جبرا إبراهيم جبرا الروائي الحديث تجاهله النقد الايديولوجي لكنّ الأجيال تتذكره

جبرا إبراهيم جبرا الروائي الحديث تجاهله النقد الايديولوجي لكنّ الأجيال تتذكره

يلاحظ قارئ الأدب الفلسطيني، الروائي والقصصي على السواء، افتراق تجارب كتّابه عموماً عن التجربة الأكثر تميزاً من الناحية الفنية والتجريبية، وأقصد تجربة المبدع الراحل جبرا إبراهيم جبرا. ولعل المفارقة تبدو أكثر مدعاة للنظر والانتباه، حين يقع هذا الافتراق على رغم الإعجاب الشديد الذي يحمله كتّاب الرواية والقصة الفلسطينيون لجبرا وكتاباته الإبداعية المتعددة، واعتبارهم تلك الكتابات إرثاً ثميناً يحبذون العودة الدائمة اليه، والتمتع بما فيه من جماليات عالية.

ما المسألة إذاً؟ ولماذا تذهب تجارب المبدعين بعيداً من تجربة يحملون لها ولمبدعها احتراماً كبيراً؟ هل وقعت تجربة جبرا – والحال هذه – في فراغ، فبقيت يتيمة مفردة؟

أعتقد أن المسألة برمتها تعود إلى النبع الأول، الذي صعدت منه تجربة الراحل الكبير جبرا، والذي وجه وعيه إلى مصادر ثقافية وإبداعية محدّدة، وقدم له من ثمّ رؤى مغايرة للإبداع. فمن ذلك المنبع الأول بالذات تشكلت ملامح تجربته الإبداعية على نحو مغاير تماماً لمسيرة من جايلوه من جهة، ثم من جاءوا بعده من جهة أخرى، فتطورت تجربته في تراتبية وضعت الناحية الفنية أولاً، ثم ألحقت بها المضامين الفكرية والاجتماعية والسياسية، فيما فعل الآخرون العكس تماماً، منطلقين من أولوية المعنى على جماليات المبنى، وإن يكن ذلك لا يعني بالضرورة إهمالهم لجماليات العمل الأدبي وفنياته.

هذه الملاحظة تبدو ضرورية لفهم الفضاءات الجمالية العالية التي حرص جبرا على رسمها كمساحات لأحداث قصص مجموعته المهمة والمميزة «عرق»، التي بدت - ولا تزال - للقارئ والناقد «غريبة»، وذات ملامح مختلفة إلى حد بعيد. مثلما هي الحال كذلك في روايته الشهيرة «السفينة»، بما حملته بين سطورها من تجوال طويل في المدن البعيدة والموانئ النائية ومن وعي مضمر في التصرفات اليومية العابرة.

لم يستطع النقد الايديولوجي أن ينصف جبرا ردحاً طويلاً، فأصرّ على نفيه خارج إطار الأدب الفلسطيني، بالمعنى الذي يعتبر «الفلسطينية» صفة أيديولوجية أكثر من كونها هوية إنسانية يمكن – إن لم نقل يتوجب – أن تشتمل على مفردات الوعي الوجودي ونقائضه من الاغتراب والفردية والنبذ. هنا تحتاج تجربة جبرا إبراهيم جبرا إلى قراءة بل قراءات من زوايا مغايرة ومتعددة تأخذ ذلك كله في الاعتبار.

في لقائي الأول مع جبرا في بيته في حي المنصور في مدينة بغداد، وفي حضور الناقد عبدالواحد لؤلؤة، والكاتب عبدالرحمن مجيد الربيعي، والشاعر غسان زقطان والكاتب رشاد أبو شاور، سألني مبتسماً: من أين جاءكم الانطباع بأني رجل برجوازي؟ هل من أدبي مثلاً؟ لم يفاجئني السؤال، الذي كان مكروراً في النقد السائد في تلك الأيام، ولذلك قلت له: ربما تعلق الأمر لدى بعضهم بمعرفتهم أنك حصلت على شهادتك الجامعية من كمبردج.

أتذكر أنه ابتسم وقال: بعد أيام قليلة يصدر كتابي «البئر الأولى» وهو فصول من سيرتي الذاتية، ومن خلاله يمكن أن تتعرفوا على منبتي الطبقي كما تقولون. أما بالنسبة الى جامعة كمبردج، فالأمر على غير ما فهمتم، كنت ببساطة من المتفوقين في دراستي الثانوية فنلت منحة دراسية من الكنيسة إلى كمبردج، أنا الذي عشت عمري الأول كله ابناً لعامل مياوم يبحث غالباً عن عمل، فلا يجده إلا نادراً.

هذه المسألة تبدو خارج السياق، ولكنها تحمل إلى حدٍ كبير ملامح وعي قاصر، مبتور، ومحدود عجز عن الإحاطة بتجربة جبرا الإبداعية، بل طوقها مسبقاً برؤية تنطلق من توجس يميل إلى اعتبارها تحمل كثيراً من ترف فني. ورأى أصحاب النقد الأيديولوجي أنه يفيض عن حاجة الأدب «الملتزم» الذي حددوه في إطارات ضيقة سواء في أفكار الشخصيات الروائية، أو في أمكنة هذه الروايات، بحيث جرى التعارف على جغرافيا تكاد تكون محددة، لأحداث الرواية الفلسطينية تحت وهم بيئة شعبية، هي حاضنة لأبطال شعبيين يمكنهم – دون غيرهم – حمل هموم التراجيديا الوطنية والإنسانية الفلسطينية. فالنقد الأيديولوجي حبذ طويلاً أن تنبع الرواية من المخيم، وأن يتحرك أبطالها في المخيم بالذات، أو على الأقل في بيئة شعبية. وقد بدت عوالم المثقفين وأماكنهم دلالات على لون من ترف، يشي بابتعاد الرواية عن أبطالها الحقيقيين، أو «أصحاب المصلحة الحقيقية» في استرداد الوطن. هذه المسألة بالذات تأخذ في حالة جبرا إبراهيم جبرا حساسية مضاعفة، نظراً إلى انتماء أعماله الإبداعية عموماً إلى دنيا الثقافة والمثقفين. فهذا الكاتب الموهوب الذي مارس فعل الإبداع في وجوه إبداعية متعددة هو ابن الثقافة العليا، ليس بالمعنى الحياتي المترف، ولكن بذلك المعنى الذي يشير إلى رقي متابعاته الثقافية ونجاحه الملحوظ في تحصين موهبته بكل ما طاولته يداه من أشكال المعرفة الإنسانية المؤسسة على قراءات منظّمة وذات قيمه جمالية عالية. وقد رفض جبرا بيقين ثقافي صائب الخلط المغلوط، بل الساذج أيضاً، بين تحصيل الثقافة العليا، وفكرة الانسلاخ عن المنبت والمحيط الاجتماعي – الإنساني، وما فيها من مأساة كبرى.

العودة اليوم إلى أعمال جبرا إبراهيم جبرا الروائية يمكن أن تقدم صورة قوية الإيحاء للتعبير عن عمق ولوجه مأساة شعبه، وإن على طريقته التي لا ترى مثلباً ولا نقيصة في تقديم رؤية تنطلق من حدقتي مثقف، مرهف وواع وقادر على فهم روح شعبه بحق. لكنه في الوقت ذاته قادر على فهم العالم المحيط به، وفهم كيفيات نظره الى الحياة والتطورات. ففي «السفينة»، ثمة رحلة، تشبه إطاراً رمزياً هائل المساحة لشتات الفلسطيني، وابتعاده الجغرافي عن مكانه الأول، ولكن ثمة أيضاً بقعة ضوء قد تبدو أحياناً واهنة وبعيدة، ولكنها قابلة للاشتعال دوماً تشير إلى القدس، حيث الصديق الذي قضى شهيداً على أرض الوطن، ويشكل حضوره الخفي والقوي، رابطاً للأحداث والأماكن، وإعادة دورية للمكان الأول ولمعنى العودة، أما في «البحث عن وليد مسعود»، رواية جبرا الأكثر اقتراباً من الموضوع الفلسطيني كحدث وفعل يومي في سبعينات القرن الفائت، فهي تقدم بطلاً مكافحاً يعلن قبل اختفائه نيته ممارسة الكفاح المسلح. ويحرص جبرا على أن يكون بطله مثقفاً، بل لا نبالغ إذا قلنا انه ينتمي إلى النخبة أو الصفوة، فهو في معنى ما استثنائي التكوين والمواهب، يشغل مجتمعه والمحيطين به، بل هو يفعل ذلك حتى في تصرفه بخطوته التالية، حين يختفي فجأة، تاركاً للمقربين منه شريط تسجيل يشي ولا يقول صراحة، وكأن جبرا كان في معنى فني جميل يحث أصدقاء «وليد مسعود» العرب على اكتشاف الفلسطيني بينهم، أو على البحث عن مصيره الذي كان يحتاج إلى حادثة الاختفاء لكي يكون حاضراً في وعيهم وحياتهم.

أعتقد أن الأدب الروائي الفلسطيني بعد نكبة عام 1948، كان يحتاج الى وجود هذه التجربة الروائية المتفردة كي تكتمل أضلاع مثلث الرواية. ففي حين قدم الراحل إميل حبيبي صورة المأساة الفلسطينية من وجوهها الشعبية في «سداسية الأيام الستة» و«الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النمس المتشائل»، وقدم غسان كنفاني عالم المنفى والشتات في نماذج الطبقات الوسطى والفقيرة وأبناء المخيمات، احتاجت الرواية الفلسطينية إلى حدقتي المثقف وذهنيته، وإلى مطالعاته الرؤيوية المنفتحة على عالم المعرفة الواسع، وعلى أهمية رؤية الأشياء والأحداث بعصب بارد يقدر أن يكون محايداً، أو موضوعياً، تصليه نار مأساة شعبه من دون أن يحترق.

كان جبرا في معانٍ كثيرة الروائي المثقف، فاستحق أن يظل أدبه حاضراً في وعي الأجيال.


«مرايا» جبرا والفن الروائي

كتاب عن جبرا ابراهيم جبرا روائياً صدر حديثاً عن المؤسسة العربية (2006) للناقد سمير فوزي حاج بعنوان: «مرايا جبرا ابراهيم جبرا والفن الروائي». تتناول الدراسة اربع روايات لجبرا هي: السفينة، البحث عن وليد مسعود، صيادون في شارع ضيق، البئر الأولى. قدّم للكتاب الناقد العراقي عبدالواحد لؤلؤة. وجاء في ختام المقدمة:

«يشير المؤلف الى اسلوبين في الكتابة الروائية عند جبرا يظهران مدى إفادة الروائي من اسلوب روائيين عالميين كبار. الأسلوب الأول هو وصف «الانتحار المدروس» كما نجد في انتحار فالح الذي مهد له الروائي من كشف اوراق ورسائل خلّفها المنتحر. يرى المؤلف ان هذا الأسلوب تنويع على ما نجده عند دوستويفسكي في رواية الأبالسة. والأسلوب الثاني هو «الحديث الفرد» او المناجاة، وهي احسن الترجمات السيئة لكلمة «مونولوغ». نجد حديثاً الى النفس طويلاً، يخلو من علامات الترقيم، يمتد ثماني صفحات ونصف في حديث سجله وليد مسعود على شريط تسجيل، يشبه كثيراً ما نجده عند جيمس جويس في رائعته يوليسيس، كما نجد مثله عند «وليم فوكنر» في «الصخب والعنف»، وهي الرواية الني نقلها جبرا الى العربية، وكان يكثر الحديث عنها والإشارة الى أسلوبها».

عن (الحياة)

بودكاست عرب 48