فيلم "مفكّ"... صدمة الحرّيّة

 

في رواية «خيانات اللغة والصمت» (2011)، يصف فرج بيرقدار لحظة خروجه من سجون المخابرات السوريّة الّتي قضى فيها أربعة عشر عامًا، يتحدّث عن شعوره بما أسماه «صدمة الحرّيّة»، حيث خنقته الزرقة السماويّة الّتي أبصرها، وضاعت منه الحدود الفاصلة ما بين الضحك والبكاء.

 

لحظة الخروج

إنّ تلك الحالة السابقة هي ما جاء فيلم «مفكّ» الفلسطينيّ (2018) ليسلّط الضوء عليها؛ فهذا الفيلم الّذي من إخراج بسّام جرباوي، يروي قصّة زياد، لاعب كرة السلّة من أحد المخيّمات في رام الله، ذلك الشابّ الّذي بينما كان يقوم بجولة مع أصدقائه الثلاثة في السيّارة عام 2002، تُصيب أحدهم (رمزي) رصاصة إسرائيليّة يستشهد على إثرها، ثمّ في جولة لاحقة بالسيّارة يقرّر الأصدقاء الثلاثة الباقون الانتقام لرمزي، وذلك في لحظة صدفة قدريّة غير مخطّط لها، كانوا يسيرون فيها على طريق سريع يستخدمه المستوطنون أيضًا، حيث يشاهدون أحدهم يبدّل إطار سيّارته، فيطلقون الرصاص عليه من مسدّس كان في حوزتهم.

الظواهر الغريبة الّتي عاينها زياد على المستويين النفسيّ والجسديّ، إنّما تأتي بما يعكس خصائص الوعي لديه في مرحلة ما بعد الألم، فوعي زياد في مرحلة ما بعد الألم وعي مغترب عن واقعه...

يستكمل الفيلم روايته حول ملاحقة جيش الاحتلال الإسرائيليّ لسيّارة الأصدقاء الثلاثة، وحول كيف تمكّن اثنان منهم من الفرار والهرب، في حين لم يتمكّن الثالث (زياد) من ذلك؛ إذ قُبض عليه وحُقِّق معه ليتبيّن له أنّ الّذي استهدفه وأصدقاءه لم يكن مستوطنًا، وإنّما كان مواطنًا عربيًّا فلسطينيًّا، وليُحْكَم عليه بالسجن.

لا يستطرد الفيلم في تصوير الفترة الّتي قضاها زياد في السجن الإسرائيليّ، وإنّما يبدأ لقطته التالية من لحظة خروج زياد من السجن عام 2017، بعد انقضاء خمسة عشر عامًا. إنّ تلك اللحظة تشبه تمامًا اللحظة الّتي تكلّم عنها بيرقدار في روايته، حين أطلق على شعوره فيها ما أسماه «صدمة الحرّيّة». يقف زياد في تلك اللحظة صامتًا ومتفاجئًا من حركيّة الحياة الّتي يعود إليها، من هذه الضجّة الاحتفائيّة الكبرى، المليئة بالأحضان والهتافات وحضور وسائل الإعلام، يحاول أن يفهم بوعيه الآنيّ شكل لحظته الحاليّة.

 

الوعي ما بعد الألم

ويمكن القول إنّ الفيلم يعمل في باقي أجزائه على تسليط الضوء على هذا الوعي؛ أي وعي ما بعد معاينة تجربة الألم. وضمن هذا الإطار، فإنّه في بحثه «ذهنيّة التعذيب: دراسة في فينومينولوجيا الألم»، يفرّق الباحث ماهر عبد المحسن بين ثلاثة مستويات من الوعي، يمرّ بها السجين السياسيّ؛ الوعي ما قبل الألم، ويُقْصَد به وعي الضحيّة قبل دخوله السجن، وخوض تجربة الاعتقال وما يصاحبها من صدمات وتعذيب. ثمّ الوعي المتألّم، ويُقْصَد به وعي الضحيّة أثناء وجوده في السجن، ومعايشته لتجربة الاعتقال وما يصاحبها من آلام وتعذيب. ثمّ الوعي ما بعد الألم، ويُقْصَد به وعي الضحيّة في مرحلة ما بعد اختباره لتجربة الألم والاعتقال والعيش في السجن، وبعد إطلاق صراحه ونيل حرّيّته[1].

يحاول الفيلم استعراض التغيّرات الّتي طالت زياد في مرحلة الوعي ما بعد الألم؛ ففي محاورة يجريها زياد مع معالجة نفسيّة تجيء لزيارته، تسأله المعالجة: "كيف الشعور إنّك برّة؟"، فيجيبها زياد: "غريب شويّ".

إنّ إجابة "غريب شوي"، الّتي قالها زياد، تأتي لا لتصف فقط حاله على مستوى الإحساس والشعور، بل لتصف الكثير من الظواهر النفسيّة والجسديّة الغريبة الّتي ظهرت عنده بعد خروجه من السجن، مثلًا: عدم قدرته على النوم إلّا في النهار وفي غرفة معتمة لا تدخلها الشمس، ووجود مشكلة جسديّة عنده في إخراج البول، وانزعاجه المبالغ فيه من منظر الدم أو صوت المنشار، وعدم قدرته على التعامل مع مظاهر التطوّر التكنولوجيّ السائدة حوله وفي محيطه، وميله إلى العزلة الاجتماعيّة.

 

 

ويمكن القول إنّ كلّ تلك الظواهر الغريبة الّتي عاينها زياد على المستويين النفسيّ والجسديّ، إنّما تأتي بما يعكس خصائص الوعي لديه في مرحلة ما بعد الألم، فوعي زياد في مرحلة ما بعد الألم وعي مغترب عن واقعه وعن لحظته الآنيّة، وعاجز عن التأقلم الإيجابيّ مع المحيط، ثمّ أنّه عاجز عن تجاوز تجربة الألم الّتي اختبرها في السجن وعايشها.

 

الوعي المغترب

إنّ وضعيّة الوعي المغترب والعاجز عن إدراك اللحظة الحاليّة عند زياد، وضعيّة مفهومة جدًّا، وهي وضعيّة يمكن تفسيرها في ضوء ما أورده الأسير الفلسطينيّ وليد دقّة في تنظيره حول «صهر الوعي أو في إعادة تعريف التعذيب»، حول أساليب التعذيب الحديثة، الّتي تُمارَس على الأسير الفلسطينيّ، ولا تستهدف جسده فقط، وإنّما روحه وعقله ومستويات وعيه وإدراكه؛ إذ يورد دقّة أنّ الأسير "يُطْحَن ويُعَذَّب بين شكل الزمن الثابت في علب المكان داخل السجن، وبين محتوى الزمن الّذي تحرّر من أعباء المكان، وأصبح في زمن ما بعد الحداثة بسرعة الإلكترون"[2].

فوعي الأسير المغترب عن واقعه وعن لحظته الآنيّة، مردّه أساسًا إلى أنّ المتغيّرات في واقع المكان والحضارة والناس، هي متغيّرات أصبحت تحدث في العصر الحاليّ بسرعة كبيرة، وهو الأمر الّذي يؤدّي إلى تسارع فقدان الأسير لصلته بواقعه خارج مكان الأسر؛ فبحسب دقّة فإنّ "ما يفقده الأسير من صلة بواقعه خارج الأسر خلال أشهر قليلة أصبح كارثيًّا، يجعله فاقد الصلة بالحضارة والناس وقيمهم وعلاقاتهم الاجتماعيّة ... بحيث يتحوّل خلال أعوام قليلة في السجن إلى متخلّف، قياسًا للواقع خارجه"[3].

وإنّ وضعيّة وعي الأسير بصفته وعيًا عاجزًا عن التأقلم الإيجابيّ مع المحيط، وغير قادر على تجاوز تجربة الألم المتمثّلة بالسجن والتعذيب، وضعيّة يمكن تفسيرها بالقول إنّ الأسير، في هذه الحالة، يصبح سجينًا داخل المكوّن السلبيّ لصدمة السجن والأسر، الّتي تعرّض لها وما رافقها من عمليّات تعذيب وترهيب، فهو يمرّ بما أطلقت عليه الباحثة بسمة عبد العزيز، في كتابها «ذاكرة القهر، دراسة حول منظومة التعذيب»، إعادة تمثُّل الصدمة، ويُقْصَد بها تلك النوبات المتكرّرة الّتي يمرّ بها الأسير، ويسترجع فيها الحدث الصادم مرّة أخرى، كما لو كان يحدث معه لحظيًّا؛ إذ يأتي هذا الاسترجاع مترافقًا مع ما شعر به الأسير من مشاعر وأحاسيس[4].

وضعيّة وعي الأسير بصفته وعيًا (...) غير قادر على تجاوز تجربة الألم المتمثّلة بالسجن والتعذيب، وضعيّة يمكن تفسيرها بالقول إنّ الأسير، في هذه الحالة، يصبح سجينًا داخل المكوّن السلبيّ لصدمة السجن والأسر...

 

وتبعًا لذلك؛ فإنّه يمكن تفسير انزعاج زياد وخوفه المبالغ فيه، من الدم أو صوت المنشار، بالقول إنّ هذه المؤثّرات جميعها تعرّض لها زياد في فترة سجنه؛ فقد كانت – ربّما - جزءًا من مؤثّرات جاءت مرافقة لعمليّة التعذيب الّتي تعرّض لها، وإنّ تعرّضه لها مرّة أخرى كان كفيلًا بأن يستدعي إلى ذاكرته تجربة التعذيب المريرة، بكلّ تفاصيلها ومشاعرها[5].

أخيرًا، فإنّ فيلم «مفكّ» يُعْتَبَر من الأفلام الفلسطينيّة القليلة، الّتي حاولت عرض تجربة السجن والاعتقال الّتي يتعرّض لها الأسير الفلسطينيّ من زاوية مختلفة؛ عبر تجاوز كلّ الكليشيهات الّتي تستعرضها، بصفتها تجربة تُخْتَزَل في مفهومَي البطولة والفداء، وعبر العمل على عرضها بصفتها تجربةَ ألم وتألّم قبل كلّ شيء، يبقى أثرها في الإنسان على جميع مستويات النفس والجسد والوعي والإدراك.  

.........

إحالات

[1] ماهر عبد المحسن، "ذهنيّة التعذيب: دراسة في فينومينولوجيا الألم"، مؤمنون بلا حدود، 2019، ص 20.

[2] وليد دقّة، صهر الوعي: أو في إعادة تعريف التعذيب، https://bit.ly/3g55SWL.

[3]  المرجع السابق.

[4]  بسمة عبد العزيز، ذاكرة القهر- دراسة حول منظومة التعذيب، ط1 (القاهرة: دار التنوير للطباعة والنشر، 2014)، ص 117.

[5] المرجع السابق، ص 118.

 

 


إسراء عرفات

 

 

كاتبة وباحثة من نابلس. خرّيجة قسم العلوم السياسيّة في جامعة النجاح الوطنيّة، وحاصلة على الماجستير في التخطيط والتنمية السياسيّة من الجامعة نفسها. مهتمّة بقضايا الفكر والفلسفة، وتكتب في عدد من المنابر الفلسطينيّة والعربيّة.

 

 

تعليقات Facebook