الانتخابات التونسية: سيناريوهات ضبابية للحكومة المقبلة

الانتخابات التونسية: سيناريوهات ضبابية للحكومة المقبلة
من الانتخابات التونسية (أ ف ب)

بعد أن أظهرت التقديرات الأولية لنتائج الانتخابات التشريعية في تونس تصدّر حركة "النهضة" الإسلامية، يليها حزب "قلب تونس" الليبرالي، صارت السيناريوهات المطروحة لتشكيل الحكومة المقبلة أقلّ وضوحًا.

ويرجّح بعض الخبراء أن تتحالف "النهضة" مع أحزاب ثورية أو متجاورة معها إيديولوجيًا، فتكون بذلك قائدة إئتلاف حكومي قادم محتمل، فيما يرى آخرون أنه من الصعب أن تشكل الحركة حكومة، وأنّها إن فعلت فستكون الأخيرة "هشة" عاجزة عن الصمود أمام التحديات الراهنة والمستقبلية.

ودعا بعض المحلّلين إلى حكومة "إنقاذ" من خارج الأحزاب، أما البعض الآخر، فرجح إمكانية اللجوء إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية.

النّتائج والدستور

ونشرت وكالة "سيغما كونساي" المحلية (خاصة)، نتائج استطلاعات الرأي عند الخروج من صناديق الاقتراع، أظهرت فيها تقدم النهضة بالاقتراع التشريعي، بحصولها على 40 مقعدا من أصل 217، يليها "قلب تونس" بـ33 مقعدا، وفق التلفزيون.

إلا أن هذا التقدم لا يسمح للحركة بتشكيل حكومة دون تحالف مع أحزاب أخرى حصلت على كتل هامة نسبيا.

وبحسب نتائج "سيغما كونساي"، حلّ ائتلاف الكرامة (ثوري) ثالثًا بنسبة 6.1 بالمئة (18 مقعدًا)، ثم حركة "تحيا تونس" (برئاسة رئيس الوزراء يوسف الشاهد) بنسبة 4.7 بالمئة (16 مقعدًا)، و"حركة الشعب" ( قومي ناصري) بنسبة 4.9 بالمئة (15 مقعدًا).

فيما حصل الحزب "الحر الدّستوري" (دستوري ليبرالي) على 6.8 بالمئة (14 مقعدًا)، و"التيار الدّيمقراطي" (وسط يسار) على 5.1 بالمئة (14 مقعدًا). وحصلت جمعية "عيش تونسي" على 2.6 بالمئة (5 مقاعد)، و"حزب البديل التونسي" على 2.1 بالمائة (3 مقاعد).

وينص الدستور في مادته 89 على أن الرئيس يكلف "مرشح الحزب أو الائتلاف الانتخابي الحاصل على أكبر عدد من المقاعد بمجلس نواب الشعب (البرلمان)، بتشكيل الحكومة خلال شهر يجدّد مرة واحدة".

كما تنص المادة ذاتها على أنه عند تجاوز الأجل المحدد دون تشكيل الحكومة، أو في حالة عدم الحصول على ثقة مجلس النواب، يقوم رئيس الجمهورية في أجل عشرة أيام، بإجراء مشاورات مع الأحزاب والائتلافات والكتل النيابية لتكليف الشخصية الأقدر من أجل تشكيل حكومة في أجل أقصاه شهر.

وفي حال "مرت أربعة أشهر على التكليف الأول، ولم يمنح أعضاء مجلس نواب الشعب الثقة للحكومة، لرئيس الجمهورية الحق في حل مجلس نواب الشعب والدعوة إلى انتخابات تشريعية جديدة في أجل أدناه خمسة وأربعون يوما وأقصاه تسعون يوما".

التحالفات مع "النهضة"

وفق تصريحات لقادة "النهضة"، فإن الحركة ستتوجه إلى الأحزاب التي تساند الثورة لتشكيل الحكومة، فقال رئيس الحركة راشد الغنوشي: "لن نتحالف مع حزب نبيل القروي (حزب "قلب تونس")، لأن هذا التحالف ضد خيارنا في اختيار قيس سعيّد" (المرشح الرئاسي المؤهل للجولة الثانية.

وأضاف الغنوشي في مقابلة مع تلفزيون "الزيتونة" الخاص، الأسبوع الماضي أنّه "لا يمكن أن نختار سعيد من جهة ومن ثم نتحالف مع مشروع مضاد له".

وفي مؤتمر صحفي الأحد، فور الإعلان عن تقدم النهضة، شدّد الغنوشي على أن الأوضاع الاقتصادية بالبلاد "صعبة"، معتبرًا أن "التحدي الذي يواجهنا اقتصادي واجتماعي".

وأوضح أن هذا التحدي "لا يمكن أن يواجهه حزب واحد، لذلك سنستمر في سياسة الشراكة على أساس برنامج مشترك لمقاومة الفساد والفقر والاعتماد على الذكاء التونسي"، في إشارة إلى اعتزام الحركة تشكيل حكومة مع حلفاء آخرين.

من جهته، عبر "ائتلاف الكرامة" الذي حل ثالثا في الانتخابات التشريعية عن قبوله دخول حكومة مع "النهضة"، وقال القيادي في الائتلاف سيف الدين مخلوف، في تصريحات إعلامية، إن "الائتلاف لن يتسرّع بإعلان الانضمام للمعارضة".

وأكد مخلوف أن "هناك إمكانية لتشكيل الحكومة"، مشترطا "أن يكون الخط الثوري وتحسين حياة الناس هي القاعدة التي يجب اتباعها في تشكيلها".

أما حركة "الشعب" الناصرية، التي أعطتها نتائج استطلاعات الرأي 15 مقعدا، فعبّرت عن رفضها للتحالف مع "النهضة"، وقال أمينها العام زهير المغزاوي، في تصريحات إذاعية الإثنين: "نحن في وضعية معقدة نسبيا بين حزب فاز بالأغلبية (النهضة)، وهو يتحمل فشل الحكومات المتعاقبة، وحزب ثانٍ تحوم حوله شبهات وعدة نقاط استفهام" (قلب تونس)".

وأكد المغزاوي أن حزبه "سيكون في صف المعارضة"، داعيا إلى "اليقظة للخروج من المنعرج الخطير"، على حد قوله.

وقال القيادي في حزب "التيار الديمقراطي" الحاصل على 14 مقعدا، غازي الشواشي: "نرفض التحالف مع حركة النهضة لتشكيل الحكومة". مفسّرًا، سبب رفض حزبه التحالف، بأن "النهضة فشلت طيلة ثماني سنوات (من الحكم) ولا رغبة لديها لتغيير الأوضاع".

وعبّر الشواشي عن تخوفه من ناحية، من فشل التحالف إن حصل، ومن تغوّل النهضة من ناحية أخرى"، وبالنسبة له، فـ"حتى إن تجاوزت ‘النهضة‘ الصعوبات وشكّلت حكومة، فستكون حكومة هشة تواجهها معارضة قوية"، معتبرا أن "الأفضل في ضوء النتائج الحالية هو تشكيل حكومة إنقاذ وطني دون مشاركة الأحزاب لمدة سنتين".

وبرّر طرحه بصعوبة الأوضاع الاقتصادية، و"ضرورة إيقاف النزيف الذي تشهده الأوضاع على جميع المستويات".

إلا أن أمين عام الحزب محمد عبو، صرح في مقابلة تلفزيونية الإثنين، أن حزبه "مستعد لمشاركة النهضة الحكم، لكن بشرط تمكين التيار من حقيبتي الداخلية والعدل ووزارة للإصلاح الإداري"، لكن عبو توقّع رفض "النهضة" هذا الشرط بالقول: "نعلم مسبقا أنها لن تقبل".

وحدة وطنية أم حكومة بقيادة النهضة؟

ويتوقّع المحلل السياسي صلاح الدين الجورشي، وجود صعوبات كبرى أمام حركة النهضة لتشكيل الحكومة، معتبرًا أنّ "هناك تحديات كبيرة تقف أمام حركة النهضة قد تجعلها غير قادرة على تشكيل الحكومة".

وأضاف الجورشي أنّه "إذا استبعدنا حزبي ‘قلب تونس‘ و‘الدستوري الحر‘، فإن معظم المجموعات البرلمانية الأخرى قد تتحفظ وهناك من أعلن عن عدم تحالفه مع النهضة".

واستدرك: "يجب أن ننتظر المستقلين الذين سيكون عددهم كبير لنعرف اتجاهاتهم"، مشددا على ضرورة أن تكون الحكومة القادمة قادرة على مواجهة التحديات.

ويكشف الجورشي أن "هناك حديثًا في بعض الأوساط السياسية (لم يسمها) عن إمكانية تشكيل حكومة وحدة وطنية تجمع عديد الأطراف بينها تكنوقراط"، داعيا في الآن نفسه إلى التريّث في الحديث عن هذا الطرح لـ"النظر في ما سيحدث بالأسابيع المقبلة".

إلا أن الباحث في الفلسفة السياسية بمركز الدراسات الاقتصادية والاجتماعية (حكومي) رياض الشعيبي، يرى أن "النهضة" بإمكانها تشكيل حكومة ولو بأغلبية لا تزيد عن 109 صوت (الأغلبية المطلقة 50+1).

وكشف الشعيبي أن "الاتصالات الأولية لتشكيل الحكومة انطلقت بُعيْد بداية ظهور النتائج الأولية، وتؤشر أن حركة النهضة سيكون باستطاعتها تشكيل الحكومة وتعيين من تشاء لرئاستها".

وذهب الشعيبي إلى أن "الأحزاب التي أعلنت استباقا اصطفافها في المعارضة قد تخسر رهان منع الحركة من تشكيل حكومتها، كما قد تخسر رهان الذهاب إلى حكومة إنقاذ وطني تتشكل من شخصيات مستقلة مثلما يطرح التيار الديمقراطي".

واعتبر الباحث في الفلسفة السياسية أنّ هذا "التوجه قد يكون بداية الخطأ السياسي لبعض الأحزاب السياسية"، إلّا أن "حركة النهضة من جهتها مطالبة ببذل أقصى الجهد لتوسيع شرعيتها البرلمانية حتّى توفّر شروط نجاح حكومتها في المرحلة القادمة".