جثمان سليمان لم يوار الثرى والحشود الإيرانية تطالب بـ"رد مزلزل"

جثمان سليمان لم يوار الثرى والحشود الإيرانية تطالب بـ"رد مزلزل"
(أ ب)

كلما مرت الساعات على اغتيال قائد "فيلق القدس" التابع للحرس الثوري الإيراني، الجنرال قاسم سليماني بضربة أميركية قرب مطار بغداد، زادت الخشية من تصعيد إضافي في منطقة الشرق الأوسط، قد يؤدي إلى مواجهة عسكرية دامية قد تجد جميع دول المنطقة نفسها متورطة فيها.

وفيما لا يزال جثمان الجنرال الإيراني يجوب المدن والمحافظات الإيرانية، وفتح عشرات دور العزاء له في إيران والعراق وسورية ولبنان، قتل نحو 56 شخصا، الثلاثاء، خلال مراسم تشييع سليماني في كرمان، في جنوب شرق إيران، حيث تجمعت حشود غفيرة صدحت أصواتها بهتافات "الانتقام" و"الموت لأميركا".

وأورد الحصيلة الجديدة رئيس المركز الطبي الشرعي في كرمان، عباس إميان، ونقلها الإعلام الإيراني؛ كذلك، نقلت وكالة "إسنا"، عن رئيس فرق الإغاثة في المدينة، محمد صابري، أن 212 شخصا أصيبوا في التدافع "بعضهم في حال خطيرة".

ومساءً، باشر التلفزيون بثا مباشرا من مقبرة الشهداء في المدينة حيث سيوارى جثمان سليماني؛ لكن البث توقف ولمحت وسائل إعلام محلية إلى أن الدفن قد لا يتم قبل صباح الأربعاء، من دون أن تذكر أسباب هذا الإرجاء.

فيما أفادت وسائل إعلام إيرانية، الثلاثاء، بتأجيل دفن جثمان سليماني بعد سقوط أكثر 56 قتيلا وإصابة أكثر من 200 شخص، في حادث تدافع أثناء تشييعه في جنازة حاشدة بمسقط رأسه في مدينة كرمان.

وكان المشيعون قد احتشدوا في وسط كرمان، مسقط رأس قائد فيلق القدس الراحل، بمد بشري شبيه بالذي شهدته البلاد الأحد والإثنين في طهران ومدن أخرى، خلال التشييع الشعبي لجثامين سليماني وصحبه الذين قتلوا معه في ضربة أميركية، يوم الجمعة الماضي، في بغداد.

وقال قائد الحرس الثوري الإيراني، حسين سلامي، مخاطبًا الحشد في كرمان "لقد بدأ طرد الولايات المتحدة من المنطقة... إرادتنا حازمة. نقول أيضًا لأعدائنا إننا سننتقم، وإذا ضربوا (مجددًا) سوف ندمر مكانًا محببًا لقلوبهم". وتابع "هم يعرفون عن أي أمكنة أتحدث".

وفي خطوة رمزية، تزامنت مع مراسم دفن سليماني، أقر مجلس الشورى لإيراني، الثلاثاء، بشكل طارئ قانونًا يعتبر كافة القوات الأميركية، بما في ذلك وزارة الدفاع "إرهابية".

وكان البرلمان الإيراني قد أقر مؤخرًا قانونًا يعتبر القوات الأميركية المنتشرة في القرن الإفريقي إلى آسيا الوسطى، مرورًا بالشرق الأوسط، "إرهابية". لكن النص الجديد أدرج وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) وكافة القوات الأميركية والمسؤولين عن اغتيال سليماني، وكل كيان معنوي أو فرد مرتبط باغتيال سليماني في إطار هذا التصنيف.

ويعتبر سليماني، الذي رقي لرتبة فريق بعد اغتياله، بطلا في بلاده لجهوده في مكافحة تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) في العراق وسورية. ويرى الإيرانيون أن سليماني جنّب بلادهم الاضطرابات نفسها التي عانت منها دول الجوار مثل العراق وسورية على يد ذلك التنظيم.

وانتظر البعض طوال الليل في وسط كرمان ليتمكنوا من المشاركة في التشييع. وقال همت دهقان أحد المشاركين "لم يكن محبوبًا فقط في كرمان أو إيران بل في العالم أجمع".

وأكد الرجل أن سليماني "كان محبوبًا في العالم كله، في العراق وسورية وأفغانستان وخصوصًا في إيران، والجميع مدينون له بحمايتهم"، مشيرًا إلى أنه قدم من شيراز الواقعة على بعد أكثر من 500 كيلومتر من كرمان للمشاركة في الموكب.

وفيما يدعو القادة المدنيون والدينيون والسياسيون في إيران إلى ردّ مزلزل انتقامًا لمقتل سليماني، تتزايد الدعوات في العالم إلى "خفض التصعيد".

وقال وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، إن الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، أبلغه أن الولايات المتحدة رفضت منحه تأشيرة ليحضر، الخميس المقبل، اجتماعا لمجلس الأمن الدولي في نيويورك.

من جهتهم، اجتمع وزراء خارجية فرنسا وألمانيا وإيطاليا وبريطانيا، الثلاثاء، في بروكسل لمناقشة تداعيات اغتيال سليماني.

وفي اتصال هاتفي، الثلاثاء، أبلغ الرئيس الإيراني، حسن روحاني، نظيره الفرنسي، إيمانويل ماكرون، أن المصالح الأميركية في الشرق الأوسط باتت "في خطر". وأكد له ماكرون "تمسك فرنسا بسيادة وأمن العراق واللذين ينبغي تعزيزهما عبر وجود قوات التحالف الدولي على أراضيه".

من جانبه، أكد وزير الخارجية الأميركي، مايك بومبيو، الثلاثاء، أن الرئيس دونالد ترامب، استند إلى "القواعد القانونية المناسبة" لإصدار الأمر باغتيال سليماني.

يأتي ذلك في ظل الالتباس الذي أثارته الولايات المتحدة، الإثنين، بعدما نشرت خطًأ رسالة موجهة للسلطات العراقية تفيد بأن واشنطن بدأت الاستعدادات لسحب جنودها من العراق.

ونفى وزير الدفاع الأميركي، مايك إسبر، في مؤتمر صحافي، أن تكون لدى بلاده نية الانسحاب من العراق، قائلاً "لم يتخذ أي قرار للانسحاب".

لكن رئيس حكومة تصريف الأعمال العراقية، عادل عبد المهدي أكد تلقيه رسالة "موقعة" و"بالغة الوضوح" من القيادة الأميركية تشير إلى انسحاب عسكري.

من جهته، تلقى الرئيس العراقي، برهم صالح، اتصالا هاتفيا من غوتيريش، أكد خلاله "حرص المنظمة الأممية على دعم استقرار العراق وحفظ سيادته، مبديا قلقه الشديد إزاء التصعيد الذي يهدد الأمن والسلم الدوليين، ومشددًا على ضرورة ضبط النفس والاحتكام إلى لغة العقل والحكمة في معالجة الأزمات"، وفق بيان عراقي رسمي.

وشدد الرئيس العراقي على ضرورة أن يكون العراق "ساحة ومرتكزًا للتوافق والسلام الإقليمي والدولي، والنأي به عن الصراعات والنزاعات والتوتر".

في هذا الوقت، أعلن حلف شمال الأطلسي سحبا موقتا لقسم من طواقمه من العراق، الأمر الذي أعلنه أيضا الألمان والكنديون. لكن مصدرا حكوميا فرنسيا قال إن باريس لا تعتزم سحب أي من جنودها من هذا البلد.