المكسيك: آلاف المواطنين يرفعون السلاح لمحاربة الجريمة!

المكسيك: آلاف المواطنين يرفعون السلاح لمحاربة الجريمة!
مسلحون مكسيكيون يحرسون قراهم (أ ب)

تعاني المكسيك منذ عقود طويلة من معدلات جريمة مرتفعة جدا، تتمركز في عدّة مناطق في ظل استشراء الفساد على المستوى الحكومي، وما يتبعه من انفلات أمني، لكن بعض السكان باتوا أكثر اقتناعا اليوم، أنهم بحاجة لحل هذه المشكلة بأيديهم، مهما تطلب الأمر.

وأعد موقع "ذي دييلي بيست" الإخباري الأميركي، تقريرا عن "الجبهة المتحدة لشرطة المجتمع في ولاية غيريرو" الجنوبية الغربية، يجمع عدّة مقابلات مع سكان محليين في الولاية قرروا أن يشكّلوا وحدة "عسكرية" خاصة بهم، لمحاربة عصابات الإجرام في المنطقة.

وذكر الموقع أنه أثناء إعداد التقرير الذي كشف عنه يوم الأحد، كان أفراد وحدة تابعة لـ"الجبهة" يستعدون للإغارة على بلدة إل - نارناغو، القريبة منهم، والخاضعة لسيطرة إحدى المنظمات الإجرامية الكبيرة في المكسيك، والمعروفة باسم "كرتل ديل سور".

مسلحون مكسيكيون يحرسون قراهم (أ ب)

ولفت الموقع إلى أنه برغم أن هذه القوة، مؤلفة من مدنيين، إلا أنهم يرتدون ملابس شبه عسكرية ويحملون بنادق الـ"إي كي 47" (الكلاشينكوف الروسي)، والتي لا يستخدمها الجيش المكسيكي، ويضعون شعار الثورة المكسيكية (التي انطلقت عام 1910)، وكتب الموقع أسفل تقريره؛ "الشرطة المجتمعية" وعبارة "الموت ولا للاستسلام أو المهانة".

وقال قائد وحدة في "الجبهة"، الذي يُلقب بـ"إل بورو"، والذي رفض كشف هويته الحقيقية، لـ"ذي دييلي بيست": "نحن نقاتل من أجل تحرير المجتمعات التي عزلها المجرمون. يحق للجميع الشعور بالأمان. والحرية الاقتصادية. لا ينبغي أن يعاني صغار المزارعين وأطفالهم تحت حكم قطاع الطرق. لقد طلب منا سكان هذه المدينة مساعدتهم، وهذا ما سنفعله".

وكان "إل - بورو" (أي الحمار بالمكسيكية)، الذي حصل على لقبه هذا لرباطة جأشه وشدّة تحمّله للصعاب، ينوي الإغارة على إل نارناغو في المساء.

وذكر الموقع أن "إل بورو" شارك في السابق بعشرات المعارك المشابهة، وأكد أنه قتل 20 شخصا من قتلة العصابات في حياته، وهو في الأصل مزارع يقول إنه انضم إلى الوحدة بعدما سئم من عدم الاستجابة (الحكومية) لاستجداءات المواطنين.

وأشار إل - بورو إلى أنه يفضل الموت على أن تقبض عليه العصابة المعروفة بأساليبها الوحشة، بما في ذلك تعذيب سجنائها حتى الموت.

عندما يضطر أفراد المجتمع القيام بعمل الشرطة

وتُعد "الجبهة المتحدة لشرطة المجتمع في ولاية غيريرو"، الأكبر من نوعها في المكسيك، وهي عبارة عن تحالف من مجموعات مدنية للدفاع عن النفس، ويفوق عدد مقاتليها الـ11700 مقاتل، موزعين على 39 بلدية في الولاية، أي ما يقارب نصف الولاية تقريبا، وهي شبيهة بحركات أخرى انتشرت في جميع أنحاء المكسيك على مدار العقد المنصرم.

(أ ب)

وأدى انتشار هذا النوع من المجموعات القتالية غير الحكومية إلى استقطاب في الرأي العام المكسيكي،  فهناك من ينظرون إلى أفرادها على أنهم مقاتلون "نبلاء" يسجلون نجاحات في حل أزمة الإجرام التي لم تقو جميع الحكومات المتعاقبة على حلها، بينما يوجه البعض انتقادات لهذا النوع من الحركات، وينظرون إلى أعضائها على أنهم جموع غير منضبطة في أفضل الأحيان، أو محض "سُذَّج" تستغلهم العصابات لتصفية حساباتها دون الحاجة لمواجهة بعضها البعض.

وأشارت دراسة جديدة أجرتها اللجنة الوطنية لحقوق الإنسان في المكسيك إلى أن هذا النوع من النشاط "المناوئ للجريمة" قد ارتفع بنسبة تزيد عن 300 بالمئة منذ بداية عام 2018، بسبب "انعدام الأمن والعنف والإفلات من العقاب".

ووصل العنف هذا العام في المكسيك إلى مستويات غير مسبوقة، حيث بلغ متوسط عدد القتلى في البلاد، 94 شخصا في اليوم الواحد خلال النصف الأول من العام الجاري.

وتأسست "الجبهة" على يد أحد مواطني الولاية، واسمه سلفادور ألانيس، ويبلغ من العمر 40 عاما، وهو اقتصادي ومهندس كان يعمل في السابق في الهندسة الكهربائية في الولايات المتحدة، وامتلك في السابق عدّة مزارع فاكهة، وماشية، ناجحة في ولايته، والتي فقدها إما بسبب اضطراره لبيعها لتغطية جهود "الجبهة" في مكافحة الجريمة، أو لسيطرة عصابات عليها.

وتمتاز ولاية غيريرو بكونها أكبر مصدر لإنتاج الأفيون والهيروين في المكسيك، وهي إحدى أخطر مناطق البلاد، وأكثرها فسادا، ولا تستطيع الحكومة المحلية فيها محاربة الجريمة.

خطوات حكومية بالية وغير مجدية

أرسل الرئيس المكسيكي اليساري الجديد، أندريس مانويل لوبيز أوبرادور، قوّة للحفاظ على الأمان في الولاية لكن ألانيس، مؤسس "الجبهة"، قال إن الحكومة لم ترسل سوى 3500 جندي للولاية، مؤكدا أن "الرئيس السابق أرسل خمسة آلاف جندي ولم يستطيعوا أن يفعلوا شيئا لمحاربة العصابات، لأن المجرمين دفعوا لهم. لكل شخص ثمن ما".

(أ ب)

وأوضح ألانيس أنه يرحب بعناصر الدولة، إلا أنه يرفض أن ينتهكوا حقوق السكان المحليين بذريعة محاربة العصابات كمان فعلوا بالسابق، مؤكدا "لن نكون عبيدا لهم".

ويقع مقر "الجبهة" في بلدة فيلو التي انتزعها المقاتلون من أيدي العصابات، وتحديدا في أحد الفنادق المهجورة.

وقال ألانيس من مكتبه في الفندق، لـ"ذي دييلي بيست" إنه قرر إنشاء الجبهة بعدما عاد من الولايات المتحدة عام 2010، ليجد أن الجريمة المنظمة اجتاحت مدينته أوكوتيتو.

وأشار إلى أن العصابات سيطرت على المدينة وعلى الحكومة المحلية فيها ما جعلها عصيّة على التحدي، وهو ما دفعه مع بعض مربي الماشية الآخرين إلى التسلح ومواجهة العصابات بأعداد قليلة حاملين ما توفر لهم من أسلحة وعتاد، لكن بحلول عام 2015، انضم إليها المئات ومن ثم الآلاف.

وقال ألانيس إن التفوق الإستراتيجي و"العسكري" للعصابات، على مجموعته، مكّن الأولى من توجيه ضربات قاسية جعلته يهرب إلى الجبال لكنه سرعان ما استطاع أن يبتكر إستراتيجيات مختلفة، منها نشر الجواسيس بين العصابات، من الناس الذين ضاقوا ذرعا بوحشيتها، ما مكّنه من الانتصار في معارك كثيرة تلت مرحلة "الهزيمة".

 

الفصائل العسكرية المدنية

أوضح "ذي دييلي بيست" أن هذه ليست المرّة الأولى التي يُقرر فيها بعض المواطنين أن يأخذوا دور الشرطة والأجهزة الأمنية (شبه المعدوم) في محاربة الجريمة في المكسيك، إلا أن ذلك أدى في حالات كثيرة، بسبب غياب الدعم، إلى تحالف البعض مع عصابات ضد عصابات منافسة لها، ما أدخلهم في دائرة العنف أيضا.

واعترف ألانيس إن إستراتيجيته تضمنت التحالف مع بعض الداعمين الأثرياء، مؤكدا أن ذلك كان مفرا من التحالف مع العصابات، وأن لا مشكلة لديه مع المشاريع الاقتصادية الخاصة بالأفيون.

وقال إنه لا يعارض زراعة الأفيون، لأن هو المحصول الوحيد الذي يمكّن عائلات كثيرة في المنطقة من العيش، لكنه يعارض، على حد تعبيره، الكيفية التي تسعى العصابات من خلالها؛ إلى طرد المنافسين، والحفاظ على انخفاض الأسعار، والسيطرة على المزارعين الخشخاش من خلال العنف والتخويف.

وأضاف: "يجب أن يكون الناس قادرين على زراعة الخشخاش إذا ما أرادوا ذلك. أو لا، كما يرون مناسبًا. الأمر متروك لهم، ولكن لا ينبغي إجبار أي شخص على بيع علكة الأفيون بسعر غير عادل لمشتر واحد. لا يجب أن يُهدد أحد أو أن يُجبر على القلق بشأن سلامة أسرته. كل ما نريده هو أن يعيش الناس في سلام".

(أ ب)

وقال إن المعارك مكلفة جدا، إذ إنه اضطر إلى دفع ثلاثة آلاف مقاتل للسيطرة على فيلو، ولذا فهو يحتاج مساعدة تجار الأفيون المستقلين الذين يساعدون بتمويل "الجبهة"، مؤكدا أن التجار بحاجة إلى المقاتلين أيضا، ومشيرا إلى أنه "إذا كان لا بدّ أن يأتي جزء من الأموال القادمة لتحرير الناس من الأفيون، فأنا على استعداد لقبول هذه المعادلة".

وبالفعل، حصل الموقع على عدّة تصريحات من السكان المحليين في المناطق الخاضعة لسيطرة "الجبهة" الذّين قالوا أن حياتهم تحسنت بشكل هائل بعد هزيمة العصابات.

الدافع الأخلاقي

عند سؤال ألانيس عما إذا كان يعتقد أن ما يفعله مع رفاقه هو أمر "أخلاقي"، قال: "كانت لدي أفكار مختلفة عن الأخلاق. لم أكن أقبل أموالا لقاء المخدرات عندما بدأت بمعارضة الجريمة"، مؤكدا أن هذا كان سبب خسارته في الجولات الأولى.

وأوضح أنه لا معنى للأخلاق عندما يرى "أشخاصا بلا عمل، ولا رعاية صحية، بالإضافة إلى الأطفال الذين يتضورون جوعا، ودون مستقبل". 

وأضاف: "أسوأ عدو لنا هو الدولة بسبب تحالفها مع الجريمة المنظمة، ففي غيريرو ليس هناك ديمقراطية، فالعصابات تزور الانتخابات وتسيطر على السياسيين".

واختتم ألانيس حدثيه بقوله: "لقد توصلنا إلى خطة للقضاء على 65 بالمئة من نباتات الخشخاش في أراضينا واستبدالها ببساتين قانونية، لكن السياسيين لم يستجيبوا حتى لرسائلنا. لماذا لا تسألهم عن الأخلاق؟".

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"


المكسيك: آلاف المواطنين يرفعون السلاح لمحاربة الجريمة!

المكسيك: آلاف المواطنين يرفعون السلاح لمحاربة الجريمة!