هل انتهى كابوس اليونانيين فعلا؟

هل انتهى كابوس اليونانيين فعلا؟
احتفالات في أثينا بعد نتائج الاستفتاء الرافض للدعم الأوروبي (أ ب)

أعلن رئيس الوزراء اليوناني، أليكسيس تسيبراس، الثلاثاء الماضي، "يوم الخلاص" لليونانيين، بمناسبة انتهاء برنامج الإنقاذ المالي، الذي أنهك اليونانيين لـ8 سنوات مضت.

وخلال هذه السنوات، سدّدت اليونان دينًا بقيمة 65 مليار يورو، أثّر بشكل مباشر على حياة اليونانيين، بسبب تدابير التقشف التي اتخذتها الحكومة اليونانيّة بدءًا من عام 2015، وطالت مختلف نواحي الحياة، أبرزها الاقتطاع الحكومي من الرواتب ومعاشات التقاعد ورفع مستوى البطالة، التي رغم تراجعها، لا زالت مرتفعة عند في المئة.

لكن، في الحقيقة سيظل الاقتصاد اليونانيّ مكبلا بتدخلات الدائنين، وخاضعًا لتقلّبات الأسواق الماليّة لعقود قادمة، وفقًا لصحيفة "تلغراف" البريطانيّة، إذ إنّ القواعد المالية التي حدّدها الاتحاد الأوروبيّ في إطار الاتفاق الذي وقّع عليه تسيبراس، ستحدّ من الإنفاق على مدى الأعوام الـ42 المقبلة، في حين أن استعادة ثقة السوق أمر حيوي للحصول على معدّلات اقتراض منخفضة في المستقبل.

صحيح أنّ اليونان خرجت من برنامج الإنقاذ، الذي أنهكها، لكن سكانها ما زالوا يعانون من الكساد العميق، بالإضافة إلى نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي 180 في المئة، وسط توقّعات من صندوق النقد الدولي أنه لن يعود إلى المستويات الطبيعية في العقود القادمة.

والشعب اليوناني، الذي تعب من تدابير التقشف الصارمة، قد يجد نفسه، مستقبلًا، في صراع مع الدائنين الأوروبيّين وأسواقهم الماليّة، وفقا لـ"التلغراف"، التي أضافت أن على السياسييّن اليونانيين مقاومة الدعوات الشعبيّة لرفع الإجراءات الحكوميّة التقشفيّة، لا سيما في معاشات التقاعد، ففي حين أن "الدافع هو بذل المزيد لدعم السكان الذين مرّوا بعشر سنوات قاسية للغاية"، فإن السوق "يريد منهم أن يفعلوا عكس ذلك، تمامَا"، وبالنظر إلى شيخوخة سكان اليونان وما يعنيه التخفيض الكبير للمعاشات التقاعدية، فسيواجه السياسيّون اليونانيّون ضغوطاتٍ كبيرة.

من مظاهرة في أثينا منددة بميركل (أ ب)
من مظاهرة في أثينا منددة بميركل (أ ب)

وزير المالية اليوناني السابق: سنظلّ نعاني لعشرات السنين

كل هذه التقييدات بالبرنامج الأوروبي، وصفها وزير المالية اليونانيّ السابق، يانيس فاروفاكيس، في مقال لصحيفة "الغارديان" البريطانيّة بأنها "سجنٌ تعاني اليونان من تقييداته".

وكتب الوزير السابق في مقاله أن قراءة أكثر دقة للحقائق تشير إلى واقع مختلف (عن احتفالات اليونانيين)، متسائلًا أنّه في نفس الأسبوع الذي دخلت فيه اليونان المُدمرة 42 سنة أخرى من التقشف القاسي وعبودية الديون العميقة (2018-2060)، كيف أمكنهم عرض نهاية التقشف واستقلال اليونان المالي المستعاد كحقيقة؟ بدلاً من ذلك، ينبغي تذكّر ما حدث الأسبوع الماضي في كليات الإعلام والإدارات الاقتصادية في جامعاتنا، على أنّه مثال على كيفية التوافق عالميًا على كذبة غير معقولة.

وتساءل الوزير السابق: ما هي خطة الإنقاذ؟ ولماذا تعتبر نسخة اليونان استثنائية ولا تنتهي؟ رغم أنه بعد كارثة البنوك في عام 2008، قامت كل الحكومات تقريبًا لحملات لإنقاذ بنوكها. ففي المملكة المتحدة والولايات المتحدة الأميركيّة، أعطت الحكومتان الضوء الأخضر لبنك إنكلترا والاحتياطي الفيدرالي لطباعة جبالٍ من المال العام لإعادة إنعاش البنوك. بالإضافة إلى ذلك، اقترضت حكومات المملكة المتحدة والولايات المتحدة مبالغ كبيرة من أجل زيادة مساعدة البنوك الفاشلة بينما مولت بنوكها المركزية الكثير من تلك الديون.

رئيس الوزراء اليوناني (أ ب)
رئيس الوزراء اليوناني (أ ب)

"بينما في أوروبا"، أكمل الوزير السّابق "وللحفاظ على كذبة البنك المركزي، أعطيت أثينا المعسرة، بعد عام 2011، تحت ستار ’التضامن مع اليونانيين’، أكبر قرض في تاريخ البشرية، لصالح البنوك الألمانية والفرنسية. ولتهدئة البرلمانيين الألمان الغاضبين، تم منح قرض ضخم بشرط التقشف الوحشي المفروض على اليوناني، ووضعهم في كساد كبير دائم".

ولكي يشعر القارئ بالدمار الذي شعر به اليونانيّون، عليهم تخيّل "ما كان سيحدث في المملكة المتحدة إذا تم إنقاذ بنك إسكتلندا الملكي ولويدز وبنوك المدينة الأخرى دون مساعدة من بنك إنجلترا وعبر القروض الخارجية إلى الخزانة فقط. وكل هذه المنح بشرط أن يتم تخفيض الأجور في المملكة المتحدة بنسبة 40 في المئة، والمعاشات بنسبة 45 في المئة، والحد الأدنى للأجور بنسبة 30 في المئة" كتب فاروفاكيس، ثم تساءل: ماذا ستكون النتيجة؟ "ستكون المملكة المتحدة الآن أرضًا قاحلةً لأوروبا، تمامًا مثلما هي اليونان اليوم".

لكن هل انتهى هذا الكابوس الأسبوع الماضي؟

يجيب فاروفاكيس: من الناحية الفنية، قامت عمليّات الإنقاذ اليونانية على عنصرين اثنين؛ الأوّل: الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي وقرارهما منح الحكومة اليونانية بعض التسهيلات المالية للتظاهر بأنها تسدّد ديونها. والثاني: التقشف القاسي الذي يتخذ شكل معدلات ضرائب عالية للغاية وتخفيضات قاسية في المعاشات التقاعدية والأجور والصحة العامة والتعليم.

وأشار إلى أن ما انتهت اليونان منه هو تسديد الدين للأوروبييّن، لكن حزمة التقشف ستطول، وربمّا طويلا.

ملف خاص | الانتخابات المحلية 2018