ترامب والانتخابات: الاحتجاجات العرقية عن يساره وكورونا عن يمينه

ترامب والانتخابات: الاحتجاجات العرقية عن يساره وكورونا عن يمينه
ترامب خلال تجمّع مع أنصاره (أ ب)

سلب تفشّي فيروس كورونا المستجدّ في الولايات المتحدة الأميركيّة الأضواء دوليًا عن الانتخابات الرئاسيّة فيها، المقرّرة في تشرين ثانٍ/نوفمبر المقبل، غير أنّ هذا التفشّي ألهب الانتخابات داخليًا أكثر، خصوصًا مع بدء وصول الفيروس إلى معاقل الرئيس دونالد ترامب الانتخابيّة.

لكنّ الولايات المتحدة منشغلة بصورة واسعةٍ أيضًا بالاحتجاجات الواسعة التي اندلعت بعد مقتل جورج فلويد خنقًا من قبل شرطي أبيض، ورغم أن التظاهرات بدأت بالانحسار، إلا أنها لا تزال مسيطرة على النقاش السياسي العام في وسائل الإعلام الأميركيّة.

ووسط هذه التطوّرات، تشير استطلاعات الرأي إلى تصدّر المرشّح الديمقراطي، جو بايدن الانتخابات، بفارق يتجاوز الـ10 نقاط، ما يعني أن خسارة ترامب شبه مؤكّدة.

وحول هذه التطوّرات كان هذا الحوار مع الباحث في المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات في واشنطن، جو معكرون:

هل اختفت الاحتجاجات الأميركيّة؟ أم أن وسائل الإعلام كفّت عن تغطيتها؟

معكرون (فيسبوك)
معكرون (فيسبوك)

التظاهرات الكبيرة على المستوى الوطني غداة مقتل جورج فلويد وصلت إلى ذروتها في المراحل الأولى. لكن، كما كان متوقعًا، بدأت تدريجيًا بالتراجع نتيجة توقيف ومحاسبة أعضاء شرطة مينيابوليس المتورطين في عملية القتل. والآن أصبحت شبه معدومة، لكن صدى هذا الحراك الشعبي لا يزال مستمرا على المستوى السياسي والاجتماعي والقانوني وحتى كانت له ارتدادات عالمية. ما يحصل حاليا هو تحول هذا الحراك إلى أنشطة محدّدة ومركّزة يقودها ناشطو هذا الحراك لتأطير مطالبهم عبر الضغط على السلطات المحلية والشركات الخاصة المعنية لتبني إصلاحات تأخذ بعين الاعتبار ضمان المساواة العرقية ووقف استخدام الشرطة للعنف المفرط. هذا التحوّل مسار طبيعي لأنّ التظاهرات قالت كلمتها والآن حان وقت محاولة مأسسة هذه المطالب.

ما هي أسباب ذلك التراجع؟

لا توجد أسباب محدّدة. الاحتجاجات مستمرة بأشكال اخرى من الأنشطة الفردية والجماعية وقد تعود في أيّة لحظة إذا تكرر حادث مشابه لقتل جورج فلويد في أيّة مدينة أميركية أخرى. تفاعلت قضية جورج فلويد لأن الرئيس ترامب سعى إلى تسييها لأسباب انتخابيّة، وحوّل بنرجسيته قضية اجتماعية مشروعة إلى صراع حول صلاحياته الرئاسية في ضبط الأمن، على الرغم أنّ هذه الصلاحيات تعود حصرًا إلى السلطات المحلية في النظام الفيدرالي الأميركي.

من الاحتجاجات ضد التمييز العرقي (أ ب)
من الاحتجاجات ضد التمييز العرقي (أ ب)

هناك أيضًا تقصير كبير من الحزب الديمقراطي نفسه، لأنّ قيادات منه مسؤولة عن السلطات المحلية في مدينة مينيابوليس وولاية مينيسوتا تأخرت في اعتقال أعضاء الشرطة المتورطين في قتل فلويد، والادّعاء عليهم كان في البداية بتهم ثانوية، وبعدها تراجعت التظاهرات حين تم اعتقال هؤلاء وتصحيح الادعاء عليهم. الآن انتهى مفعول التظاهرات لأن هناك اهتمامات وهموما أميركية أخرى، لا سيما انتشار فيروس "كورونا" والركود الاقتصادي والانتخابات الرئاسية.

برأيك، هل ستلقي الاحتجاجات بظلالها على الانتخابات الأميركيّة؟

طبعا. لا يمكن لحدث بهذا الحجم ألّا تكون له تداعيات على الانتخابات الرئاسية الأميركية، لا سيما أنّها ستجري بعد أشهر قليلة في 3 نوفمبر/تشرين الثاني المقبل. أولًا، قد تفرض على المرشح الرئاسي الديمقراطي جو بايدن اختيار امرأة سوداء لمنصب نائب الرئيس. قد تحفّز الاحتجاجات الأفارقة الأميركيين على الإقبال بشكل كبير على الاقتراع، كما ستكون ذريعة إضافية لقاعدة ترامب الانتخابية، لا سيما للناخبين البيض الرجال في الأرياف، للتصويت للرئيس الحالي. والأهم من ذلك، هذه الاحتجاجات جعلت المساواة العرقية قضية مركزية لا يمكن تجاهلها في الحملات الانتخابية والمناظرات الرئاسية.

هل سَيُحْسِن الديمقراطيّون استغلالها؟

قيادات الحزب الديمقراطي فشلت أو تأخرت في التقاط هذه اللحظة التي قادها المجتمع المدني وكانت حركة شعبية عفوية تكاثرت مثل كرة الثلج في مدن الولايات المتحدة. وهناك ثلاثة أسباب رئيسية لهذا الأمر. أولًا لأنّ المسؤولين عن السلطات المحلية في ولاية مينيسوتا حيث قتل جورج فلويد كانوا من الحزب الديمقراطي، وبالتالي عملت القيادات الديمقراطية وراء الكواليس للتأكد من تصحيح هذه السلطات المحلية لأدائها بدل انتقادها علنا. ثانيًا، دخول ترامب على الخط أدّى إلى تعقيد الأمر، وحاولت حملة بايدن تفادي تحويل قضية عرقية إلى معركة حملات رئاسية. وثالثًا، كان بايدن في هذه الفترة في المنزل كتدبير وقائي من "كورونا"، والتوجه في الحزب الديمقراطي كان أنّه من الأفضل ترك ترامب يتخبط في مواقفه، بدل أن يخرج بايدن إلى الإعلام ويكرّر بعض الهفوات التي يقوم بها عادة. في المجمل، مواقف ترامب المتشددة حيال الاحتجاجات ستزيد من تمسك الأقليّات بالتصويت لصالح الحزب الديمقراطي، لكن على الديمقراطيين تحسين أدائهم السياسي والانتخابي إذا أرادوا الفوز بالانتخابات الرئاسية.

تظهر استطلاعات الرأي تقدم بايدن بفارق كبير عن ترامب، ما هو الفارق بين تقدّم بايدن الآن وبين تقدم كلينتون، التي تراجع لاحقًا وصولا لفوز ترامب؟

لا شيء محسوما في السياسة الأميركية المعروفة بتقلباتها، لا سيما مع مرشح رئاسي مثل ترامب. الانتخابات على بعد أشهر من الآن والاستطلاعات قد تتغير، لا سيما عندما يبدأ بايدن بالخروج أكثر إلى الإعلام والمشاركة في المناظرة مع ترامب. لكن طبعا هناك انحدار مستمر لأرقام ترامب في استطلاعات الرأي نتيجة تعامله مع فيروس كورونا، والاحتجاجات الشعبية والركود الاقتصادي، وهذا ينعكس في خطاب ترامب الحاد مؤخرا وتغريداته المتوترة، بحيث تتوسع المعارضة الجمهورية المعتدلة ضده كما تنقض المحكمة الدستورية العليا معظم قراراته. لكنه لا يزال يتمتع بالدعم المطلق من قاعدته الشعبية التي لا يبدو بعد أنّها مستعدة للتخلي عنه.

بايدن (أ ب)
بايدن (أ ب)

التحدي أمام الديمقراطيين هو تحفيز القاعدة الليبرالية كي تصوت لبايدن، لا سيما القاعدة اليسارية غير المتحمّسة له. لأن الطريقة الوحيدة لهزيمة ترامب هي تأمين أعلى نسبة ممكنة من الإقبال يوم الانتخابات.

بدأ كورونا بالوصول إلى القرى والمدن النائيّة، وأشار تقرير لـ"نيويورك تايمز" أن هذه هي قواعد ترامب الانتخابيّة، برأيك هل ستؤثّر على حظوظه؟

ليس واضحا بعد كيف سيؤثر انتقال كورونا إلى هذه المناطق التي تميل إلى المحافظين. لكنّ تفشّي الوباء في ولاية محورية مثل فلوريدا قد يدفع الناخبين المستقلين والجمهوريين المعتدلين للاقتراع لصالح بايدن، ومن المعروف مدى أهميّة ولاية مثل فلوريدا في الانتخابات الرئاسية. كما قد يؤدي انتشار كورونا المتجدد في أميركا إلى احتمال تسريع انتقال ولاية جمهورية مثل تكساس إلى الضفة الديمقراطية حيث يتوسع فيها نطاق المدن وتتغير الديمغرافيا في هذه الولاية، التي، لأوّل مرة، يخصّص مرشح رئاسي ديمقراطي (بايدن) أموالا انتخابية ووقتا لها، لأنّ هناك فرصة لتحقيق اختراق فيها يؤدي إلى تحوّل جذري في الخريطة الانتخابية. لكن بالإجمال، الوقت مبكر لإصدار أحكام مطلقة. الأمور تتسارع في السياسة الأميركية وهناك تحولات اجتماعية كبيرة تجري حاليا سيكون لها تداعيات طويلة المدى على المجتمع الأميركي.

الفعل الثقافيّ الفلسطينيّ في ظلّ كورونا | ملفّ