الفائدة التي ترجوها ألمانيا من استيعاب اللاجئين

الفائدة التي ترجوها ألمانيا من استيعاب اللاجئين

تتذرع بلدان أوروبية كثيرة بأن طالبي اللجوء يمكن أن يضروا اقتصادها إن هي قبلت أعدادا كبيرة منهم؛ لكن ألمانيا تعول على الأعداد القياسية المتدفقة عبر حدودها في إنقاذ اقتصادها.

تشير التقديرات إلى أن عدد سكان ألمانيا ممن هم في سن العمل، سينقص ستة ملايين نسمة بحلول عام 2030، إذ أن عدد الوفيات يفوق عدد المواليد مما يجعل من الصعب عليها الحفاظ على نموها الاقتصادي.

وقال وزير الاقتصاد الألماني، زيجمار جابرييل، أمام البرلمان، اليوم الخميس "إذا نجحنا في تدريب الوافدين إلينا بسرعة لدفعهم لسوق العمل، فسنحل واحدة من أكبر مشاكلنا المتعلقة بمستقبلنا الاقتصادي، ألا وهي نقص العمالة الماهرة".

وسيكون تشغيل الوافدين الجدد في حِرَف تعاني نقص العمالة دون إثارة غضب الشعب نقطة تحد للحكومة، إلا أن كثيرا من قطاعات الأعمال انتبهت بالفعل للإمكانات التي يحملها ما يقدر بنحو 800 ألف شخص يتوقع وصولهم للبلاد هذا العام.

ظل دانييل كوك، الذي يدير عملا صغيرا لتركيب الأرضيات بمدينة دورتموند بغرب ألمانيا، يبحث لأكثر من عام عن حِرَفي مناسب، عندما سألته رابطة نقابات محلية عما إن كان بمقدوره تشغيل واحد من طالبي اللجوء.

أرسلت له الرابطة الإريتري تسفاجبرييل أبرهة، البالغ من العمر 31 عامًا. لم تكن لدى أبرهة أدنى فكرة عن الأرضيات الباركيه، قبل أن يبدأ العمل في تركيبها، وبعد اجتيازه اختبارا على مدى أسبوعين في أواخر يوليو/تموز يعمل الآن كمهني تحت التدريب لفترة تمتد حتى عام 2018.

قال كوك، الذي اختبر عددا لا يستطيع حصره من العمالة "لم أشغل أبرهة لأن لديه امتيازات مثالية مبهرة، بل لأنه يملك ما يؤهله للمهنة ولأنه متحمس ومقبل على العمل".

وقال مارسيل فراتشير، رئيس معهد دي آي دبليو الاقتصادي، إن المهاجرين شغلوا أكثر من ثلثي ما يقرب من 1.5 مليون فرصة عمل جديدة في أكبر اقتصاد بأوروبا وذلك خلال السنوات الخمس الماضية.

وأضاف "نحتاج لعمالة كي تحتفظ ألمانيا بقوتها الاقتصادي".

نعمة أم نقمة؟

تقع دورتموند في ولاية نورد راين فستفاليا، أكثر ولايات ألمانيا تعدادا، والتي تستقبل حوالي خُمس الوافدين الجدد وتستضيف نحو 4000 لاجئ تتوقع أن يتضاعف عددهم بحلول نهاية العام.

تعاني هذه المدينة الصناعية من تقلص نشاط استخراج الفحم، ويبلغ معدل البطالة بها 12.7% وهو ما يزيد مرتين عن المعدل على مستوى ألمانيا ككل.

وساق عدد من زعماء أوروبا البطالة سببا لرفض استقبال ولو بضعة آلاف من مئات الآلاف من المتدفقين على أوروبا هربا من الحرب والفقر بالشرق الأوسط وأفريقيا.

لكن في دورتموند ترى غرفة التجارة الأمر من منظور مختلف، مشيرة إلى أن ما يقرب من ربع قطاعات الأعمال بالمدينة لديها فرص عمل شاغرة.

وقالت متحدثة باسم الغرفة "فرص العمل موجودة لكن لا يتوافر بالضرورة متقدمون مناسبون لديهم المؤهلات الملائمة" مشيرة إلى أن العمل كمتدربين لا يستهوي كثيرا من الألمان، الذين يحبذون الاتجاه للجامعة بعد إتمام التعليم الثانوي.

ولسد الفجوة، دعت غرفة التجارة في دورتموند هذا العام حوالي 85 لاجئا لخوض اختبارات في اللغة والرياضيات واختارت 15 من سوريا والكونجو وإريتريا للتدرب في قطاعات البصريات والكهرباء والميكانيكا والحدادة وتركيب الأرضيات.

وقالت المتحدثة باسم الغرفة، إن بعض الشركات تعرض فرص تدريب إضافية للاجئين الذين تلمس فيهم حماسة استثنائية.

والتدريب ليس مرتبطا بالحد الأدنى للأجور البالغ 8.50 يورو في الساعة. وتقول النقابات العمالية إنه يجب توخي الحذر لمنع استغلال المهاجرين كعمالة رخيصة.

لكن في حين أن كثيرين تلقوا تعليما عاليا وبخاصة القادمين من سوريا، يقول وزير الداخلية توماس دو مازيير، إن حوالي 20% أميون، مما قد يزيد العبء على الدولة. وقالت وزيرة العمل، أندريا ناليس، إن عدد متلقي الإعانات قد يزيد بنحو 460 ألف فرد.

ونقص العمالة الماهرة يختلف من منطقة لأخرى، مما يصعب عملية تشغيل الوافدين المؤهلين. وتشير قوائم هيئة التوظيف الاتحادية إلى أن السوق تفتقر للحرفيين المتخصصين في أعمال الميكانيكا والسمكرة وأجهزة التدفئة والسباكة وكذلك في قطاعات الاتصالات والصحة وبخاصة الممرضين.

لكن ما من ضمان لبقاء الحرفيين الذين أتموا تدريبهم وهو ما قد يثني أصحاب العمل عن الاستعانة باللاجئين.

قال أولف رينيه، نائب مدير قسم الأبحاث في معهد مستقبل العمل في بون، إن الاعتقاد بأن اللاجئين يمكنهم حل مشكلة نقص العمالة الماهرة في المستقبل القريب ضرب من الخيال، لأن الصدفة وحدها هي العنصر الغالب في معظم الأحوال.

وأضاف "بإمكانهم بالفعل المساعدة في تخفيف المشاكل السكانية في ألمانيا على المدى المتوسط والطويل وبخاصة إذا نجحنا كمجتمع في دمجهم في سوق العمل.

"لكن هذا بالطبع تحد يواجهنا والنجاح فيه غير مضمون."