الاتحاد الأوروبي بين كورونا واليمين العنصري

الاتحاد الأوروبي بين كورونا واليمين العنصري
ألمانيا تقود المعسكر الشمالي الرافض لإصدار سندات دين (أ.ب.)

بالرغم من المناعة التي أظهرها الاتحاد الأوروبي في وجه الخطوب السياسية والعسكرية التي واجهها عبر تاريخه، إلا أنه يبدو في طريقه إلى الانهيار بسبب جائحة كورونا الحالية، أو على الأقل هكذا يبدو، بسبب امتعاض روما وعواصم أوروبية أخرى من طريقة استجابة المؤسسة الأوروبية الأم، وتعاطيها مع ارتدادات الجائحة الأخيرة، إذ أبان تفشي الفيروس عن وجه العملة الآخر الأكثر تشرذماً في العلاقات الأوروبية، مقابل ذلك الوجه الذي كان يُرَوّج له من التعاضد والتماسك بين أعضائه في سبيل الواقع والمستقبل المشتركان، على الأقل كما أراده الآباء المؤسسون للاتحاد الأوروبي.

لذا يبدو أن موقف بعض أعضاء الاتحاد من الاقتراح المقدم من إيطاليا وإسبانيا وفرنسا، الدول الأكثر تضررًا من الوباء، في ما يتعلق باستحداث وإنشاء سندات دين الاتحاد (Coronabond)، التي يمكن بيعها في السوق، وبالتالي يمكنها تمويل الدول التي تواجه صعوبات مالية في مواجهة تكاليف الطارئ الصحي الذي يعصف بالقارة، سيدفع باتجاه انقسام الاتحاد بعد مرور هذه الأزمة. فألمانيا والنمسا وهولندا والدول الأوروبية الشمالية، تعارض هذا الاقتراح، وتدفع بدلاً من ذلك باتجاه تطبيق آلية الاستقرار الأوروبية (ESM)، ما ترفضه روما والعواصم الأخرى بسبب إجراءاتها البيروقراطية الطويلة والبطيئة، مقابل سرعة تفشي الوباء وسرعة الحاجة للتمويل من جهة، وبسبب التبعات المالية القاسية التي تفرضها الآلية على الدول المستفيدة منه، من جهة أخرى، كما حدث مع اليونان إبّان أزمتها المالية عام 2012.

وهذا ما دفع الرئيس السابق للمفوضية الأوروبية، جاك ديلور، إلى وصف الموقف الألماني والهولندي بأنه "أنانية كبيرة". وخرج بعده وزير الخارجية الألماني السابق، يوشكا فيشر، ليصرّح أن موقف الدول الشمالية "مصدر خطر على وجود الاتحاد ذاته". تأتي هذه التصريحات من إدراك الرجلان أن الجانب الاقتصادي كان الأساس الذي قامت عليه هذه الوحدة الأوروبية، بدءًا باتفاقية رفع الرسوم عن تجارة الفحم والصلب بين الدول المؤسسة الأولى في خمسينيات القرن الماضي، والتي تأسست بموجب توقيع اتفاقية روما عام 1957. فالاقتصاديون في العاصمة الإيطالية على سبيل المثال، يتوقعون انخفاضًا في الناتج الإجمالي المحلي بواقع 6.6% في نهاية العام الجاري، وارتفاع المديونية بنسبة 150%، ما يعني اختناقًا اقتصاديًا لدولة لا تزال تعاني أصلاً من صدمة مالية نتيجة أزمة 2008 الاقتصادية.

أثار هذا الموقف الرافض بقيادة برلين حفيظة عواصم أوروبية كثيرة، خصوصًا وأنها في اجتماعها يوم 27 آذار/ مارس الماضي، أرجأت النظر في الدعم المالي للدول المتضررة من الوباء لمدة أسبوعين حتى يتضح منحنى الإصابات. فقد هاجمت صحيفة "إلمانفيستو" الإيطالية، القيادة الأوروبية الحالية التي تقامر بحياة الشعوب على حساب الخوف من انهيار اقتصادي ومالي، ولم تقبل الموقف الألماني الذي رحّب باستقبال المصابين الذين تعجز إيطاليا وفرنسا عن استيعابهم في مستشفياتها. فليس لهذه الدول ترف الوقت كما أوضح رئيس الوزراء الإيطالي، جوزيبه كونتي، أثناء جلسة المجلس الأوروبي قبل أيام قليلة، للذين يريدون تطبيقًا طويل المدى للآلية الأوروبية للاستقرار.

ألمانيا (أ.ب.)

موقف الجبهة الرافضة للدعم المالي كما في تصريح وزير المالية الهولندي، ووكوب هيوكسترا، الذي دعا في ظل هذه الأزمة، "للتحقيق مع الدول الأعضاء التي ليس لديها هامش في ميزانياتها لمواجهة الوباء والتعامل معه"، وشى بحجم الشرخ الحاصل في نسيج الاتحاد الأوروبي، ودفع برؤساء أهم مؤسسات الاتحاد أن يهاجم بعضهم البعض بصورة لم تحدث من قبل. فقد انتقد رئيس برلمان الاتحاد الأوروبي، ديفيد ساسولي، "قصر نظر بعض الحكومات الأوروبية" في إشارة إلى المستشارة الألمانية، أنغيلا ميركل، ولحلفائها. وفي السياق ذاته، قال الممثل الأعلى للسياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي، جوزيب بوريل، في تصريح له إنه "لا يمكن أن يكون التضامن كلمة تستخدم دون التزام، ويجب إثباتها بالحقائق".

اتحاد منقسم على نفسه، ووجهات نظر مختلفة، وأولويات متباينة، دفعت برئيس الوزراء الإسباني، بيدرو سانشيز، الذي تعاني بلاده من معدلات إصابة وضحايا مرتفعة بسبب كورونا، أن يضع الاتحاد كله أمام خيارين في هذه اللحظة التاريخية؛ فإما "أوروبا متضامنة كما يجب، وإما الفردية والتفكك". إذًا، هي عودة إلى نقطة البداية كما عبّر عن ذلك الرئيس السابق لمفوضية الاتحاد الأوروبي، رومانو برودي، إذ أنه لا جدوى من معارضة المعسكر الشمالي لخطط المؤمنين بفكرة الاتحاد من انتشال بلادهم من وقع الأزمة الصحية، التي أوقفت عجلة الإنتاج والاقتصاد بحجة الخوف من نفق اقتصادي مظلم. فما الذي ستفعله الدول المعارضة عندما تجد نفسها أمام حقيقة مديونية هائلة لعدد كبير من أعضائها، التي ستؤثر على الناتج الإجمالي لمجموع دول الاتحاد، والمتوقع أن ينخفض إلى معدّلات قياسية بحسب بعض الخبراء.

فرصة اليمين

في خضّم هذا الانقسام الشمالي (الألماني، الهولندي والنمساوي) والجنوبي (الإيطالي، الفرنسي والإسباني) في البيت الأوروبي، على الآليات الواجب اتباعها لمواجهة الأثر الاقتصادي لتفشي الوباء، تلوح فرصة تاريخية لأحزاب القارة اليمينية، تلك المعادية لفكرة الاتحاد والداعية للخروج منه والانكفاء على الذات. فالانقسام الحاصل وفّر لها مسمارًا جديدًا تدّقه في نعش الاتحاد الذي ظهر تفككّه وضعفه عند أول اختبار حقيقي. كما وفّر لها ساحة إعلامية للترويج لبرامجها السياسية، مستفيدة من حالة الخوف التي تعتري المواطنين نتيجة تفشي كورونا.

فقد طالب السياسيون اليمينيون المتطرفون في كل من فرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا، في حملات إعلامية لا تخلو من التضليل والتهويل، بأن تفرض حكوماتهم ضوابط صارمة على الحدود لمنع تدفق المهاجرين، الذين قد يحملون المزيد من حالات العدوى إلى القارة العجوز. ففي تصريحات لها انتقدت ماري لوبين، زعيمة حزب الجبهة الوطنية في فرنسا، "سياسة اللاحدود للقيادة الأوروبية" في ظل أزمة كورونا، وطالبت بإغلاقها مجادلةً بأن ذلك يحمي سكان القارة، بغض النظر عن الوضع وتطوراته. أما أليسا فايدل، وهي نائبة في البرلمان الألماني (بوندستاغ) عن حزب "البديل الألماني" اليميني، فقد ذهبت إلى أن تفشي الوباء في القارة كان بسبب سياسة الحدود المفتوحة.

ولم يتأخر زعماء اليمين الإيطالي عن ركوب ذات الموجة في بلادهم لذات الغايات السياسية. فزعيم حزب "الرابطة" اليميني، ووزير الداخلية السابق ماتيو سالفيني، كان قد طالب منذ وقت مبكر بإغلاق الحدود، ورفض السماح للسفن المحملة بالمهاجرين قبالة شواطئ شبه الجزيرة الإيطالية بدخول البلاد. كما انتقد السياسات الأوروبية التي تحاول التدخل في شؤون بلاده بزعمه من بوابة المساعدات الاقتصادية. ولم تتأخر السياسية اليمينية، جورجا ميلوني، عن انتقاد ما سمته "الفتات المالي" لبلادها من بروكسل لمواجهة تفشي الوباء، الذي يفتك بمواطنيها خلال الأسابيع الأخيرة.

إيطاليا (أ.ب.)

هكذا، وبالرغم من أن الاتحاد الأوروبي قد أنفق المليارات منذ قيامه حتى اليوم، لتقريب وتوحيد شعوب قارة تختلف لغاتها، وثقافاتها وعاداتها، وأنشأ لذلك المؤسسات والبرلمانات والبنوك وحتى الجيوش لحمايتها، تبدو اليوم وحدته في خطر بسبب فيروس كورونا، الذي يبدو أنه يسير في طريق التهام الاتحاد، الذي بدأ بسببه الأعضاء في التخلي عن بعضهم البعض في أول محنة حقيقية. فمستقبل الاتحاد الأوروبي يجد نفسه اليوم على مفترق طرق، ويعتمد مصيره على نتائج معركتين مفصليتين؛ تتعلق الأولى بنجاحه في تجاوز الأزمة الصحية التي يعانيها وتبعاتها المالية؛ والثانية، تتعلق بمدى قدرة اليمين المتطرف على استثمار التخبط المؤسسي لصالحه في تمرير أجندته الانفصالية، وإقناع الجماهير بذلك.

إلا أن احتمالات تفكك الاتحاد تبقى بعيدة وحسابات والخروج منه معقّدة، رغم كل الخلل الذي اعترى آلياته في مواجهة وباء كورونا. فالمصلحة من بقائه في نظر الساسة الأوروبيون أكبر من أن يتم التخلي عنه في أول عثرة، خصوصًا في عالم يشهد تكتلات سياسية واقتصادية بشكل شبه دوري لتحقيق المصالح العظمى للدول. لكن لن يمر الغضب الذي عاشه المواطنون في كثير من الدول، دون الدفع لإيجاد حلول أكثر فعالية لمشاكل مشابهة في المستقبل.

ملف خاص | من النكبة إلى "الصفقة"