكاء المتكرر للأطفال، مع الاستمرارية الطفل يتعلم تدريجيًا أن البكاء ليست وسيلة للحصول على كل شيء."
-  فمن هنا أفضل جيل للوعي للصرف حين نعلم الطفل من جيل صغير القناعة والاكتفاء، 
ونعلمه أيضا الانضباط والتحكم بالرغبات.
كمستشارة تنظيمية أرى من خلال عملي في المدارس، أدخلوا موضوع الإدارة المالية، حتى في صفوف البساتبن، طبعاالشيء ليس في كل المدارس، وكل مدرسة واختياراتها، هناك مدارس تدخل موضوع الإدارة السليمة ضمن برنامجها للصرف على هذا الموضوع .

وال OECD لعام 2023 قام بتحديد كفاءات مالية للأطفال ابتداءً من عمر 6 سنوات وتقسيمها حسب فئات عمرية إلى 6–10، 11–15، و16–18، وأكد أيضًا أهمية تطوير الوعي المالي، من أبكر عمر ممكن، وحتى قبل السادسة عندما يكون ذلك مناسبا.

هل الجيل اليوم في حالة وعي ام لا وما السبب؟
صعب نعم، ونقول بأن الجيل واعٍ أو غير واعٍ. الوعي المالي يتفاوت كثيرا، لكن البيت له دور
أساسي: هل نتحدث مع أولادنا عن المال؟ هل يدركون ما معنى توفير، مصروف أساسي
ومصروف ممكن تأجيله، وليس كل مطلوب يأخذونه ممكن أن يكون الطلب فوق مقدراتنا الماليه كأهل فما العمل؟

اعتقد لذلك أن يكون حديث عن الموضوع بالبيت فهذا يخلق الوعي والإدرك، ما معنى توفير وكيف يمكن أن توفر من مصروفك، ما معنى مصروفات أساسيية، ثانوية.

ممكن أن نبدأ بتعليم الولد المساهمة في الأشياء التي نشتريها له، شرط أ، يساهم هو من مصروفه الشخصي وهكذا تكون البدايه معه لنعلمه ما معنى توفير، وكيف استفيذ منه لشراء احتياجات مهمة ليحافظ على مقتنياته التي ساهم في شرائها.

الانترنيت هل أتاح فرصة أكبر للناس للوعي لهذه الناحية أو النتيجة عكسيه؟
نحن نعيش اليوم في زمن العولمة الانترنيت ساهم في الانفتاح، من ناحية شبكات
التواصل الاجتماعي تحوي الكثير من الإعلانات لمواقع التسوق الالكتروني بشكل مكثف،
مما يزيد إمكانية الدخول والتسوق البيتي وبالتالي الصرف بشكل كبير.

ومن ناحية ثانية كمية المشاركة الشخصية في حياتنا اليومية على مواقع التواصل الاجتماعي ساهمت، لا اريد أن اجزم الى أي مدى، ولكن خلقت، ممكن أن نقول مقارنة اجتماعية، بالأخص بين الشباب والشابات الصغار الذين يحبون تقليد الواحد للآخر منصات التواصل خلقت مقارنه كبرى ليس فقط مع أقرانه انما أيضا مع عشرات الأشخاص وهذا بامكانه أن يولد ضغطا استهلاكيا بهدف مجاراة أنماط حياتية مختلفة.
من ناحية أخرى التصفح في الانترنت خلق مساحة كبيرة للتعلم وأنتج معرفة مالية لم تكن متاحة قبل ذلك، واليوم نجد حتى أدوات لادارة الميزانية، مقارنة أسعار، محتويات مختلفة عن
الادخار، لذلك هو أداة ممكن ان ترفع الوعي وممكن ان ترفع الاستهلاك.

في عالمنا الحالي ومجتمعنا لا توجد سيطرة على الاستهلاك الاقتصادي المتوازن

دائما في ميزان المدخول والمصروف نحن أمام واقع آخر ما رأيك؟
لا أستطيع الجزم انه لا توجد سيطرة على الاستهلاك الاقتصادي المتوازن، هذا يحتاج الى
فحص وبحث شامل ولكن اذا نظرنا الى مجتمعنا الفلسطيني في الداخل يمكننا ان نري عدم
التوازن في نواحي عدة، على سبيل المثال: أعراسنا التي تستنزف الكثير من المصروفات
الزائده، فمثلا نسمع عن حالات يصل فيها الإنفاق على الملابس والمناسبات لمبالغ مرتفعة جدًا، لكن لا أريد تحويل أمثلة فردية إلى ظاهرة بدون بحث.

انا دائما اسأل نفسي هل هنالك ربط بين القروضات من السوق السوداء واستهلاكنا الذي يفوق إمكانياتنا؟ باعتقادي نحن بحاجة الى بحث شامل للتغييرات التي تحدث في مجتمعنا حتى نفهم الأوضاع التي آلت اليها اوضاعنا.
أحب أن اذكر هنا بأنه وباستطلاع جرى على المزايا الاستهلاكية بين العرب واليهود
أظهر ان العرب بشترون أكثر ملابس واحذية من اليهود، وفي بحث اخر على نفس
الموضوع اظهر أن العرب نشتري اكثر ماركات في الملابس والاحذية، وهنالك معطى اخر بحسب تقرير التأمين الوطني لعام 2024، 37.6% من الأسر العربية
تحت خط الفقر، وحوالي 48.7% من الأسر العربية تقول إنها لا تستطيع تغطية جميع
مصروفاتها الشهرية. برأيي هذا أيضا موضوع يستحق البحث.

كيف ممكن بان نقلص هذه الثغرة أو عدم الوعي لإتاحة الرغبات عندنا وعند اولادنا
الشيء يختلف؟

 من خلال عملي، للأسف هنالك العديد من الناس التي لا تعرف بالضبط مصروفاتها الشهرية مقابل مدخولاتها، كم تتدخر وهكذا.
وانا اتحدث أيضا عن أناس اكاديميين عندما تسالهم عن مصروفهم الشهري مقابل مدخولهم،
ممكن أن لديهم تصور عام وليس دقيقا، فضعف المتابعة المالية ممكن أن تجده في جميع الفئات.
- من المهم جدا التنويه أننا لسنا بجاحة أن نعيش ونحن نفحص، كل كبيرة وصغيرة هذا يفقدنا حتى متعة العيش، انا لا أدعو الناس بالعيش ليسجلوا كل فنجان قهوة طول العمر. يكفي أحيانًا شهرا واحدا نسجل فيه مصاريفنا بصدق حتى نعرف أين تذهب أموالنا.
- لذلك التربية المالية تبدأ قبل تعليم الحساب، تبدأ بتعليم الطفل الفرق بين الحاجة والرغبة والقدرة.

- الوعي المالي لا يعني أن نعيش في حرمان بل يعني أن نعرف حدودنا ونختار سلم أولوياتنا، وفي النهاية فالمشكلة ليست الشراء بحد ذاته، بل عندما يصبح نمط حياتنا أعلى باستمرار من قدرتنا المالية.

أجرت اللقاء وحررته: سوسن غطاس موقع والدية برعاية عرب 48