على ضفاف الجسر

 

يجلس في المقعد الأخير في سيّارة الفورد من النوع القديم، على طول الطريق الواصل بين رام الله وجسر عطارة، يعيد تأمّل زمنه الموزّع، يبحث عن الخطّ الفاصل بين زمانين؛ زمن الوضوح الأوّل وبراءة البدايات، أو هكذا كان يظنّ، وزمن لا تسعفه كلّ خوارزميّات الأرض لفهمه.

 على مدى أسبوعين، لم يذق طعم النوم، كانت فكرة أن يأتوا إليه ليلًا تتسلّل إلى جفونه المتعبة، تشعل رأسه، يحاول بسهره المتواصل أن يلاعب الليل. يجلس على البلكون الغربيّ المطلّ على الشارع، يراقب نحنحة الشارع ونبضاته وهمساته، يذهب إلى المطبخ ليُعِدّ قهوته، ثمّ يعود محمومًا إلى كرسيّه، يسعى بين المطبخ والبلكون، تحتاج غلوة القهوة منه إلى سبعة أشواط حتّى يُتِمّ مناسكها، يخشى أن تغريه القهوة فينزلق الشارع من بين يديه، أو يشاغله الشارع، فتأتي لحظة الصفر قبل أن يشرب فنجانه الساخن. على عكس ما ترنّم درويش في منفاه السعيد، هو لم يَعُد يتمهّل في ترتيل ترانيم القهوة، بل يسلقها سلقًا، ويسخر من طقوس التمهّل والأناقة، التمهّل في إعداد القهوة رديف لرفاهيّة الوقت، وابن للاطمئنان الّذي لم يَعُد يملكه.

 صفّ طويل من السيّارات على حاجز عطارة، هذا الحاجز الّذي يقسم زمانين عن بعضهما بعضًا، ويعيد جسرهما، هي لعنة الزمن الفلسطينيّ أو لعلّها لعنة المكان؛ فالجسر حاضر الفلسطينيّ ومستقبله. الجسر الّذي يصل، ويفصل في الوقت نفسه، مدينة رام الله عن قراها في الشمال الغربيّ. بضع أمتار من الأسفلت تتحوّل إلى لغم قد ينفجر في أيّ لحظة؛ ليصادر منك الزمان والمكان والرحلة. شكّل هذا الجسر في ذاكرة كلّ مَنْ يمرّون عنه أصنافًا من العذاب والبهدلة وقلّة الحيلة.

 في الانتفاضة الثانية، تناسخ هذا الجسر على جغرافيا المدينة كلّها واستطال عليها، توالد داخل الزمن الفلسطينيّ الجديد الّذي كان يعد بالرفاه والحياة، لم يَعُد يفصل زمن المدينة وما يحمله من آمال ووعود عن زمن قراها المصنّفة قرى «ج». تلك القرى الّتي تشتهي أن تلحق بركب المدينة المصنوعة على عين زمن الفضيحة والسلام. في زمن الانتفاضة لم يعد زمنٌ عن زمنٍ يفرق، ولا أفضليّة للمركز المدينيّ عن هامشه، كلّنا أولاد تسعة، أولاد الجغرافيا المنكوبة.

بعد الانتفاضة الثانية، عاد الجسر لطبيعته، الخطّ الفاصل بين وهمين؛ وهْم المركز ووهْم هوامشه. ولعلّ كلّ النكبات الّتي حلّت بالزمن الفلسطينيّ لم تشكّل له مضادًّا حيويًّا ضدّ نكبة الوهْم؛ وهْم القرية الّتي تشتهي أن تعترف بها المدينة، ووهْم المدينة الّتي تشتهي أن تعترف بها تل أبيب، الفلسطينيّ هو ابن للأوهام أيضًا.

تقترب الفورد من الحاجز، يبدو أنّه طيّار «مؤقّت»، والمؤقّت في الزمن الفلسطينيّ هو «المؤقّت/ الدائم». نحن أبناء المؤقّت أيضًا، الزمن الفلسطينيّ زمن يتأبّد مؤقّته، وتضيع فيه ملامح الثبات وإن بدت أكثر رسوخًا. هذا القلق الّذي توالد مع النكبة جعل الفلسطينيّ يسخر من فكرة الديمومة، هو ابن الحرب الّتي حال انتهائها سوف يعود إلى بيته، ابن المفتاح الّذي سوف يديره يومًا ما في ‘زرفيل‘ الباب، ابن الثورة المؤقّتة الّتي ستعود يومًا ما إلى حاضنتها بعد المنافي، ابن السلام الّذي كانت ورطته السياسيّة والأخلاقيّة أنّه بحث عن الدائم في المؤقّت، بحث عن مؤقّت الدولة والسيادة والمكاتب والجغرافيا في دائم الاحتلال؛ فكانت أهمّ انزلاقات حركتنا التحرّريّة أنّها لم تستطع أن تتعامل مع فلسفة المؤقّت والدائم تلك، ولم تفهم أنّ زمننا لا يُقاس بالزمن الفيزيائيّ وبالشهور القمريّة والشمسيّة، وأنّ الفلسطينيّ يجب أن يخلق له رزنامته الخاصّة الّتي تشير كلّ الأيّام فيها والمناسبات إلى ثقبٍ أسود واحد هو الاحتلال.

 كان الجنديّ يفتّش بملل تلك السيّارات الخاصّة، ويترك السيّارات من نوع فورد تمرّ بسلام. خمس سيّارات أمامنا، حوار طويل وصراع في داخله؛ أينزل هاربًا و‘ينفذ بجلده‘ أم يبقى مكانه؟ فهم لا يفتّشون سيّارات النقل العموميّ. دقائق مرّت كأنّها دهر! أو لعلّ دقائقنا كلّها دهور.  

 من نكبة الفلسطينيّ أيضًا أنّ زمنه بألف سنة ممّا تعدّون، وأنّ المؤقّت الّذي يحياه يأتي على شكل دهر. لعلّ لعنة الأرض المقدّسة تلك ألقت على كاهله صليب زمن الآلهة؛ فالثانية قد تحدّد مصائرك ومصارعك. كثيرًا في قاموسنا الوقتيّ ما نستخدم حتّى الملل مقولة "مرّت الثانية كأنّها دهر"، لكنّ الأمر ليس مجازًا هنا، هي دهر على الحقيقة، دهر «المحسوم» وساعاته الطويلة، ودهر التوقيف الّذي يأخذ شكل المؤبّد، ودهر التفتيش الليليّ والسجون والمنافي. الفلسطينيّ يعيش دهورًا عديدة، أو لعلّه يعيش خلوده على طريقته الخاصّة.

الفورد الآن على خطّ المواجهة، لحظات تحدّد مصيره، الركّاب مشغولون بثرثراتهم اليوميّة، فلم يَعُد الحاجز يشكّل لهم ذلك القلق، أو لعلّه إدمان التبرّم والضجر. أكثر ما يخيف أن يتحوّل الاحتلال إلى إدمان، أن تشرب ممارساته كما تشرب حبّة الأسبرين مع كأس من الماء، أن تمرّ عن حواجزه وبوّاباته دون تفكير شيء أقرب إلى البلاهة والخدر، أن يتطبّع الاحتلال في داخلك، ألّا يستفزّ أكثر المناطق حساسيّة لديك، ألّا تحدّق في وجه القمع وتبصق في وجهه هو موت من نوع آخر. أو لعلّ الأمر عصيّ على التبسيط، كما أنّ الحياة الفلسطينيّة عصيّة على التبسيط والفهم، أليس الإدمان من أجل البقاء والاستمرار؟ ماذا يفعل الإنسان الّذي يمرّ بشكل يوميّ  عن بوّابة قريته إلى الحواجز المنتشرة على أراضي الضفّة، سوى تجاهل كلّ ما يراه حتّى يستطيع الاستمرار، في خريطةٍ صنعَها السلام البائس على شكل حواجز وطرق للمستوطنات وبوّابات مهمّتها الوحيدة أن تبقى مغلقة؟ وتُرِك الفلسطينيّ هناك وحده عاريًا تمامًا إلّا من نقاط التفتيش، وأبراج المراقبة، والبهدلة المتواصلة. ماذا لديه سوى التجاهل والبقاء؟

جاء صوت الجنديّ واثقًا وممتلئًا بلحظة الانتصار، كأنّه وقع على فريسته بعد طول الانتظار والتعب، لم يسأله حتّى عن اسمه، نادى رفاقه الموزّعين على عجل، أحدهم أغلق جهاز الكمبيوتر المشبوك مع القمر الصناعيّ. الجنديّ الآخر يشخّص الصورة الموجودة على جهازه الذكيّ ويقارن بينهما، كلّ هذه التكنولوجيا العسكريّة لتأبيد المؤقّت الفلسطينيّ وتحويله إلى دائم.  

لم يستوعب كلّ ما يجري من حوله، شيء أشبه بالخدر وتنمّل الأقدام، هي لحظة بين زمانين، يتوقّف فيها الكوكب عن الدوران، تشعر نفسك خارج مجرّة التبّانة، وتسبح في الفضاء.

على الهاتف ضابط المنطقة: "أهلًا... أهلًا... متى روّحت من «سجن بيتونيا»؟".

"إنت بتعرف إمنيح! أسبوعين تقريبًا".

"يلّا الحمد لله على السلامة.

بنستنّاك في المسكوبيّة".

على الجسر الواصل بين زمانين، وبين وهمين، وبين حلمين، وبين سجنين وسجّانيْن، وضعوا العصبة على عينيه، وتحوّل العالم إلى سواد مكثّف، وتناسخت أزمنة القهر، وتحوّل الزمن الفلسطينيّ الجديد إلى جسر بدون ضفاف.

 

 


عديّ البرغوثي

 

 

 

كاتب فلسطينيّ، حاصل على البكالوريوس في التاريخ والآثار، والماجستير في الدراسات العربيّة المعاصرة من جامعة بيرزيت. يعمل مدرّسًا في رام الله.

 

 

تعليقات Facebook