الاقتصاد أولا.. شعار السياسة الخارجية الروسية الجديدة

الاقتصاد أولا.. شعار السياسة الخارجية الروسية الجديدة


اكتشفت روسيا ايديولوجية جديدة في سياستها الخارجية هي المال. انتهت الخطب النارية المناوئة للغرب على منوال الحرب الباردة. وظهر وجه ودي جديد للمستثمرين وقطاع الاعمال يقدم المنهج العملي البراجماتي والمكاسب على حساب الايديولوجية والحرب الشفهية.

وأثارت مسودة للسياسة الجديدة تسربت من وزارة الخارجية الروسية هذا الشهر جدلا بين الدبلوماسيين. لكن خبراء يقولون ان موسكو تطبقها بالفعل منذ فترة تحت قيادة الرئيس ديمتري ميدفيديف.

وقال ايجور يورجنز رئيس مؤسسة (اي.ان.اس.أو.ار) وهي مؤسسة بحثية يرعاها الكرملين "اذا نظرت الى المعاهدة الخاصة بالاسلحة النووية الاستراتيجية الموقعة مع الولايات المتحدة وتحسن العلاقات مع بولندا والاتفاق مع النرويج بشأن حدود المياه الاقليمية في القطب الشمالي نرى تحسنا على جبهة واسعة تجاه الغرب."

وأضاف "اذا لم تكن هذه سياسة خارجية جديدة فماذا تكون؟"

لكن وراء هذا التغير المحوري حقيقة بحتة.. تحتاج روسيا المزيد من الاموال بالعملة الصعبة وتعرف ان عليها ان تحسن التصرف حتى تحصل عليها.

وتأثرت روسيا بالازمة المالية العالمية التي حدثت عام 2008 اكثر مما توقع الكرملين وهبط الناتج المحلي الاجمالي 7.9 في المئة العام الماضي.

ولم تستطع الشركات الروسية التي افرطت في الاستدانة وكانت مدينة باكثر من 450 مليار دولار الحصول على رؤوس أموال غربية. وانكشفت بكل قسوة نقاط ضعف اقتصاد روسيا الذي يغذيه النفط غير القادر على المنافسة.

وردت الحكومة على هذا بحملة للتحديث.

وقال ديمتري ترينن مدير مكتب مركز كارنيجي بموسكو "الازمة المالية أزالت الغطرسة التي ميزت نهاية رئاسة بوتين" مشيرا الى الرئيس الروسي السابق فلاديمر بوتين.

وأضاف "اذا قبلت انك ما لم تحدث فانك ستهمش واذا قبلت انك لا تستطيع التحديث بمفردك... فان سياستك الخارجية ستكون واضحة تماما. يجب أن تتواصل مع الدول المتقدمة التي يمكن أن تصبح موردا لتحديثك."

ومن المؤكد أن الكرملين أمامه الكثير ليصلحه.

في عام 2007 تصدر بوتين الرئيس الروسي انذاك عناوين الصحف بكلمة انتقد فيها الولايات المتحدة لمحاولتها الهيمنة على العالم "بقوة عسكرية شبه خارجة عن السيطرة."

وفي العام التالي ردت روسيا على هجوم شنته جورجيا على منطقة متمردة موالية لموسكو بغزو حليفة الولايات المتحدة مما ساعد في انهيار سوق الاسهم الروسية.

وفي الداخل لم تساعد مشاريع التنمية ايضا. وعلى الرغم من وعود ميدفيديف باجراء اصلاحات ما زال المستثمرون الاجانب يشتكون من تفشي الفساد والمحاكم غير الجديرة بالثقة والبيروقراطية الخانقة والحماية الهزيلة لحقوق الملكية.

وعبر ميدفيديف بنفسه عن أسفه خلال اجتماع للكرملين عن الاستثمار في فبراير شباط لان الاستثمارات الخارجية المباشرة في روسيا انخفضت بنسبة 41 في المئة العام الماضي واحتلت البلاد المركز 120 ضمن قائمة من 183 دولة صنفت على أساس سهولة ممارسة الاعمال بها.

وفي مقابلة مع صحفي دنمركي في ابريل نيسان تحدث الرئيس عن مشكلة صورة روسيا. ولدى سؤاله عن الوجه الذي يجب أن تقدمه موسكو للعالم الخارجي أجاب "ذلك الذي لدي الان وجه مبتسم... يجب الا نكشر عن أنيابنا لاي أحد او نغضب او نستاء او نشعر بالغضب او نوضع في مأزق... أود أن أرى روسيا مبتسمة ولها وجه شاب عصري."

وتحدد وثيقة الخارجية التي سربت ونشرتها الطبعة الروسية من مجلة نيوزويك لكن وزارة الخارجية والكرملين لم يؤكداها 61 دولة لها الاولوية في العلاقات مع روسيا.

وتشمل هذه جمهوريات البلطيق المجاورة حيث تقول ان هناك أصولا رخيصة معروضة للبيع والشركاء التجاريين الرئيسيين من الاتحاد الاوروبي مثل المانيا وايطاليا وفرنسا وايضا عملاء الاسلحة الروسية الكبار مثل الهند والصين وفنزويلا.

اما ما اذا كان المستثمرون العالميون المشغولون بأزمة منطقة اليورو سيلاحظون جهود موسكو فتلك مسألة أخرى.

وقال رولاند ناش رئيس قسم الابحاث ببنك رينيسانس كابيتال الاستثماري في موسكو "حملة سحر روسيا تاهت للاسف وسط ارتباك السوق على مستوى العالم."

وأضاف "في الوقت الحالي هم يهمسون وسط اعصار" كمن يصرخ في البيداء.

ويقول دبلوماسيون ان الفصيل المتشدد في النخبة الروسية الذي لا يزال قويا لا يؤيد على الاطلاق السياسة الخارجية الاكثر ودا ويريدون من البلاد أن تحاول تقليص رهاناتها.

وقال مبعوث "انهم يعتقدون أن الازمة أثبتت أن روسيا أخطأت حين اعتمدت على أموال غربية...وهم لا يعتقدون أن (الرئيس الامريكي باراك) أوباما سيظل على المدى الطويل انهم يريدون أن تكون موسكو مستعدة لعودة صقور البنتاجون (وزارة الدفاع الامريكية) في واشنطن في غضون بضعة أعوام."

وقال كريس ويفر كبير واضعي الاستراتيجيات في بنك اورالسيب الروسي ان محاولة بوتين الفاشلة العام الماضي للتوصل الى اتفاق لتستثمر روسيا في شركة أوبل الالمانية لصناعة السيارات مثال جيد على كيف تريد موسكو استغلال سياستها الخارجية التي تشجع المستثمرين لمساعدة التحديث الاقتصادي في الداخل.

وأضاف في تصريحات أرسلها بالبريد الالكتروني "روسيا بحاجة الى اقناع شركات مثل أوبل بالاستثمار في روسيا والعمل مع نظيراتها الروسية لمساعدة الصناعة المحلية حتى تصبح اكثر كفاءة ويتم تحديثها بسرعة."

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018