أوصى رئيس الحكومة الإسرائيلية، بنيامين نتنياهو، قبل شهور، أعضاء ائتلاف حكومته بقراءة كتاب صدر حديثا، عنوانه "لماذا تصوّت لليمين وتحصل على اليسار"، من تأليف أحد مؤسسي حركة "إم ترتسو" اليمينية، الإعلامي إيريز تدمور.

وكان تدمور - هذا الذي يدّعي أن إسرائيل (اليمينية) الثانية تتشكل الآن - كاتب خطابات نتنياهو في الانتخابات البرلمانية في العام 2015، وهو على الأرجح صاحب حقوق تأليف الجملة العنصرية "العرب يهرولون إلى صناديق الاقتراع"، التي أطلقها نتنياهو في يوم الانتخابات، لحث مصوتي الليكود واليمين للمشاركة في الانتخابات.

ويبدو أن تدمور (37 عامًا) سيكون من الوجوه الصاعدة في صفوف اليمين، والليكود تحديدًا، ويعرّف نفسه على أنه يميني، محافظ سياسيًا واجتماعيًا، وليبرالي اقتصادي، وكتابه بمثابة مرشد وخطة عمل لليمين للهيمنة على الدولة وأجهزتها، بحيث لا ترتبط هذه الهيمنة اليمينية بشخص حاكم، وإنما أن تكون "عميقة" وراسخة في جهاز الدولة، إذ يرى أن نجاح اليمين في انتخابات 1977، ووصول مناحيم بيغن لرئاسة الحكومة لأول مرة، لم يشكل ذاك "الانقلاب" الحقيقي في إسرائيل، لأنه على الرغم من صعود اليمين إلى الحكم أول مرة، إلا أن جهاز الدولة ظل تحت سيطرة "النخب اليسارية" كما يسميها التي أسسها حزب ماباي.

ولا يتردد تدمور في مهاجمة رمز اليمين، بيغين إياه، لأنه لم يجرؤ، في نظره، على تغيير تلك النخب العميقة في جهاز الدولة، فمنذ 1977، أعيد انتخاب عدة رؤساء حكومات محسوبين على اليمين، مثل إسحق شامير وإرييل شارون وبنيامين نتنياهو وإيهود أولمرت، إلا أن السياسات، بحسب المؤلف، لم تتغير، لأن السياسة لا يصنعها البرلمان أو الحكومة، وإنما جهاز الدولة، إلى درجة أن الكاتب يحقّر أعضاء الكنيست، بوصفهم انتهازيين يجري تحريكهم من آخرين، وليسوا صنّاع سياسات.

لا شك في أن الكاتب، وجماعته في "إم ترتسو"، استطاعوا، في السنوات الماضية، من بث خطاب يميني جديد في أوساط اليمين الإسرائيلي. ومن يقرأ الكتاب ويراجع سلوك وزيرة الثقافة ميري ريغيف أو وزير السياحة ياريف ليفين ووزيرة القضاء، أيليت شاكيد، وقراراتهم، يتبين له حجم التأثير السياسي والأيديولوجي لهذه الجماعة، وكأنهم يتبعون كتاب تدمور وتوصياته حرفيا.

"يبدأ تدمور كتابه بأن دولة إسرائيل تقف على عتبة هزة أرضية سياسية. في العقد المقبل، أو الذي يليه في أبعد تقدير"

حرب الأفكار

يبدأ تدمور كتابه بأن دولة إسرائيل تقف على عتبة هزة أرضية سياسية. في العقد المقبل، أو الذي يليه في أبعد تقدير، من شأن اليمين الإسرائيلي لأول مرة في تاريخ الدولة، أن يتولى بيديه قيادة دولة إسرائيل. وهو يرى، كما سبقت الإشارة، أن اليمين لم يحكم فعليا، على الرغم من تفوقه انتخابيا في العقود الأربعة الأخيرة وقيادته الحكومة، ويرى أن المسألة ليست في عدد المقاعد في البرلمان (الكنيست)، ويكرّر أن الساسة ليسوا من يصنع السياسة، وأن المعركة ليست في "الكنيست"، وإنما في مكان آخر، في الحياة الفكرية وأجهزة التربية والتعليم، والإعلام والقضاء، وسلك الموظفين الكبار، في ميدان السجالات الثقافية، أي خارج البرلمان. لذا يرى الكاتب أن اليمين كان، حتى سنوات قليلة، يفوز في الانتخابات، ويتولى القيادة لكنه لا يحكم، لأنه يعاني من أزمة وضعف كبيرين في المجالات المذكورة أعلاه، مثل الحياة الفكرية والإعلام والقضاء، التي وقعت تحت هيمنة ما يسميها نخب اليسار منذ تأسيس إسرائيل.

ويكتب تدمور أن اليمين لم يشكل ثقلا فكريًا وثقافيًا كبيرًا لإطاحة النخب اليسارية، إذ لم يؤسس مراكز أبحاث جدية أو صحفا ومجلات وقنوات تلفزة منتشرة ومؤثرة، ولا جمعيات مدنية، فهو يدعو إلى الاستثمار ببناء مؤسسات مجتمع مدني يمينية، بدلا من الاستثمار فقط بالمستوطنات، وتأسيس قناة تلفزيونية، على غرار "فوكس نيوز" اليمينية الأميركية، ويشيد بشكل لافت بتجربة صحيفة يسرائيل هيوم الموالية لنتنياهو، ويمولها الملياردير اليهودي الأميركي شيلدون إيدلسون، ويقول إن ادّعاء أنها ليست مؤثرة بالرأي العام أو الأجندة اليومية غير صحيح، لأنها ببساطة أخذت الصحف "اليسارية" إلى اليمين معها، بعدما قدّمت صحافة يمينية لاقت رواجا، اضطرت الصحف المنافسة، مثل يديعوت أحونوت ومعاريف، إلى تقليد خطابها اليميني. وهذا التقدير صحيح إلى درجة كبيرة. ويؤكد الكاتب على أن قواعد اللعبة ستتغير بشكل دراماتيكي، وأن الحكم سينتقل من النخب اليسارية العميقة إلى اليمين الذي يحظى بأغلبية شعبية، لعدة أسباب، منها التراجع في الأجيال المحسوبة على النخب اليسارية في أجهزة الدولة، وتحديدا القضاء؛ والسبب الثاني صحوة اليمين.

انقلاب المحكمة العليا

يلفت الكاتب إلى يومين مهمين في نظره في تاريخ اليمين، والتي تفسر عدم قدرته على تنفيذ أجندته. الأول يوم 17 مايو/ أيار 1977، أي يوم فوز بيغن والليكود في الانتخابات البرلمانية لأول مرة، والثاني يوم 17 مارس/ آذار 1992. وفي نظر الكاتب، هذا اليوم مهم جدا، لأن الكنيست أقر فيه قانون أساس "كرامة الفرد وحريته". وفي نظره، كان الهدف من إقرار هذا القانون نقل الثقل الأساسي للتشريع من الكنيست إلى المحكمة العليا. وبتشجيع من رئيس المحكمة القاضي أهارون براك، أي من البرلمان الذي يسيطر عليه اليمين، إلى المحكمة المحسوبة على النخب اليسارية إياها. وما قام به القاضي براك هو انقلاب على الديمقراطية، من خلال تشريع قانون أساس كرامة الفرد وحريته، وفرض هيمنة المحكمة العليا على باقي السلطات، بحيث تصبح صاحبة الكلمة الأخيرة، ويرى مؤلف الكتاب، إيريز تدمور، بذلك، تحولا غير ديمقراطي وليبرالي. ويكتب أن المحكمة العليا تعمل خلافا للنظرية الليبرالية التي تستند إلى أساسيين: الحد من تدخل مؤسسات الدولة في حياة الفرد، لأن قوة الحاكم مفسدة. والنظام الانتخابي التمثيلي، بحيث يكون الحكم مشكلا من منتخبي جمهور يدركون احتياجات الناس، وليس من نخبٍ، مثل القضاة في المحكمة العليا، إذ يرى أن المحكمة العليا صادرت الفصل بين السلطات لصالحها.

لذا يدّعي الكاتب أن مهمة حكومة اليمين هي "دمقرطة مراكز القوى"، واستعادة التوازن بين السلطات الثلاث، التشريعية والتنفيذية والقضائية، أي إنهاء ما يسميها هيمنة المحكمة العليا والنخب اليسارية.

"اليمين لم يحكم فعليا في إسرائيل، على الرغم من تفوقه انتخابيا في العقود الأربعة الأخيرة وقيادته الحكومة"

ويخلص الكاتب إلى أن على اليمين تحديد هدفين: تقليص ما يسميها الأوليغارشية القضائية، أي قضاة المحكمة العليا والمستشار القضائي للحكومة، وإعادتها إلى "حجمها الطبيعي"، وتقوية السلطة التشريعية، حيث اليمين يهيمن؛ وثانيا، تفكيك ما يسميها "منظومات الترهيب والصمت" التي تشغلها النخب اليسارية في وسائل الإعلام والجامعات والمؤسسات الثقافية، أو باختصار كما يسميها "دمقرطة مراكز القوى". ويقدم تدمور مقترحات عملية لتحقيق هذه الأهداف على النحو التالي:

وسائل الإعلام

• فتح "سوق الإعلام" للمنافسة، ذلك أن ما يسميه إيريز تدمور سيطرة النخب اليسارية على وسائل الإعلام ليست مصادفة، بل لأن القانون يحدد المنافسة بين وسائل الإعلام، وخصوصًا المرئية والمسموعة، فيما استطاع اليمين في الصحافة المطبوعة كسر هيمنة "يديعوت أحرونوت" (التي صنفها تدمور باليسارية!) من خلال المنافسة التي شكلتها صحيفة اليمين "يسرائيل هيوم" التي أصبحت الأكثر انتشارًا، بفضل أن "سوق الصحافة المطبوعة حرة" وغير مقيدة بإجراءات قانونية، واستصدار تراخيص تحد من دخول منافسين جدد، كما الحل في البث المرئي والمسموع. ويرى أن التأثير المحدود لـ"يسرائيل هيوم" في وضع أجندة الرأي العام ووسائل الإعلام، على الرغم من أنها الأكثر مبيعا ليس مصادفة، بل لأن وسائل الإعلام المرئية والمسموعة محكومة بنخب غير يمينية، لا تقوم بتغطية ومتابعة القضايا التي تطرحها الصحيفة اليمينية. لذا، يخلص إلى ضرورة فتح "سوق التلفزة والراديو"، ليشكل اليمين منافسة أمام وسائل الإعلام القائمة.

• إقامة مواقع إخبارية منافسة للمواقع المهيمنة، مثل "واينت" التابع لـ"يديعوت أحرونوت" وموقع "واللا". وهو يستعين بذلك بتجربة الانتخابات الأميركية في العام الماضي (2016)، والتي أوصلت دونالد ترامب إلى الحكم، على الرغم من أن معظم وسائل الإعلام المركزية كانت ضده. ويقترح تدمور الاستفادة من عبرة الانتخابات الأميركية التي برزت فيها مواقع يمينية صغيرة، ذات ميزانيات قليلة، مقارنة بالمواقع الكبرى، لكنها كانت مؤثرة في الانتخابات.

تقويض القضاء

• يقترح تدمور تقويض المحكمة الإسرائيلية العليا، من خلال لجنة اختيار القضاة، إذ يرى أن استمرار هيمنة النخب القديمة على هذه المحكمة هو نتيجة تركيبة لجنة اختيار القضاة، التي لا تعكس ميزان القوى الحقيقي بين السلطات الثلاث، ولا تعكس التوجهات الشعبية، لتقع تحت هيمنة ممثلي المحكمة العليا، ويدّعي أن 11 قاضيا من أصل 12 قاضيا جرى تعيينهم بين 1995 – 2006 كانوا مرشحين من رئيس المحكمة العليا حينها، أهارون براك. (تعمل وزيرة القضاء، شاكيد، على تغيير تركيبة لجنة اختيار القضاة، وخاضت حربا ضد رئيسة المحكمة العليا المنتهية ولايتها، القاضية مريم ناءور).

ويأخذ المؤلف على المحكمة العليا سماحها للدكتور عزمي بشارة خوض انتخابات الكنيست على رأس قائمة التجمع الوطني الديمقراطي، بسبب مواقفه المعلنة المساندة للمقاومة اللبنانية في مهرجان في مدينة أم الفحم، بعيد الانسحاب الإسرائيلي في العام 2000، ورفضه الاعتراف بيهودية إسرائيل.

ويلفت الكاتب إلى أنه لا مثيل لصلاحيات المحكمة العليا في إسرائيل في أنظمة ديمقراطية إلا في النظام الهندي، بحيث لها الصلاحية لإلغاء القوانين التي تقرّها الحكومة والسلطة التشريعية، ويختار قضاة المحكمة العليا أنفسهم، أي القضاة الجدد الذين سيخلفونهم. ويقترح تدمور تعديلا للحد من صلاحيات المحكمة العليا في مجال حقوق الإنسان، وتحديدا في الأراضي الفلسطينية المحتلة، وهو باشتراط أن يكون صاحب الدعوى هو المتضرّر المباشر من الدولة في القضية، وذلك لسد الطريق أمام جمعيات حقوق الإنسان من الالتماس للمحكمة العليا، نيابة عن فلسطينيين تضرّروا من ممارسات الاحتلال، سواء في مجال مصادرة الأراضي أو في الأعمال الحربية.

كما يقترح تدمور تحديد صلاحيات المستشار القضائي للحكومة، وتقليص صلاحياته من خلال تقاسمها من خلال إيجاد منصب جديد، هو المدعي العام. لأن المستشار القضائي في الوضع الراهن هو صاحب الكلمة الأخيرة، في حال حصول خلاف حول الموقف القضائي في قضية معينة بينه وبين الحكومة، فإن موقفه هو الذي يرجّح الكفة، وهو الذي يلزم الحكومة. لذا يجب تحديد هذه الصلاحية، وأن يكون موقف المستشار القضائي توصية غير ملزمة. ويقترح أن يكون تعيين المستشار القضائي في الوزارات من صلاحية الوزير، وليس المستشار القضائي للحكومة.

الثقافة

يرى تدمور أن النخب اليسارية القديمة في إسرائيل هي المهيمنة على المؤسسات الثقافية والأكاديمية ووسائل الإعلام. لذا يقترح، أولا، تقليص ميزانيات المؤسسات الثقافية، بحيث تنحصر فقط بالمؤسسات التي لها أهمية جماهيرية، ولا تستطيع العمل من دون تمويل حكومي في السوق الحرة، من خلال دعم المسارح في البلدات الطرفية، بدلا من التمويل بميزانيات ضخمة المسارح "النخب اليسارية" في تل أبيب، التي ليس لها امتداد شعبي. إذ يدّعي أن الوضع القائم هو أن الحكومة تأخذ من الفقراء وتعطي الأغنياء، في ما يخص ميزانيات الثقافة. ويرى أن من شأن تقليص ميزانيات مسارح تل أبيب مثلا التي تعرض أشعار محمود درويش أن يوفر مئات الملايين لدافع الضرائب.

ويقترح دعم الإنتاج السينمائي والمسرحي بناء على كمية بيع التذاكر، وليس من خلال لجان نخبوية انتقائية كما يسميها، بحيث تحصل الأفلام والمسرحيات التي تلقى رواجا شعبيا في إسرائيل على الدعم الأكبر، فيما تحصل الأعمال الفنية الموجهة أساسًا للمسابقات الدولية على دعم أقل، وهذا يعني أن الأفلام التي ينتجها مخرجون عرب لن تحظى بتمويل كبير، لأنها لن تحظى بشعبية كبيرة في أوساط المشاهدين اليهود.

"على اليمين تطوير آليات التأثير ومراكز القوى من وسائل إعلام ومعاهد أبحاث وجميعات، لتكون موازية لتأثير النخب اليسارية القديمة"

الساحة الفكرية

يرى تدمور أن السياسة هي صراع أفكار في مجالات عديدة، ومن بين هذه المجالات هو المجال الأكاديمي، بحيث يفرض "اليسار" هيمنته وأفكاره على كليات القانون في الجامعات الإسرائيلية، برأي الكاتب، فيما التوجهات اليمينية المحافظة غير قائمة في مساقات التدريس الأكاديمية. لذا يرى تدمور أن على اليمين التحرّك على مستويين:

إحداث توازن وتنوع في برامج التعليم والكليات القائمة، مثلما اقترح بشأن لجنة اختيار القضاة، من خلال إجراء تعديلات في مجلس التعليم العالي، ومنحه صلاحيات تعيين أو تنحية رؤساء الجامعات وفق النموذج الأميركي، ومنح رؤساء الجامعات صلاحيات تعيين المحاضرين أو رؤساء الأقسام أو تنحيتهم، إذ يرى أن طريقة التعيين الحالية غير عادلة، لأنه يجري اختيار المحاضرين ورؤساء الأقسام من زملائهم، وهو ما يحد من دخول محاضرين يحملون توجهات مختلفة لما هو سائد، أي توجهات يمينية محافظة. كما يقترح منح مجلس التعليم العالي صلاحية فرض عقوباتٍ على أقسام في الجامعات وإغلاقها، أو حرمانها من التمويل، ويذكر بالاسم كلية "بتسلئيل" للفنون في القدس، وأقسام تدرس النظرية الكويرية وما بعد الحداثة، إذ يرى أن لا مبرر لتمويل هذه الكليات من الحكومة بمبالغ طائلة.

المستوى الثاني، هو إقامة مؤسسات بديلة، أكاديمية وغير أكاديمية، ذات ميول يمينية محافظة، مثل إقامة كلية آريئيل في الأراضي المحتلة عام 1967، والتي تحولت إلى جامعة "هشومرون". إلى جانب إقامة مؤسسات بحثية يمينية ومجلات علمية يمينية، تتيح للباحثين من اليمين نشر أبحاثهم وأفكارهم بحرية، ويذكر في هذا السياق مجلة "هشيلوح" اليمينية.

المجتمع المدني

يقترح تدمور، بشأن المجتمع المدني، سن تشريعات على غرار قانون الجمعيات الذي أقرّه الكنيست في 2016، والذي يستهدف منظمات حقوق الإنسان وتمويلها الخارجي، وإجبارها الإبلاغ عن الدعم الذي تحصل عليه من الحكومات الأجنبية، وفرض ضرائب على هذه التبرعات. ولا يكتفي تدمور بهذا القانون، فيدعو إلى سن تشريعات أكثر صرامةً بفرض ضرائب مرتفعة على التمويل الأجنبي، بحيث يصبح هذا التمويل غير كاف أو مجد لنشاطات هذه الجمعيات التي بمعظمها تعنى بحقوق الإنسان وممارسات الاحتلال. ويقترح تدمور تأسيس "منظومة" مؤسسات وجمعيات غير برلمانية في خدمة اليمين، وتحويل الميزانيات لهذه المشاريع، بدلا من استثمارها فقط في المستوطنات، لتشكل هذه الجمعيات ذراعا مقابلا للجمعيات "اليسارية"، مثل "الصندوق الجديد لإسرائيل" وغيرها.

خاتمة

من دون هذه التغييرات، يرى مؤلف كتاب "لماذا تصوّت لليمين وتحصل على اليسار" أن حكم اليمين لن يكون كاملا، ويجري مقاربة من الانتخابات البرلمانية في 2015، إذ يحظى ائتلاف حكومة بنيامين نتنياهو الحالي على دعم 66 عضو كنيست من أصل 120 عضوًا. وفي هذا الائتلاف عشرة أعضاء يرى الكاتب أنهم ليسوا يمينا حقيقيا، وهم أعضاء حزب "كولانو" بزعامة وزير المالية موشيه كحلون، الذي يقف حجر عثرة أمام التعديلات في المحكمة العليا وغيرها، خشية من مراكز القوى التقليدية والنخب اليسارية التي تهيمن على الإعلام وصناعة الرأي العام والأكاديميا والمحكمة العليا وغيرها، ويصف هؤلاء الأعضاء بأنهم "الخلية الأضعف" في حكم اليمين التي يستغلها "اليسار" لإفشال خطط اليمين. لذا يرى أن ائتلاف اليمين يحظى عمليا ب 55 عضو كنيست فقط (من دون عضو الكنيست الليكودي، بيني بيغين الذي يعارض توجهات اليمين الحالية ضد المحكمة العليا). ولزيادة قوته الحقيقية إلى 66 عضوا، على اليمين تطوير آليات التأثير ومراكز القوى من وسائل إعلام ومعاهد أبحاث وجميعات، لتكون موازية لتأثير النخب اليسارية القديمة، وتكون قوة ضاغطة على السياسيين، بالإضافة إلى اختيار مندوبين لليمين، لديهم قدرات فكرية ومهنية حقيقية لمواجهة مراكز القوى اليسارية.

"يقترح تدمور، بشأن المجتمع المدني، سن تشريعات على غرار قانون الجمعيات الذي أقرّه الكنيست في 2016، والذي يستهدف منظمات حقوق الإنسان وتمويلها الخارجي"

يخلص المؤلف تدمور إلى استخدام اقتباس للفيلسوف توكفيل "أفضل طريقة لمواجهة النخب المهيمنة هي الديمقراطية"، لذا يدعو تدمور إلى دمقرطة مراكز القوى ولبرلتها، لتعكس التوجهات الشعبية الحقيقية، اليمينية المحافظة. وفي الحقيقة، ليس استهداف هذه النخب بسبب قصور في أدائها، أو عدم صهيونيتها، فهي أدارت إسرائيل سبعة عقود، ومارست حكما عسكريا بشعا في الأراضي المحتلة في 1967 و1948، وقضاة هذه النخب برّروا جرائم ضد الإنسانية من نهب أراض وترحيل فلسطينيين وفصل الأزواج الفلسطينيين عن بعضهم، لكن ذلك كله لا يشفع لهذه النخب في نظر اليمين الجديد، لأنه يريد أن يمارس صهيونيته كما هي، من دون أقنعة، ومن دون أحاديث عن قانون دولي وحقوق إنسان وليبرالية، أي يريد أن يزيل مكياج "حقوق الإنسان" عن ممارسات الصهيونية، لأن هذا "المكياج" يكبح جماح ممارسات اليمين ضد الفلسطينيين، ويضبط السيطرة على الأراضي المحتلة، ويجملها أمام العالم. لكن اليمين يشعر بفائض قوة، ولا يعير اهتماما للرأي العام العالمي الذي يتجه أصلا نحو اليمين، ويشعر بدعم شعبي عريض مؤيد لمواقفه المعادية للديمقراطية والعرب، فبالنسبة له، قيم الديمقراطية التي يريد فيها محاربة النخب القائمة، ليست سوى أداة لفرض هيمنته على الدولة التي يرى أنها تمتد من البحر المتوسط إلى نهر الأردن، وستحل محلها قيم يهودية صهيونية، تمزج بين القومية العنصرية والدين، ويبدو أن لا عائق حقيقي أمام هذا اليمين، لسد تعطشه للحكم من دون رقابة قضائية وقيم ديمقراطية ليبرالية، لأنه يرى ببساطة أنه يحكم باسم أغلبية الشعب.

اقرأ/ي أيضًا | الكتلة المائعة/ رامي منصور