هدم المنازل في قلنسوة ليس استثناء

هدم المنازل في قلنسوة ليس استثناء

محمد كبها

استيقظنا، مرة أخرى، خلال الأسبوع الماضي على خبر هز أعماقنا. فقد اجتاحت الجرافات الصهيونية في وضح النهار بلدة قلنسوة (غربي طولكرم) الواقعة في الداخل الفلسطيني وقامت بهدم 11 منزلًا.

تشبه هذه المنازل التي هدمت بحجة عدم الترخيص، أكثر من 60 ألف منزل في الداخل الفلسطيني تفتقد للتراخيص، وهناك الآلاف منها مهددة بالهدم الفوري. ويعود ذلك طبعًا لعدم إصدار السلطات الإسرائيلية لهذه التراخيص. فالخرائط الهيكلية في العديد من البلدات العربية لم تتوسع أو توسعت بشكل جزئي منذ تأسيس إسرائيل. هذا، على الرغم من تضاعف عدد الفلسطينيين في الداخل بسبعة أضعاف. كما لم تسعى الحكومة الإسرائيلية إلى بناء مدينة عربية حقيقية أو قرية عربية واحدة، مقابل بناء أكثر من 700 مستوطنة لليهود.

لقد صدر قرار الهدم بحق بيوت قلنسوة قبل يومين فقط من تنفيذه، وبتوجيه القيادة السياسية الصهيونية وعلى رأسها بنيامين نتنياهو الذي وعد بذلك في الأسابيع الأخيرة خلال 'مسرحية النقاش' حول نقل البؤرة الاستيطانية 'عمونا'، ولم يتَح لأصحاب البيوت الفلسطينيين حتى تقديم الاستئناف ضد هذا القرار.

بعد تنفيذ الهدم مباشرة، سارع نتنياهو إلى تبشير جمهور مشجعيه الفاشيين متفاخرًا بمشاركة الخبر عن صفحة أخبار صهيونية عنونته بـ'قواتنا هدمت 12 بيتا عربيا في قلنسوة'.

وتشهد تصريحات نتنياهو بأن هذا الهدم هو فصل آخر من فصول معركة التطهير العرقي التي يمارسها الاستعمار الصهيوني والتي بدأت مع غزو بلادنا منذ نهايات القرن التاسع عشر، وهي هجمة مستمرة حتى يومنا هذا، بهدف التضييق على الفلسطينيين من أجل اقتلاعهم والتخلص منهم بشتّى السبل. هنا يتمثّل جوهر السياسة الصهيونية في جميع أنحاء فلسطين التاريخية رغم التجزئة الرسمية واختلاف آليات التحكّم في المناطق المختلفة، والتي ابتدعتها إسرائيل من أجل تجزئة المقاومة الفلسطينية ضدّ مشروعها.

لاحقًا، قامت جرافات الاحتلال بهدم قرية العراقيب في النقب للمرة 108. وقد سلمت إخطارات بهدم منازل في مدينة باقة الغربية وقرية عرعرة. فما الذي يجعل إسرائيل تطلق هذه الحملة في هذا الوقت بالذات؟

الانفلات الإسرائيلي بدعم أميركي

يتنافس الساسة الإسرائيليون في ما بينهم، في الأعوام الأخيرة، على الكشف عن عنصريتهم، فقد شكّلت المحاكمة الوهميّة للجندي القاتل إليئور أزاريا خلال الأسبوع الماضي مسرحًا للمنافسة على دعم واحتضان القاتل، وقد دعى قادة ما يسمى باليسار الصهيوني، قبل اليمين، لمنحه العفو.

ومنذ بداية 'الانتفاضة الثالثة' التي انطلقت في تشرين الأول/ أكتوبر من العام 2015، صدرت أوامر قتل الفلسطينيين المشتبهين بتنفيذ العمليات، من القيادة السياسية لتصل مباشرة عبر وسائل الإعلام إلى الجنود في الميدان وإلى المستوطنين الإسرائيليين الذين يحمل معظمهم السلاح، وقد مهّد هذا إلى ما يقارب 200 عملية قتل لفلسطينيين.

وتيرة الانفلات هذه تتسارع على جميع الأصعدة وفي جميع أنحاء فلسطين التاريخية، فهدم المنازل وإزالة أحياء وقرى بأكملها في النقب والقدس وغور الأردن على حد سواء، وعمليات الإعدام الميداني للفتيان والفتيات الفلسطينيين في شوارع الضفة الغربية والقدس المحتلة، وتكثيف حملة الاستيطان في حي سلوان، وتشديد الخناق على قطاع غزّة المهدد بكارثة إنسانية.

تتبدى ملامح وحشية التصعيد هذه أيضا في المصادقة على قوانين تمنح المستوطنين في الضفة الغربية مزيدًا من الصلاحيات من أجل سلب الأراضي الفلسطينية وترهيب المواطنين، إلى جانب الهجمة الشرسة على الحركة الوطنية في الداخل الفلسطيني، المتمثلة في إخراج الحركة الإسلامية عن القانون وحتى ملاحقة حزب التجمع الوطني الديموقراطي والاعتقالات المستمرة للناشطين الفلسطينيين.

تجدُ الأفكار المجنونة مكانًا لها في الخطاب الإسرائيلي اليوم، خصوصا في ظل تراجع دور النخبة 'العقلانية' الصهيونية. حيث تقوم النخب السياسية بتقديم اقتراحات مثل الاقتراح بتهجير عائلات منفذي العمليات الاستشهادية إلى سورية، أو الدعوة إلى هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل الثالث مكانه، أو دعوة بعض الوزراء إلى ضمّ الضفة والإعلان عن دولة يهودية من النهر إلى البحر.

هذه التطورات، جميعها، هي نتاج طبيعي للدعم التاريخي المطلق ولإفلات الحبل الذي تلقته إسرائيل من قبل الإدارات الأميركية المتعاقبة، للتغطية على الجرائم بحق الإنسانية التي ترتكبها.

تأتي إدارة ترامب للاستمرار في النهج ذاته والذي يمهّد للمرحلة القادمة، فبعد صدور قرار مجلس الأمن الأخير طمأنَ ترامب الإسرائيليين قائلًا إن كل شيء سيتغير عند استلامه إدارة البيت الأبيض في العشرين من الشهر الجاري. وخلال الأسابيع الماضية زارت بيكي نورتون دانلوب، إحدى مستشارات ترامب فلسطين المحتلة، وصرّحت خلال زيارتها بأنها تبدي تعاطفها مع ما سمته 'الشعب الإسرائيلي' و'دعمها لحقه الطبيعي في التوسّع على أراضيه وتطوير مجتمعه بما في ذلك على أراضي الضفة الغربية'، التي تعتبرها نورتون جزءًا لا يتجزأ من إسرائيل.

وسيعين ترامب، على ما يبدو، دافيد فريدمان اليهودي، سفيرًا أميركا في إسرائيل، وهو صهيوني متعصب يربطه رابط قوي بدولة الكيان، وقد زار إسرائيل وفق تصريحاته أكثر من 100 مرة خلال الثلاثين سنة الماضية، وقد أسس وترأّس جمعية 'أصدقاء مستوطنة بيت إيل' ، وهو من داعمي الاستيطان في الأراضي المحتلة عام 1967، وقد أعلن بدوره بأن أولى خطواته عند استلام مهامه ستكون نقل السفارة الإسرائيلية من تل أبيب الى القدس.

سقوط وهم حلّ الدولتين وأزمة السياسة الفلسطينية

لمدة تجاوزت 40 عامًا سقط الكثير من الفلسطينيين في فخّ وهم حل الدولتين الذي رسمته الصهيونية بناءً على قرار الإمبريالية بتقسيم البلاد، لقد ركضت بعض القيادات الفلسطينية لاهثة وراء ذلك الحل المضلل مثلما يركض تائه عطش في الصحراء وراء السراب.

إن سقوط الأقنعة الصهيونية والأميركية يكشف لمن تمّ التغرير به من الفلسطينيين بأن إسرائيل لم تسعَ ومنذ إقامتها إلى التوصل إلى تسوية مع الفلسطينيين، وكما هو معهود من قبل حركات الاستعمار الاستيطاني، فإن هدف إسرائيل كان وما زال، التوسع واقتلاع السكان الأصلانيين من أراضيهم والتخلص منهم بشتى الوسائل.

لا تتوافق سياسة إسقاط الأقنعة مع توجّه ما يسمى باليسار الصهيوني، أو من أطلقنا عليهم تسمية 'العقلانيين' الصهاينة لخوفهم على مشروعهم، فبعد قرار الأمم المتحدة الذي يقضي بوقف الاستيطان في الضفة والقدس، وبعد خطاب كيري الذي تلاه كان ردّ رئيس الحكومة الإسرائيلي وحاشيته شرسًا، وقد اتهم هؤلاء الدول المبادرة للقرار بمعاداة السامية، وبدأوا بخطوات قطع العلاقات معها، ووجهوا تهم 'خيانة الديموقراطية' لإدارة أوباما وكيري.

تعقيبًا على كلّ ذلك قال إيهود براك والذي يعتبر أحد رموز معسكر ما يسمى باليسار الصهيوني، بأن حكومة نتنياهو المتعنتة وغير الحكيمة تجرّ إسرائيل نحو الهاوية. لقد انتقد براك وبشدّة ما يفعله نتنياهو الذي يعلن الحرب على العالم، وقال إن ذلك سيعزز من قوة حركة مقاطعة إسرائيل. اللافت في تصريح براك هو توضيحه بأن وتيرة بناء المستوطنات في الضفة قد بلغت أربعة أضعاف ما كانت عليه في فترات حكم نتنياهو، ولكن، يقول براك، كنا نوهم العالم بأننا نسعى لتحقيق السلام، وكنا نحاور الفلسطينيين ونوهمهم بأننا مهتمين بالتوصل الى حل نهائي معهم.

في الأستوديو الى جانب براك جلس المحلل السياسي الإسرائيلي المعروف، أمنون أبراموفيتش وقال إنه وخلال استماعه لخطاب نتنياهو الذي أعلن فيه الحرب على العالم شعر بأنه ماضٍ باتجاه دولة أبارتهايد، وبأنه قد خيّل له أنه عاد في الزمن إلى العام 1986 وقد كان يستمع للتو لخطاب رئيس حكومة نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا.

ما من شك بأن إدارة ترامب ستدعم توجّه حكومة إسرائيل، تمامًا كما دعم الغرب وعلى رأسه مارغريت ثاتشر رئيسة الوزراء البريطانية في الثمانينيات، نظام الأبارتهايد.

قد نستفيق في الغد لنقرأ في الصحف عن إعلان حكومة نتنياهو دولة يهودية في جميع أنحاء فلسطين، ولن يفاجئ ذلك أحدًا.

في ظل هذا كلّه، ما زالت معظم القيادات الفلسطينية على جانبي الجدار، وحتى في غزّة، تتحدث عن 'حلّ الدولتين'، الفكرة التي لم تكن منطقية وواقعية في أية مرحلة من المراحل، عدا عن مدى الظلم المتجسد فيها لشعبنا، فهي تتخلّى عن أكثر من نصف الشعب الفلسطيني (اللاجئين وفلسطينيي الداخل) ولم تكن لتحقق العدل لشعبنا. إن تخليد وضع يتم فيه تقسيم فلسطين إلى مركز استعماري وهامش خاضع وتابع للاستعمار ومحاصر تمامًا بالإرادة الاستعمارية لن يحقق سلامًا أبدًا في فلسطين، وهو يكرّس الظلم والاضطهاد بموافقة المضطّهَدين وتنازلهم التاريخي عن حقوقهم. إن شعبنا الذي دفع ضريبة الدم منذ ما قبل عام 48 ولا زال يدفعها حتى اليوم يستحق ما هو أكبر من استقلال البلديات. فصراعنا مع الاحتلال لم يكن ولن يكون إداريًا حول صلاحيات جمع القمامة ومد خطوط الكهرباء والبنية التحتية. بل إنه صراع نحو التحرر وتقرير المصير، وفي صلبه مسألة عودة اللاجئين الفلسطينيين.

الأمر الواقع في فلسطين يدعونا للتفكّر في إعادة الاعتبار لبرنامج الإجماع الوطني الفلسطيني الذي سقط من أجله غسان كنفاني ودلال المغربي والآلاف من شهداء شعبنا في المجازر وفي المعارك، من أجل حل عادل لقضية شعبنا، أسس هذا الحل تكمن في تفكيك البنية الصهيونية للكيان الإسرائيلي، وفي عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى قراهم ومدنهم، هذا هو صلب الحل الكامن في الميثاق الوطني الفلسطيني، الذي تم اغتياله على مراحل متعددة، وصولا إلى شطبه في العام 1997. هذه الرؤية المتمثلة في إقامة نظام ديمقراطي في فلسطين ستشكّل حلًا ليس للفلسطينيين وحدهم، بل وستحرر مستوطني الكيان الصهيوني نفسه من الكارثة التي ألحقوها بأنفسهم وبشعبنا.

تطبيق عرب 48 الجديد متوفر الآن



تابعنا:

Instagram