السيسي والأزهر وتجديد الخطاب الديني: لحظة الصدام

السيسي والأزهر وتجديد الخطاب الديني: لحظة الصدام

يلتفت الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، للخلف موجها حديثه لرئيس حكومته، شريف إسماعيل، قائلا بحدة: 'وتجديد الخطاب الديني'، كإحدى مهام 'المجلس الأعلى لمواجهة الإرهاب'، رغم أنه أمر يخص المؤسسات الدينية وعلى رأسها الأزهر.

جاء ذلك خلال مؤتمر صحافي للسيسي في أعقاب تفجيرين كبيرين طالا كنيستين شمالي البلاد، 9 نيسان/ أبريل الجاري، أسفرا عن مقتل وإصابة العشرات، تضمن الإعلان عن حالة طوارئ بكافة أنحاء البلاد لمدة 3 أشهر وتشكيل مجلس أعلى لمكافحة الإرهاب والتطرف.

ومن حينها لا تمر ساعة دون هجوم إعلامي من مؤيدين للنظام ضد الأزهر وشيخه أحمد الطيب، بعضهم دعاه للتنحي وآخرين أعلنوا وفاة المؤسسة الدينية الأبرز بمصر والعالم، ما عده خبير إعلامي مصري 'تطوعًا بالوكالة من جانب إعلاميين يحاولون خطب ود السلطة'.

والطيب (71 عاما) هو الإمام الأكبر للأزهر رقم 48، ويعرف ببعده الصوفي البارز، عُين 19 آذار/ مارس 2010 بقرار من الرئيس، حينها، حسني مبارك، ووفق الدستور تنتهي خدمة شيخ الأزهر، الذي يعامل إداريا بدرجة رئيس وزراء، عند سن الثمانين، مكتسبا خلالها حصانة تجعله غير قابل للعزل من منصبه من رئيس الجمهورية.

ومنذ 4 شهور، والطيب بين مطرقة الرئاسة وسندان الإعلام اعتبرها معنيون، حملة إعلامية تستهدف الأزهر وشيخه لأسباب عديدة منها 'إجباره على الاستقالة، وإشغال الرأي العام بقضايا ليست رئيسية، ولي ذراع كل من يبدو مستقلا عن النظام ولا يطيعه'، مستبعدين خطوة عزله.

وقال مصدر مسؤول بمشيخة الأزهر، إن المؤسسة 'لن تعلق على الهجوم الشرس ضدها'، معتبرا إياه 'زوبعة وستنتهي مثل غيرها'، مؤكدا عدم وجود توجه لشيخ الأزهر للاستقالة إلا إذ أرغم على ذلك.

هجوم متكرر

الهجوم الإعلامي ضد الأزهر وشيخه ليس الأول بل هو تكرار لهجمات إعلامية، سابقة، انطلقت بشكل بارز عقب عبارة 'أتعبتني يا فضيلة الإمام'، والتي أطلقها السيسي، في حفل أقيم في كانون الثاني/ يناير الماضي، بحضور شيخ الأزهر، أحمد الطيب، بالتزامن مع طلب الرئيس بتقييد الطلاق الشفوي.

غير أنه مطلب رفضته في الشهر التالي بالإجماع هيئة كبار العلماء، أعلى هيئة دينية بمصر، برئاسة الطيب.

وعقب الرفض الأزهري، في شباط/ فبراير الماضي، اتُهم الأزهر بأنه 'معارض للنظام ويسعي للصدام والمواجهة مع الدولة' في أغلب التقارير الصحفية المحلية، الذي يعد الثاني من نوعه وقتها بعد رفض مؤسسة الأزهر، وشيخها الطيب، الموافقة على خطبة الجمعة المكتوبة، التي تبنتها وزارة الأوقاف المصرية وتراجعت عنها منذ أشهر قليلة.

وكان أبرز انتقادات للأزهر، ما أثير عقب التفجيرين وكلمة السيسي، إعلان الإعلامي المؤيد للنظام المصري، أحمد موسى، عبر برنامجه بفضائية مصرية خاصة، وفاة الأزهر عقب ما أسماه 'فشلا في مواجهة الإرهاب' وتنقيح الخطاب الديني من التشدد.

وطالب الإعلامي المؤيد للنظام المصري، عمرو أديب، الثلاثاء قبل الماضي، ببرنامجه بفضائية مصرية خاصة، شيخ الأزهر أحمد الطيب، بالتنحي، وتركها لآخر (لم يسمه) ودعوة السيسي لمطالبة الطيب بتقديم استقالته.

وفي هذه الآونة، أعدت صحيفة 'اليوم السابع' التي يترأس تحريرها الإعلامي خالد صلاح، الموالي للسيسي، ملفا بعناوين كالتالي 'لماذا يخشى الأزهر من الحرب على الإرهاب وتجديد الخطاب الدينى؟ الأمام الأكبر الخائف من مواجهة التطرف يهرب من الأزمات لساحة الدراويش.. 'الطيب' يرفض جرائم 'داعش' ويأبى تكفيرهم... والإخوان والتكفيريون يستوطنون الأزهر'.

تعديلات تشريعية

بالتزامن، أكد البرلماني المصري المؤيد للنظام، محمد أبو حامد في تصريحات صحفية عديدة، السير قدما في تعديلات تشريعية قدمها حول قانون الأزهر، بتعديل في هيئة كبار العلماء (أعلى هيئة دينية) التي بالأساس تنتخب شيخ الأزهر بما يسمح لرئيس البلاد بتعيين أعضائها وليس الشيخ.

غياب الأذرع وإشغال الرأي العام يواجهان الطيب

وفي هذا السياق، يقول، أستاذ الإعلام السياسي والرأي العام بمصر والرئيس السابق للجنة تقييم الأداء الإعلامي (حكومية)، صفوت العالم، إن استمرار الحملات الإعلامية ضد الأزهر وشيخه 'هو تطوع بالوكالة من جانب إعلاميين يحاولون خطب ود السلطة'، موضحا أنه 'ما يلبث أن يلمح أو يشير الرئيس لأي شيء حتى يتحرك إعلاميون إما تبريرا أو هجوما'.

سبب ثان لاستمرار تلك الحملات، وفق العالم، يعود لعدم وجود أذرع إعلامية للأزهر، مؤكدا أنه لو كان رجل أعمال هوجم من وسائل الإعلام كان سيرد عبر ما يملكه من قنوات إعلامية أو علاقاته مع وسائل الإعلام مستدركا 'لكن الأزهر لا يملك ذلك'.

وأشار إلى أن تلك الحملات 'وقتية'، لافتا إلى سبب ثالث لظهورها مرتبط بإشغال الرأي العام عن قضايا رئيسية، متسائلا 'أين الحديث عن ارتفاع الأسعار؟'.

وعلى مسافة قريبة من الطرح السابق، يرى كمال حبيب المفكر الإسلامي، في حديث للأناضول، أن ما يحدث هو 'محاولة من أبواق إعلامية للي ذراع الشيخ وعقاب للمؤسسة من نظام يعاقب كل من يبدو مستقلا عنه ولا يطيعه فيما يريد، وكان هذا واضحا في ضوء رفض الأزهر مطلب الرئاسة الخاص بتقييد الطلاق الشفوي'.

وأوضح أن 'الحملات الليلية والنهارية في الصحف ووسائل الإعلام لن تجبر شيخ الأزهر على الاستقالة مهما حاولت، غير أنها قد تبعد ملف تجديد الخطاب الديني قليلا من يد المؤسسة وسط محاولات من السلطات لعدم جعل الأزهر مستقلا'.

واعتبر أحد خطباء الأوقاف السابقين، وعضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، الشيخ عبد العزيز رجب، أن 'الحملة الإعلامية لها أهداف كثيرة منها الضغط علي الطيب لمجاراة السيسي في طلباته من تجديد الدين أو الاستقالة، والتغطية على الأزمات الكبرى جراء تدهور الاقتصاد بصورة جنونية'.

محاولة تأميم وشماعة أزمات

هذا التحليل اتفق مع ما ذكره رئيسا حزبين وإعلاميان بارزان بمصر الأيام الماضية، حيث وصف رئيس حزب مصر القوية، عبد المنعم أبو الفتوح، الهجوم على الأزهر، بأنه 'شعار أطلقته السلطة'، في تغريدة عبر حسابه بـ'تويتر'، الخميس الماضي.

والسبت الماضي، أكد رئيس حزب الوفد (ليبرالي/ مؤيد للنظام)، السيد البدوي، في تصريحات صحفية أن هناك 'حملة شرسة وممنهجة هدفها تأميم الأزهر'، مؤكدًا رفض الحزب المساس باستقلال المؤسسة.

فيما كشف الإعلامي المصري، وائل الإبراشي عبر برنامجه بفضائية خاصة، مساء السبت الماضي، أن ما يواجهه الأزهر وشيخه 'حملات ممنهجة مدفوعة ربما من بعض الجهات (لم يسمها) في الدولة التي تريد إخفاء فشلها (..) وتسعى أنها 'تشّيل الليلة' (تحمل المسؤولية منفردا) لشيخ الأزهر'.

وقبلها بيوم، قال الإعلامي المصري حمدي زرق، إن 'استباحة الأزهر وسلق الشيخ بألسنة حداد وتحميله وزر الإرهاب وجرم الإرهابيين يخاصم المنطق والحكم السليم'.

اعتزال أو استقالة إجبارية

وفي مقال، الجمعة الماضي، بصحيفة المصري اليوم الخاصة، أضاف رزق: 'أعلم أن الإمام قد ضاق صدره، وحدّثته نفسه باعتزال الإمامة'.

فيما استبعد الخبير الإعلامي البارز صفوت العالم، أن يتجه النظام لعزل شيخ الأزهر او إجباره على استقالة، مؤكدا أن منصبه محصن دستوريا والأزهر له مكانة لا يستطيع أحد المساس بها، وهو ما يؤيده فيه المفكر الإسلامي كمال حبيب.

فيما توقع المقيم بالخارج، والذي يرأس حركة 'أبناء الأزهر الأحرار' (غير حكومية)، الشيخ عبد العزيز رجب، أن 'يستمر السيسي في الضغط على الطيب، حتى يقدم استقالته حتى لا يحرك العامة وخاصة صوفية الصعيد'، مشيرا إلى أن هناك تمهيدا مستمرا لإعداد بديل لتولي منصب شيخ الأزهر.

زوبعة بلا استقالة والبديل محتمل

فيما قال مصدر مسؤول بالأزهر الشريف، رافضا ذكر اسمه لحساسيه موقفه، إن المؤسسة لن ترد على الهجوم الإعلامي الشرس متجاوزة عن كل تلك الإساءات حرصا على مصلحة الوطن العليا، مؤكدا قيام الأزهر بدوره في تجديد الخطاب الديني.

وتوقع المصدر ذاته أن تكون تلك الحملات زوبعة وستنتهي مثل غيرها سابقا، مشيرا إلى أن شيخ الأزهر أصابه ضيق شديد من تلك الحملة وليس لديه نية لتقديم استقالة حتى الآن.

وأوضح المصدر ذاته أنه في حالة رحيل شيخ الأزهر لأي سبب رغما عنه، فالبديل الأقرب وفق القانون الحالي لهيئة كبار العلماء التي يحق لها فقط انتخاب الإمام الأكبر من بين أعضائها، إما على جمعة مفتي البلاد السابق، أو وزير الأوقاف الأسبق عبد الفضيل القوصي لقرب الأول من الدولة والثاني من الشيخ.

أول رد... عبث وتدليس

اعتبرت هيئة كبار العلماء بمصر (أعلى هيئة دينية) برئاسة شيخ الأزهر أحمد الطيب، أمس الثلاثاء، أن 'العَبَثَ بالأزهر عَبَثٌ بحاضر مصر وتاريخها وريادتها، وخِيانةً لضمير شعبها وضمير الأمة كُلها'، مؤكدة أنه 'من التدليس الفاضح وتزييف وعي الناس وخيانة الموروث تشويه مناهج الأزهر واتهامها بأنها تفرخ الإرهابيين'، في أول تعليق رسمي على الهجوم الأخير.