كيف اشترى بلومبرغ طريقه إلى السباق الرئاسي؟

كيف اشترى بلومبرغ طريقه إلى السباق الرئاسي؟
(أ ب)

يزداد استياء بعض أوساط الناخبين الأميركيين الديمقراطيين، خصوصا الأكثر ميلا إلى الفكر اليساري، من خوض الملياردير الأميركي، مايك بلومبرغ، السباق للترشح عن الحزب الديمقراطي، خصوصا أنه أقرب إلى نموذج الملياردير الآخر الذي أصبح رئيس الولايات المتحدة قبل ثلاثة أعوام، دونالد ترامب.

وأعدت صحيفة "نيويورك تايمز" الأميركية، تقريرا مطولا، رصدت من خلاله كيف اشترى بلومبرغ طريقه إلى التأثير السياسي في البلاد.

بدأت الصحيفة باستعراض موقف "محرج" تعرضت له المسؤولات عن لجنة العمل السياسي المخصصة لدعم مرشحات ديمقراطيات داعمات للإجهاض (الممنوع في ولايات أميركية عديدة)، عندما أردن استضافة بلومبرغ عام 2018، في مأدبة غداء كبيرة لجمع أموال في نيويورك، مع اقتراب اختيار القاضي بريت كافانو لمنصب كبير قضاء المحكمة العليا.

في ذلك الوقت، كانت هناك معارضة كبيرة لترشيح كافانو، الذي عينّه ترامب لاحقا، ولا يزال يشغل منصبه حتى اليوم، بسبب مواقفه الرجعية من عدّة قضايا، منها الإجهاض، ولكن أيضا بسبب شبهات اعتداء جنسي حوله، لاقت ضجة كبيرة في الأوساط السياسية الأميركية.

(أ ب)

وكان بلومبرغ، عمدة مدينة نيويورك السابق، قد تبرع بنحو ستة ملايين دولار للمجموعة النسائية الديمقراطية على مر السنين، قبل أن يتخذ موقفا في غاية السلبية من حركة "مي تو" العالمية المناهضة للاعتداءات الجنسية، قبل بضعة أيام فقط من المأدبة التي كانت تقيمها المجموعة النسائية، لكن الأخيرة، والتي ناقش أعضاؤها احتمال سحب دعوته بسبب تصريحاته المشينة، وفقا لمصادر الصحيفة، إلا أن المال أخضعها في النهاية، وحال دون أن تتخذ موقفا من بلومبرغ الذي تعهد في الكلمة التي ألقاها أمام ضيوف المجموعة، بـ"تخصيص أموال لدعم المرشحات في هذه الدورة أكثر من أي شخص من قبل".

وبالفعل، أنفق بلومبرغ أكثر من 100 مليون دولار دعما للديمقراطيين في معركة الانتخابات النصفية في العام ذاته، والتي فازوا بأغلبية في مجلس النواب بسببها.

والآن، يطالب بلومبرغ هؤلاء الذين دعمهم، بأن يردوا له الجميل بدعمه في الانتخابات التمهيدية للحزب الديمقراطي، لكي يرشح نفسه للرئاسة.

قوّة بلومبرغ ملحوظة رغم تناقضه مع مبادئ كثيرة

أشارت "نيويورك تايمز" إلى أن هناك الكثير في "أبعاد شخصية" بلومبرغ، ما يستدعي الديمقراطيين إلى التفكير مليا في اختيار بلومبرغ؛ فهذا الملياردير كان جمهوريا قبل انتسابه للحزب الديمقراطي عام 2018، كما أنه يدمج في الآونة الأخيرة بين "دعم" بعض القضايا التقدمية، بمواقف أكثر رجعية في مجال إنفاذ القانون، وتنظيم الأعمال، والنظام التعليمي، وغيرها من القاضية التي عادة ما يرفضها الديمقراطيون.

ورغم هذا كلّه، إلا أن بلومبرغ يبدو أنه على أتم الاستعداد في معركة الانتخابات التمهيدية، حيث يحظى بمكانة مرموقة، وموارد فريدة من نوعها، إضافة إلى مجموعة قوية من التحالفات وقوة سياسية مخيفة. ولقد أصبح صعوده السياسي بمثابة اختبار للتأثير الذي يمكن أن تحدثه ثروة رجل واحد عندما يطبقها على النظام السياسي.

ولفتت الصحيفة إلى أن بلومبرغ، ضخ في أقل من ثلاثة أشهر، نحو 400 مليون دولار في حملته الانتخابية، لكن هذا المبلغ لا يعني شيئا مقارنة مع ما صرفه في الأعوام الماضية، ليعرض نفسه قائدا مؤهلا للرئاسة.

المليارات تصنع مرشحا رئاسيا

فصّلت "نيويورك تايمز" في تقريرها المطول، الإنفاق الخيري والسياسي الذي قام به بلومبرغ على مدار الأعوام الماضية، والذي أفضى إلى مشاركته في السباق الانتخابي داخل الحزب الديمقراطي، وكيف شيّدت هذه الأموال التي صرفها الملياردير، بنية تحتية على مستوى الولايات المتحدة، للتأثير، وصناعة صورة قيادية لشخصه، إضافة إلى ممارسة ضغط أخلاقي لعدم محاسبة انتقاله من الحزب الجمهوري لمنافسه الأقوى، الديمقراطي.

وأشارت الصحيفة إلى أن أكثر ما يدعمه حاليا، هو تفوق السناتور الأميركي التقدمي، بيرني ساندرز، حتى الآن، في جولات الانتخابات التمهيدية، حيث أن الأول يحصل على دعم الديمقراطيين التقليديين الخائفين من أفكار ساندرز اليسارية.

(أ ب)

ومنذ مغادرة بلومبرغ منصب عمدة نيويورك في 2013، تحول هذا الملياردير إلى الداعم المالي الأهم للحزب الديمقراطي وقضاياه. وتُقدر ثروته الشخصية التي اكتسبها من المعلومات المالية وشركة الأخبار، بنحو 60 مليار دولار.

وتغذي أمواله شبكة دعم في عشرات الولايات والمدن الأميركية، وجهت سياسات ضد عنف السلاح والتغير المناخي، ولإعادة صياغة قوانين الانتخابات واللوائح الصحية؛ ولانتخاب العشرات من السياسيين في مناصب متواضعة مثل مجالس المدارس، وحتى أرقى المناصب مثل مجلس الشيوخ.

وإجمالا، أنفق بلومبرغ 10 مليارات دولار على الأقل، على مساعيه السياسية والخيرية، لكن هذا "الإنفاق الخيري"، بحسب تحليل الصحيفة التي أجرت تقريرها بناء على مقابلات مع أكثر من 50 شخصا انتفعوا من هذا الدعم، كان يتسق بمعظمه مع "اهتمامات" بلومبرغ السياسية.

وقالت الصحيفة إن بلومبرغ قد يكون على الأرجح، السياسي الأميركي الأكثر صرفا من ماله الخاص على حملته الرئاسية، في تاريخ الولايات المتحدة.

وأشارت إلى أن إنفاقه السياسي و"الخيري"، كفل له ولاء أو تعاون مؤسسات أو شخصيات قوية داخل الحزب الديمقراطي.

وفي المقابلات التي أجرتها "نيويورك تايمز" مع الديمقراطيين، لم يصف أي أحد منهم بأنه تعرض للإكراه أو التهديد من قبل بلومبرغ أو عن طريق أمواله، لكن ثروته تمثل قوّة كبيرة إلى حد تجعل الإكراه غير ضروري، إذا أنه وبحسب ما قاله أحد المطلعين على حملة بلومبرغ الانتخابية، لن ينتقده أحد في "انتخابات عام 2020 لأنهم لا يريدون المغامرة بخسارة دعمه المالي المستقبلي".

وتجلى هذا الخوف من خسارة دعم بلومبرغ، في موقف حصل عام 2015، عندما أعدت مجموعة سياسات ليبرالية تُدعى "المركز للتقدم الأميركي"، تقريرا عن العنصرية ضد المسلمين في الولايات المتحدة، إذ تضمنت مسودة أحد فصول التقرير التي رصدت مراقبة شرطة مدينة نيويورك للمجتمعات الإسلامية، عندما كان بلومبرغ عمدة المدينة، والذي ذُكر اسمه ثماني مرّات في هذا الفصل الذي تضمن 4 آلاف كلمة. إلا أن الفصل أُزيل بالكامل عند نشر التقرير بعد عدّة أسابيع.

وأكدت معدّة التقرير في حينه، وتُدعى ياسمين طيب، أنه أُصدرت تعليمات للمجموعة بإجراء مراجعات جذرية للتقرير وإزالة الفصل بأكمله "بسبب الطريقة (السلبية) التي سيصُور بها العمدة بلومبرغ".

وأسهبت الصحيفة بعد ذكر هذا الموقف، في شرح تفصيلي للدعم الخيري والسياسي المالي الذي قدمه على مدار الأعوام الماضية، والقضايا التي دعمها واتساع مدى تأثيره إلى وصول أمواله إلى جميع الولايات الأميركية.

وقالت الصحيفة إنه لم بحصل بلومبرغ على التأييد العلني لمعظم المشرعين الديمقراطيين الذين دعمهم في الانتخابات النصفية عام 2018، حتى الآن، لكن في المقابلات التي أجرتها الصحيفة معهم، أقر العديد منهم أنهم قلقون من فكرة أن بلومبرغ أصبح عرّاب الحزب.