تعرية فلسطينية وعربية.. لتغطية المفاوضات!!../ نزار السهلي*

دلت حقائق الحياة ولفترة طويلة، أن القضية الفلسطينية وهي تسلك درب التفاوض، مدعومة من تيار الاعتدال العربي ومن قوى محسومة الانحياز لدولة الاحتلال، ماضية لمستقبل مجهول وهي تدخل نفسها في نفق التاريخ، غير مستفيدة من تجربة عبثية، وغير مقتنعة بطاقة شعبها الرافض لكل الوهم المزعوم من وراء مسيرة المفاوضات، التي حولت قضية الشعب الفلسطيني إلى متسول على موائد المفاوضات المباشرة وغير المباشرة.

فاللهث غير المسبوق لعودة المفاوضات، دون القراءة الكارثية لتجربة التفاوض مع عدو يعلن بشكل مباشر وغير مباشر، عن ثوابته في المشروع الاستيطاني و تهويد القدس وفرض قوانين التطهير العرقي، ورفضه المطلق وضع أي مطلب فلسطيني وعربي -باعتباره شرطا مسبقا- قبل الدخول في المفاوضات والمضي بالعدوان المسبق والمتتالي على الأرض والإنسان، وتجاوز البديهيات الضخمة وإدخالها في ثقوب صغيرة، وتجاوز الأسئلة البديهية لحقائق التاريخ المعاصر.

بدا واضحا أنه لا مراجعة فلسطينية ولا عربية لمسيرة عقدين من التفاوض ولا لستة عقود من نكبة الشعب الفلسطيني والعربي، والخيار المحسوم ضمن إستراتيجية صهيونية تشتري الوقت وتبيع الوهم للعالم كله، مع إصرار الجانبين الفلسطيني والعربي على إمكانية إحداث فجوة بين واشنطن وتل أبيب، ليجد الطرف العربي والفلسطيني نفسه في مطبات وورطات لن تخرجه منها كل التوسلات لتل أبيب وواشنطن ولتجد أن حجم الفجوة بينها وبين شعوبها تتسع أكثر فأكثر مع الإصرار على مقولة لا شيء جيدا خارجنا ولا أخطاء داخلنا.

الترحيب الإسرائيلي بقرار لجنة المتابعة العربية، لاستئناف المفاوضات غير المباشرة، ودون شروط مسبقة، ولكن بتعهد أمريكي لفظي بأن يتم تأنيب من يعرقل سير المفاوضات، مع نفي أمريكي بوجود ضمانات من الرئيس أوباما للرئيس عباس وهذا يضمن لإسرائيل أن تواصل إنتاج ما لا ينتهي من الثنائيات المتناقضة والإضافية التي ينوء تحتها الشعب الفلسطيني، فمشاريع الاستيطان المستمرة وغياب أي قوة تجبر إسرائيل على تفكيك مستعمراتها ستجعل من الموقف الفلسطيني اللاهث خلف السراب، يبدو كمن يعطي مع شقيقه العربي الوقت لإسرائيل لتنجز سريعا إطباقها على الأرض الفلسطينية. وفي غياب القوة لا شيء يجبر إسرائيل على وقف تهويد القدس وبناء الكنس اليهودية داخل البلدة القديمة وفي محيطها، ولا المفاوضات و لا جهود المفاوضين ستنسف جدار الفصل العنصري وستعيد اللاجئين وتجبر إسرائيل للانسحاب حتى خط الرابع من حزيران 67.

وإذا طرحنا السؤال المتعلق عن جدوى إعادة المفاوضات، التي باعتقادنا أنها لم تتوقف يوما بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية من خلال مرجعية التنسيق الأمني، التي تقاد من خلاله قضية الشعب الفلسطيني تحت مسميات عدة، نجد أن الترحيب الإسرائيلي بالخيار الفلسطيني وبمباركة عربية يهدف إلى إخراج وإنقاذ إسرائيل من مأزقها بعد حربي تموز في لبنان وغزة و تقرير غولدستون، والأمر متساو بالنسبة لإسرائيل إن كان هناك مفاوضات أم لا، عدوانها مستمر ومخططاتها لن تتوقف أمام حالة فلسطينية وعربية مزرية ومشينة في خياراتها.

والحالة الفلسطينية المتمثلة بالسلطة ورموزها التفاوضية والمتخذة من مظلة السلطة عباءة لتمرير سياسة الانزلاق المتهاوي لن تجلب للشعب الفلسطيني أفضل مما جادت عليه في أوسلو المنتهية شكلا إلا في مضمونها الأساسي القاضي بعمل السلطة الأمني في المدن الفلسطينية لترتيب الواقع الفلسطيني بما ويتناسب ومصلحة الاحتلال. فما مصير الغضب الفلسطيني المفتعل من إجراءات العدوان والاستيطان والتهويد، والاشتراطات الفلسطينية للعودة لطاولة المفاوضات؟، لعقتها السلطة ويلعقها الطرف الرسمي العربي لاستمالة إسرائيل القبول بها على طاولة المفاوضات. وهل تهديد الرئيس عباس بوقف المفاوضات اذا لم يتوقف الاستيطان يعتبر ذروة النضال الفلسطيني؟

سؤالنا الآخر: ماذا تفيد اجتماعات اللجنة التنفيذية للمنظمة، إذا كان قرار استئناف المفاوضات اتخذ في الأروقة الخلفية؟
أيضا ثمة تساؤل للفصيلين اليساريين المنضويين تحت عباءة اللجنة التنفيذية، الجبهة الشعبية والديمقراطية، هل الاكتفاء بإصدار بيانات ترفض العودة للمفاوضات هو جل ما تقدمه لشعبها ولقضيته، والتي حسب رؤيتها التاريخية تتعرض قضيته للمؤامرة والتصفية؟ وحسب رؤية المناضل الأسير احمد سعدات الأمين العام للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين "إن استئناف المفاوضات لن يحقق الأهداف الفلسطينية ويعطي غطاء فعليا لاستمرار الاحتلال" هذا الموقف من المفترض أن يحترم على الأقل وان يكون منسجما مع من يمثل هذا الفصيل في اللجنة التنفيذية، وأن يتخذ قرارا بحجم التضحيات وبحجم المؤامرة التي تمرر باسم المنظمة والتنفيذية وبكل المسميات التي تشكل كماليات وديكور في مسرح العبث الفلسطيني، وتستخدم مظلة لتمرير ما تمليه السلطة ومشاريعها على الشعب الفلسطيني. إلا أن واقع الحال، الذي يطرح مسالة التمسك باللجنة التنفيذية أو بالأصح بالحصة المالية منها، أفقدتها ثوابتها التي تغنت بها أمام الجماهير عندما كانت طليعتها، وأصبحت الآن في الساحة الخلفية لميدان الشارع الفلسطيني وظيفتها الأساسية، الحفاظ على اعتماداتها المالية المكتسبة من موظف المجتمع الدولي والبنك الدولي، والقضية الوطنية لها الكثير من بيانات الرفض والإدانة وكثير من الشموع واليافطات، وكثير من النضال السلمي الشعبي الذي غدا برنامج عمل لفصائل المنظمة التي سلمت عنقها لموظف المجتمع الدولي.

وحدها إسرائيل تبدو في مشهد الصراع ثابتة في مشروع القضاء على "ما يسمى دولة" فلسطينية. وما أنجزته حكومة "فياض" إلى اليوم من بناء المؤسسات الأمنية الرامية لتوفير الأمن للإسرائيليين وتشديد القبضة في الضفة، هو أول النقاش على طاولة المفاوضات بين الطرفين وتقديم كشف بانجازات الأجهزة الأمنية المرضي عنها إسرائيلياً وأمريكياً و جاهزيتها لتسلم الأمن في بعض المناطق، إذ لم تسفر مسيرة المفاوضات المباشرة قبل عقدين بانجاز ما يطمح له الشعب الفلسطيني فما بالنا بجلسات غير مباشرة فارغة من عمقها الجوهري المتمثل بالحدود واللاجئين والاستيطان والقدس، بعد أن وضع الجانب الفلسطيني كل الاشتراطات المتعلقة بها خلف ظهره منذ أوسلو.

المسعى الأمريكي "لتقريب وجهات النظر" عبر رحلات ميتشل المكوكية بين الأطراف المتفاوضة، تهدف لترحيل القضايا الأساسية وتجاوز الثوابت الفلسطينية، فقضية الثوابت الفلسطينية في الصراع ليس فيها وجهة نظر، ووظيفة المفاوض الفلسطيني لا تغدو أكثر من مستمع ومتلقي للإملاءات والاشتراطات الإسرائيلية والنصائح الأمريكية له بالإصغاء بواقعية لمتطلبات الأمن والتكاثر الطبيعي للاستيطان والمستوطنين، ولعاب المفاوض الفلسطيني والعربي يسيل للاستماع إلى الإسرائيلي، وغياب وحدة الموقف الفلسطيني والعربي، وبقاء حالة الانقسام والشرخ في الساحة الفلسطينية جراء هكذا سياسات وتجاوز الشعب الفلسطيني وخياراته الكفاحية عبر إحكام القبضة الأمنية عليه، وبقاء عجز الفصائل المنضوية تحت عباءة السلطة وغياب المنظمة، كلها تقدم مشهد "ستربتيز" فلسطيني وعربي لتغطية المفاوضات مع مزيد من التعرية والعار.

بودكاست عرب 48