كولومبيا: ظاهرة اغتيال النشطاء لا تكترث لانتهاء الحرب الأهلية

كولومبيا: ظاهرة اغتيال النشطاء لا تكترث لانتهاء الحرب الأهلية
من جنازة أحد النشطاء الذي قتله "مجهولون" (نيويورك تايمز)

اتخذت جرائم القتل في كولومبيا منحى آخر خلال العامين المنصرمين، فبعد إعلان إنهاء الحرب الأهلية في العام 2016، انخفض معدل القتل بشكل غير مسبوق، ليرتفع مجددا خلال الأشهر القليلة الماضية، بطريقة قد تُهدد الحياة في كولمبيا بالكامل.

وأصدرت صحيفة "ّنيويورك تايمز" الأميركية، تقريرا رصدت من خلاله عودة جرائم القتل إلى المشهد السياسي الكولومبي بعد انتهاء النزاع المسلح الذي امتد لأكثر من 5 عقود بين الحكومة الرسمية، وحركة "القوى الثورية الكولومبية المسلحة" (فارك)، باتفاقية سلام أدت إلى انخفاض معدلات الجريمة لعام كامل، وبشكل ملحوظ، حيث قُتل أكثر من 200 ألف كولمبي خلال الحرب الأهلية.

ورغم انخفاض معدلات القتل في كولمبيا بشكل عام، إلا أن الضحايا الذين ما زالوا بتعرضون للاغتيال في جميع أنحاء البلاد، حتى بعد انتهاء الحرب الأهلية، هم النشطاء ومنظمو النقابات العمالية وأعضاء مجالس محلية وقيادات لمجموعات أصلانية ونشطاء بيئيين.

من جنازة الناشط هولمز نيسكيو الذي قُتل على يد مجهولين بعد أن لامته
عصابة تجار مخدرات على مداهمة أجرتها الشرطة (نيويورك تايمز)

وقالت الصحيفة، إنه يبدو أن فترات السلم في كولومبيا، زادت جرائم القتل.

وأشارت الصحيفة إلى إحدى جرائم القتل في سلسلة الاستهداف هذه، والتي كانت من نصيب الناشط الزراعي السبيعيني، لباردو مورينيو، الذي قُتل عند بوابة منزله في أواخر تموز/ يوليو الماضي، بعد نجاته من عدّة محاولات اغتيال، وهو من بين 190 ناشطا قُتلوا خلال العام الحالي فقط.

ولم تحل السلطات الكولومبية سوى بعض حالات القتل هذه، لكن نمط الجرائم أصبح واضحا بحسب ما أفادت به "نيويورك تايمز"، حيث أن جميع هؤلاء قُتلوا في مناطق كانت تخضع لسيطرة "فارك" قبل انسحاب مقاتليها وتسريحهم ليعودوا لممارسة حياتهم كمواطنين عاديين بموجب اتفاقية السلام.

وانتهز منظمو المجتمعات المحلية والنشطاء فرصة انسحاب الفصيل المسلح من المناطق التي عانت من إهمال حكومي جرّاء الحرب، للبدء بمرحلة إطلاق مشاريع للبنى التحتية التي لم تكن موجودة طوال سنوات الحرب، كالطرق وقنوات المياه وخدمات الصرف الصحي في الريف.

ناشطة اجتماعية هُددت بالقتل بعد أن قُتلت صديقتها العزيزة مؤخرا 
(نيويورك تايمز) 

مع ذلك، فإن الحكومة لم تسيطر على معظم تلك المناطق بعد، وحل مكان فراغ مؤسساتها، تجار مخدرات وجماعات شبه عسكرية وفصائل مسلحة صغيرة رفضت اتفاقية السلام، وهؤلاء فرضوا سيطرتهم على تلك المناطق، ولذى، فقد تعاملوا من النشطاء كتهديد لمصالحهم، والتي تصب معظمها في النشاط "غير القانوني".

وأشارت الصحيفة إلى أنه خلال يومين فقط من الصيف الأخير، قُتل 10 نشطاء في ثمانية محافظات مُختلفة في كولمبيا.

وقال المحلل في المؤسسة الحقوقية "مكتب واشنطن المختص بأميركا اللاتينية"، آدام إيزاكسون، للصحيفة، إن ظاهرة اغتيال القادة الاجتماعيين المحليين، يُمكن أن تُمثل بداية انهيار اجتماعي ضخم في كولومبيا.

مدينة كيبدو التي شهدت مقتل بعض النشطاء (نيويورك تايمز)

وشدد إيزاكسون على أن الفترة التي تلت توقيع اتفاقية السلام في كولومبيا، كانت أول مرة يُمارس فيها الناس العمل السياسي بحرية، والتي اعتبرها المحلل فرصة أضاعتها السلطة المركزية عندما لم تدخل من "نافذة الضوء" التي فُتحت، بخلاف الجماعات المسلحة التي دخلت.

وكان رئيس كولومبيا الجديد، إيفان دوكو، الذي تسلم منصبه في آب/ أغسطس الماضي، وعد بأنه سوف يُعدل اتفاقية السلام التي وصفها بأنها مليئة بالأخطاء، وقالت حكومته إنها تبحث عن سُبل لحماية النشطاء. لكن المفتش العام للبلاد، صرح عكس ذلك في تموز/ يوليو الماضي، حيث أن مكتبه المعني بإجراء تحقيقات مستقلة عن المسؤولين، أكد أن أفرادا من الشرطة والجيش خططوا بعض جرائم القتل تلك، بمساعدة العصابات الإجرامية.

وعمل الناشط الزراعي مورينيو (76 عاما)، قبل مقتله، على إعادة إنعاش الحقول لتحسين الزراعة في منطقته التي عانت طوال فترة الحرب، من أجل مساعدة أبناء محافظته على العمل في أراضيهم.

من جنازة مورينيو (تويتر) 

ولفتت "نيويورك تايمز" إلى أن مورينيو لم يُشكل خطرا على أحد، حيث أن أكبر مشاريعه تلخصت في التخطيط لبناء قناة للمياه وحضانات للأطفال.

وانضم مورينو إلى مجلس القرية فور انتهاء الحرب، وبدأ العمل على برنامج للمزارعين لجمع الموارد اللازمة لزراعة الموز وبيعه. ودفع المسئولين المحليين للبدء ببناء قناة مياه تمر في الأراضي الزراعية الريفية، وهو الأمر الذي زعمت السلطات أنه مستحيل مع وجود المتمردين.

وتخلت قوات "فارك" التي كانت تُسيكر على المنطقة، عن سلاحها، في حزيران/ يونيو الماضي، الأمر الذي دفع الناس إلى البدأ بالتفكير في مشاريع جديدة، ظنا منهم أن الصراع قد انتهى، لكن السلطات لم تُرسل أي أحد لحماية قرية لاس بيلاس، التي عاش فيها مورينيو.

من الاجتماعات الشعبية التي عقدها مورنيو (تويتر)

وقالت "نيويورك تايمز" إن موقع القرية القريب من سفوح الجبال وشاطئ المحيط الهادئ، جعلها منطقة جذابة لتجار المخدرات خصوصا أنها تمتلئ بنبات الخشخاش المُستخدم في صناعة سم الكوكايين، وبالتالي فقد أخبرت عائلة مورينيو الصحيفة، إن الناشط الزراعي خشي من تعارض خططه التنموية مع تجارة المخدرات التي تُسيطر على المنطقة.

وقال قريب للعائلة للصحيفة، إن "شق طرق جديدة أو بناء قناة للمياه تُعتبر من الأمور الإيجابية، لكن البعض يراها بشكل عكسي، حيث أنها تتيح المجال أمام سهولة الحركة، وبالتالي فإن السلطات سوف تستطيع الوصول بسهولة إليها".

وأخبر نجل مورينيو الصحيفة، أن قبل أسبوعين من مقتله، وعندما كان ينشط بعقد الاجتماعات الشعبية من أجل تطوير القرية، وصلته أنباء تُفيد بأنه أصبح على قائمة المطلوبين لإحدى الجماعات المسلحة التي رفضت اتفاقية السلام وتسكن الجبال.

نجل مورنيو  (نيويورك تايمز)

وقرر مورينيو على إثر هذه الأنباء، الذهاب للجبال ومقابلة قائد تلك المجموعة، والذي أخبره بأنه غير موجود على أي لائحة اغتيال، لكن الناشط توجس من عدم معرفته لأفراد الجماعة الذين لم يرتدوا زيا رسميا.

وقبل مقتله بأيام، استُهدفت قناة المياه التي كان يعمل عليها بثلاثة قنابل، واحتار الناس بين اتهام الجماعة المُسلحة أو تجار المخدرات، أو المجتمع الأصلاني الذي "استوطن" المزارع.

وفي 23 تموز/ يوليو الماضي، عاد مورينيو إلى منزله بعد اجتماعه مع سياسيين حول التفجيرات، وكان ينتظره في منتصف الطريق شابان يركبان دراجتين ناريتين، لحقاه إلى منزله وطلبا مساعدته في تغيير إطار مثقوب فور وصوله إلى المنزل، ومن ثم أطلقا النار عليه ليدخل المنزل بعدها وهو يصيح بأعلى صوته "قتلوني...قتلوني".

وقال أحد أقاربه، أليكس مورينو، إن السلطات أخفقت في حماية حياة مورينو عندما تخلت عن قريته، وعلاوة على ذلك فقد خذلته في موته أيضا، عندما رفضت القدوم إلى لاس بياس لفحص الجثة أو حتى أخذها، خوفا من التعرض للأذى.

وأنهى قريب القتيل حديثه بلوم السلطات حيث قال إنه "من المستحيل معرفة من ارتكب هذه الجريمة، فكيف سنتمكن من ذلك دون وصول السلطات إلى موقع الجريمة؟