مستقبل الإسلام السياسي في ضوء تجربة "حماس"../ د.جورج جقمان

أثارت تجربة حماس في الحكم منذ انتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني في كانون الثاني 2006، حتى الحسم العسكري في أواسط حزيران 2007، اهتمام العديد من المراقبين والمحللين إضافة إلى الحكومات والأحزاب الإسلامية المختلفة نفسها في العالم العربي والعالم الإسلامي.

وتختلف ردود الفعل والعبر المستخلصة المتعلقة بتجربة حماس ومستقبل الإسلام السياسي بشكل أعم، تبعاً لموقف الكاتب أو المحلل والذي في كثير من الأحيان له جدول أعمال محدد أو موقف يستخلص من الحدث ما يعزز وجهة نظره، الأمر الذي يثير التساؤل حول إمكانية وجود وجهة نظر أو تحليل اقرب ما يكون إلى الموضوعية والحياد، حتى لو كانت الموضوعية المطلقة غير ممكنة.

وكانت ردود الفعل مشابهة أيضا للنتائج التي حصل عليها حزب العدالة والتنمية التركي في الانتخابات البرلمانية التي تمت في أواخر تموز 2007، خاصة في الصحف ووسائل الإعلام العربية، إذ ندر من سعى لرؤية هذه النتائج وموقع وموضع الإسلام السياسي في العالم العربي، حتى لو اتصف بالتعددية والتنوع، من موقع اقرب ما يكون إلى الحياد، ومن منظور "حركة التاريخ" إن جاز التعبير، وقياساً على دروس مستقاة من الماضي، حتى لو سلمنا أن هناك استثناءات عدة فما زال هذا الصنف الغالب في الكتابات.

وفيما يتعلق بالإسلام السياسي الذي يعمل ضمن إطار الدولة الوطنية، أي باختلافه عن "الجهاد المعولم" والتكفيري، عموماً، وفرت تجربة حماس في فلسطين، عبرتين أساسيتين عامتين مختلفتين: الأولى مفادها، أن الوضع العربي غير جاهز لتقبلها ومن ثم توجد عبر يجب استخلاصها. والثانية، أنها غير جاهزة لتقلد مقاليد الحكم. والجاهزية هنا أو عدمها مردها ومسؤوليتها تقع على "الوضع العربي" في الاستخلاص الأول، وليس على الإسلاميين، وتقع على الإسلاميين في الاستخلاص الثاني وليس على الوضع العربي.

ومن العبر من النوع الأول التي تم استخلاصها، ما أشار إليه الأستاذ راشد الغنوشي رئيس حركة النهضة الإسلامية التونسية والذي يعيش في المنفى في بريطانيا. فقد قال في برنامج متلفز على قناة الحوار قبل بضعة شهور انه ينصح الأحزاب الإسلامية التي تخوض الانتخابات البرلمانية في الدول العربية بعدم تخطي حاجز الـ 30 في المائة من المقاعد، لأن النظم العربية غير جاهزة بعد لحكم الإسلاميين. ومن غير الواضح إن كانت هذه النصيحة قد وصلت إلى حماس في الوقت المناسب أو أنها أخذت بها.

بالمقابل، تتعدد وتتنوع الآراء في العبر المستخلصة عند من يرون أن الحركات الإسلامية نفسها وحماس أيضا، غير جاهزة للحكم. فالبعض يرى أنه بخلاف حزب العدالة والتنمية في تركيا، فإن الأحزاب الإسلامية العربية المشاركة في الانتخابات النيابية (وهي أساسا الإخوان المسلمون أو من هي قريبة منها فكرياً) لا تفرق بين "الإسلام الثقافي" و "الإسلامي السياسي"، أو أن التوجه الأيديولوجي يمنعها من التعاطي مع السياسة بما تتطلبه من براغماتية ومرونة قد تقتضي المساومة على المبادئ، وأن عدم فهمها لهذه الناحية بالذات يؤدي إلى فشلها. فمثلاً، يرى الأستاذ جمال البنا أن مشكلة الأحزاب الإسلامية هي سعيها لإعطاء طابع مؤسسي للدين، وأنها "غير حداثية" وتعتمد الرؤى التقليدية منهجاً وحيداً ولا تتواصل مع "متطلبات العصر" وتتمسك بقالب فكري يقف "عند حدود زمنية بعينها".

ويرى آخرون، أن الإسلاميين يسعون إلى إعادة إنتاج مفاهيم المرحلة العثمانية العابرة للدولة الوطنية، وأن الفكر الإسلامي بعامة أنفق جهوداً فكرية في محاولات استعادة الخلافة بصيغتها القديمة أو بصيغ معدلة، كما يقول الدكتور رضوان السيد، ومن باب التحليل وليس التقييم، فإن البعض مثل الأستاذ تقي الدين النبهاني "لم يتجاوز هذه المسألة حتى اليوم".

توجد هنا خلطة كبيرة من المفاهيم والآراء والتحليلات لا تنطبق جميعها، في الواقع، على حماس أو على الأحزاب الإسلامية في الدول العربية المختلفة، ولن تنفع التعميمات على هذه الأحزاب مجتمعة لفهم ما يحدث أو ما حدث، هذا الخلط بين العام والخاص، المشترك بين الأحزاب الإسلامية وخصوصية كل بلد بعينه، والخلط بين الثابت والمتحول بفعل الظرف التاريخي يعيق الفهم ويموه البصر والبصيرة.

فمثلاً، حزب العدالة والتنمية يعمل في بلد معين له خصوصية محددة. ولا يعقل القول أو التفكير بأن هذا الحزب لا يسعى لأن يتفاعل مع هذه الخصوصية، والتي من بينها دور الجيش في الحقل السياسي وحدود ما هو مسموح به، ورغبة الحزب في الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وأخيرا وليس آخراً، رؤية الحزب إلى دوره كنموذج لأحزاب إسلامية أخرى كما قال رجب طيب أردوغان في أكثر من مناسبة، ومن الواضح ما هي معالم هذا الدور: حزب إسلامي يعمل ضمن إطار الدولة القومية، بطرق براغماتية، يفصل السياسي عن الثقافي في شعاراته، ويتمسك بمبادئ إسلامية عامة مثل تحقيق العدالة والتنمية، أي أن اهتماماته الرئيسية هي دنيوية وليسَ أسلمة المجتمع.

صحيح أنه قد يقال إن هذه أهداف مرحلية، وإنه إن كتب له الحكم لفترة طويلة سيسعى لتحقيق أهداف أخرى. لكن هذا افتراض وتكهن. والواقع هو أن أي حزب سياسي سيضطر للتعامل مع العالم كما هو اليوم بما فيه من مرونة أيديولوجية أو سياسية. وصحيح أيضا أن الظروف تسمح لطالبان بأن تحافظ على فهم محدد وصارم لماهية المجتمع الأمثل، ولكن هذا لا ينطبق بالضرورة على حزب العدالة والتنمية كما أنه لا ينطبق بالضرورة على حماس.

هنا يمكن أن نرى بوضوح جدلية العلاقة بين الأيديولوجيا والواقع المجتمعي والسياسي. وفي هذا السياق فقط يمكن النظر إلى مواقف هذه الأحزاب ومواقفها الممكنة. بالتالي، لا يمكن التعميم على مآل هذه الأحزاب وتوجهاتها خارج الموقع والوضع الذي تعمل فيه وحدود ما هو ممكن محلياً وعالمياً. إن أية نظرة جوهرية للأحزاب الإسلامية بمعزل عن تفاعلها مع محيطها الداخلي والإقليمي والدولي ترتكب الخطأ نفسه الذي يعزوه إليها مناهضوها، أي أيديولوجية المنحنى وجوهرية الموقف بمعزل عن الظرف والموقع.

لنأخذ حماس مثالاً. بعد الانتخابات النيابية، وجدت حماس نفسها في موضع يقع بين الأيديولوجي و"العقائدي" من جهة، والسياسي من جهة أخرى. وخلال فترة قصيرة نسبياً، تقل عن عامين خطت خطوات عدة باتجاه السياسي والبراغماتي، فقبلت حل الدولتين بالفهم الفلسطيني والعربي له، وان كان "مرحلياً"، وأعطت محمود عباس (أبو مازن) تفويضاً للمضي بهذا الحل، وأصر في أكثر من مناسبة ناطقوها على أنهم يعملون من أجل إزالة الاحتلال فقط، ونأوا بأنفسهم عن الجهاد المعولم، وحددوا موقعهم ضمن الدولة الوطنية حتى لو أن لهم "أخوة" مع حركات إسلامية أخرى.

هنا، فإن "الصعوبات الناجمة عن تعقيدات الحكم" كما يقول الأستاذ حسن البنا لها علاقة بإسرائيل والولايات المتحدة من ورائها وهي صعوبات غير بعيدة عن تلك التي يواجهها "أبو مازن"، وهي تختلف عن "صعوبات الحكم" في تركيا مثلاً. لا يمكن التعميم. التعميم يفضي إلى نظرة جوهرية للحركات الإسلامية تخرج عن نطاق التاريخ الفعلي وخصوصية بلد بعينه، وتغفل عن الصيرورة التاريخية التي يمر بها حزب من الأحزاب أكان إسلاميا أم أيديولوجياً من أي نوع كان، وحاجته للتفاعل العملي مع مقتضيات السياسية العملية.

وبالمقابل، يوجد تساؤل مشروع حول الحدود العملية والبراغماتية التي يمكن لأي حزب إيديولوجي أن يصل إليها، دون التنازل عن عقائده مهما بلغت المرونة في تفسيرها وتسويغها. تخطي هذه الحدود لغرض المشاركة في الحكم في عالم اليوم، يلزم تأصيلاً جديداً أو متجدداً لفكر الحزب أو إيديولوجيته. هنا يلزم تصالح إسلامي مع "مقتضيات العصر" منها القبول بالمواطنة المتساوية بمعزل عن الجنس والعرق والانتماء الديني، وقبول واضح ليس فقط للتعددية السياسية وإنما أيضا للتعددية الفكرية والثقافية. هذه هي مستلزمات الديمقراطية كما تفهم في عالم اليوم داخلياً، أي داخل الدولة القومية، ويلزم أيضا التصالح مع القومية كمكون للدولة المعاصرة حتى لو قيل أن العولمة تقوض أركانها. هذا لا يستلزم ضرورة التصالح مع العولمة ولكن يلزم أن يكون لهذه الأحزاب تصور ما حول كيفية التعامل مع الاقتصاد المعولم في عالم اليوم. دون ذلك، ستواجه عزلة دولية تعزز موقف الأستاذ راشد الغنوشي، من أن البيئة الدولية غير مهيأة بعد للأحزاب الإسلامية، ولكنها أيضا تعزز النظرة الأخرى لتلك الأحزاب، بأنها "غير جاهزة" لعالم اليوم.

إذا، ما هي "الجاهزية" لعالم اليوم؟ هل من يسعى للتغيير الجذري غير جاهز، أم أن العالم اليوم يجب أن يتغير؟ هذه هي القضايا الأساسية التي خاضتها الحركات السياسية المختلفة عبر العصور في مسعى للتغيير، في التاريخ الإسلامي وغير الإسلامي. والعبر تكمن فقط في النجاح أو الفشل وفي تقدير إمكانية النجاح أو الفشل. ربما كان هذا خطأ حماس، بأنها لم تكتفِ بالأغلبية التي حققتها في المجلس التشريعي الفلسطيني لتشكل بعد ذلك حكومة من غير حماس وتعمل على تحقيق برنامجها لإصلاح ومكافحة الفساد. لو اختارت ذلك لكانت في موضع مريح تمسك فيه بزمام منح الثقة للحكومة أو سحبها، دون أن تتورط بتبعات ومستلزمات الحكم في فلسطين تحت الاحتلال.

لكن هذا لو تم، لن يعفي حماس والحركات الإسلامية الأخرى في الدول العربية من التفكير في تبعات الحكم في ظل المقتضيات الإقليمية والدولية في عالم اليوم. ولو قيض لبعض هذه الحركات أو الأحزاب أن تحكم، لما كان في إمكانها الهروب من إعطاء إجابات محددة حول الأمور المباشرة والعملية في ظل موازين القوى الإقليمية والدولية إضافة إلى المحلية. هذا الاختبار لم تمر به حماس، ولعل حزب العدالة والتنمية هو أول تجربة ناجحة (حتى الآن) لهذا التفاعل، وللتحول الممكن للأحزاب الإسلامية إن وصلت إلى الحكم. وهذه الفرصة تحديداً لم تعطَ لحماس..

بودكاست عرب 48