الثورات العربية وسؤال الدافع../ محجوب الزويري



خلال التسعين يوما الماضية، ورغم انشغال الملايين اليومي بمتابعة الثورات في تونس ومصر وليبيا والمطالبات اليومية في دول أخرى بإسقاط الأنظمة، بقي السؤال المحوري كيف حصل ذلك؟ بعبارة أخرى أيّة قوة تلك التي استطاعت أن تطيح بنظام الرئيس التونسي المخلوع خلال 23 يوما، ومن بعده الرئيس المصري المخلوع محمد حسني مبارك خلال 18 يوما، ومن بعدهما العقيد معمر القذافي الذي لم يتمكن من الإبقاء على سيطرته كاملة على ليبيا ويواجه ثورة تتقدم يوما بعد يوم، واليمن التي يشهد فضاؤها السّياسي انتفاضة غير مستكينة. الجواب عن مثل هذا التساؤل المشروع يحتاج إلى فهم طبيعة أيّ حراك سياسي ضدّ أيّ نظام سياسي قائم. هذا الحراك هو بلا شك مرتبط أيّما ارتباط بما يقوم في ذلك النظام، وعليه ثمة تماثل في ما تقوم به العديد من الأنظمة السياسية، كما أن هناك تماثلا في الرد الذي يأتي على ما تقوم به تلك الحكومات. وفي هذا السّياق لا فضلَ لمجتمع على آخرَ ، لأنّ هناك عوامل ناظمة لحراك الرّأي العام تكاد توحّد العالم ماضيا وحاضرا ومستقبلا.
 
المتصفح لصفحات التاريخ يمكنه أن يخلص إلى أن هناك ثلاثة عوامل ناظمة لأيّة ثورة أو فعل تغييري، هذه العوامل تكاد تتحرّك في فضاءات الزمان والمكان دون أن يتمكّن فرد أو قوّة من التحكّم فيها. هذه العوامل هي: مستوى من الوعي يتوفّر عند العديد من الناس، مستوياته فردية، كلّ يعتقد في ما هو صحيح وما هو خطأ، لكن هذا الوعي يبقى غير مؤثّر وفاعل ما دام على المستوى الفردي. انتقاله إلى أن يصبح الوعي الجمعي هو العامل الثاني الذي يسرّع من الحركة باتجاه الثروة. إنّ الوعي الجمعي يدفع إلى التفكير في الأدوات التي يمكن أن يعمّم فيها هذا الفكر الجمعي إلى أكبر قاعدة ممكنة، وهو الأمر الذي يدفع للتفكير في الأدوات والوسائل. إن حصول توافق يعكس حالة الوعي الجمعي، هذا التوافق على القضايا الكبرى بدوره يدفع هذا الوعي الجمعي إلى مرحلة هي الحركة، بعبارة أخرى الانتقال من تبادل الأفكار إلى ترجمتها عبر فعل الخروج والثورة. إنّ الوعي الجمعي الذي يبدو أحجية للبعض إنما يتعلق بمفردة طالما غيّبها الاستبداد والمستبدّون ألا وهي الكرامة، هذا التغييب جعلها من المفردات الغريبة على الأذن العربية. رافق هذا التّغييب إفسادٌ للذّمم والمعايير، إلى حدّ التباهي بكلّ مفسدة والخشية من كل ما فيه مصلحة. 
 
ومع تنامي الوعي الجمعي فإنّ التفكير في الأدوات يصبح جزءًا من حالة الخلاقية والإبداع التي ينتجها هذا الوعي الجمعي الساعي لإعادة الكرامة الإنسانية. إنّ الحديث الذي رافق حالة الثورة في المجتمعات العربية خلال الفترة القليلة القادمة والذي ركّز على وسائل التواصل الاجتماعي المتعدّدة كالفايسبوك أو تويتر..الخ، يبدو مبالغا فيه من ناحية اعتباره المسؤول المباشر عمّا جرى ويجري. فالتركيز على الأدوات و إهمال الأهداف والغايات الكبرى فيه تسطيحٌ لما جرى. وفعْل التغيير عبر آلاف السنوات يقوم به الإنسان ، ووعيه هو الذي يقوده إلى التغيير وابتكار الأدوات. إنّ التركيز على دور الأدوات فيه إعادة للاستبداد وأفكاره، لأن المستبدّين يركّزون دائما على احتقار دور وعي الإنسان الذي يقوده إلى تحقيق قيم العدالة والكرامة، يروْن ذلك الإنسان أداةً لممارسة الظّلم عليه، فهو أداة وليس غاية، وهذا هو جوهر الإنسان الحرّ مع الآخر المستبدّ.
 
إذا كانت أدوات التواصل هي المسؤولة عن حالة الثورة، فلماذا لم تنجح في فعل ذلك وفي نفس الفترة في بلد مثل إيران يُعتبر شعبُه ذا خبرة في التغيير السريع. فالإيرانيون استخدموا وسائل الاتصال خلال الاحتجاجات التي أعقبت الانتخابات الرئاسية العاشرة في العام 2009، لكن ذلك لم يؤدِّ إلى النتيجة التي رأينها في مصر وتونس حتى الآن. كما أنّ هناك مجتمعاتٍ ترزح تحت الظّلم وأهله، وتشرب الإهانة والانتقاص صباح مساء ولديها كلّ وسائل الاتصال، لكنّها لم تقم بأيّ تغيير أو على الأقلّ ما من مؤشرات على أنّ تغييرا سيحصل قريبا، هذه الشّعوب موجودة في آسيا و أفريقيا بل وحتى في دول تسمّى اقتصاداتها اقتصادات صاعدة. إنّ الوعي المتشكل في تلك المجتمعات لم يخرج عن كونه فرديّا محدودا وغير محدّد في الأهداف التي يحقّقها، لذلك فشبكات التواصل لن تصنع التغيير في تلك المجتمعات، لكنّني في ذات الوقت لا أقلّل من دورها باعتبارها أداة.
 
إن الثورات في المجتمعات العربية الباحثة عن كرامة إنسانية بعثرها مستبدّون كبار وصغار كانت ستحدث حتى في ظلّ غياب شبكات التواصل، لأن حالة الوعي الجمعي التي تحقّقت والتي تمكّنت من رؤية أهدافها بوضوح كانت ستبتكر في استخدام أيّة وسيلة اتّصال متاحة. إنّ هذا الوعي الجمعي المتحرّك الذي يدفع إلى تحديد الأهداف وإيجاد حالة من الإجماع عليها هو الذي يضمن تكرار حالة الثورة مهما بلغ ظلم الظالمين ومهما تعقّدت وسائل الاتّصال أو تيسّرت.