عودة إلى جذور الصراع: احتدام المواجهات في ناغورنو كاراباخ

عودة إلى جذور الصراع: احتدام المواجهات في ناغورنو كاراباخ
من المعارك الجارية (أ ب)

أعلنت القوات الأذربيجانية من جهة، والأرمنية من جهة أخرى، اليوم الثلاثاء، تكبيد كل منهما الجانب الآخر خسائر فادحة، فيما تحتدم المعارك لليوم الثالث حول إقليم ناغورنو كاراباخ الانفصالي.

ولم تلق دعوات من قادة دول العالم إلى وقف الاشتباكات العنيفة التي اندلعت، الأحد، آذانا صاغية لدى الخصمين اللذين كانا من جمهوريات الاتحاد السوفياتي السابق، ويتنازعان منذ عقود السيطرة على كاراباخ.

ومن المقرر أن يجتمع مجلس الأمن الدولي، الثلاثاء، لإجراء مناقشات عاجلة حول التصعيد العسكري في الإقليم، وحيث أوقعت المعارك الكثيفة في الأيام الأخيرة نحو 100 قتيل وفق تقارير مؤكدة.

وأكد الجانبان الثلاثاء استمرار المعارك رغم دعوات دولية لوقف إطلاق النار.

وقال مسؤولو الدفاع الأرمنيون إن الانفصاليين في كاراباخ تمكنوا من صد هجمات أذربيجانية على طول الجبهة الأمامية مؤكدين بأن "العدو تكبد خسائر بشرية فادحة"؟

وقالت وزارة الدفاع في أرمينيا إن الجيش الأذربيجاني تكبد خسائر كبيرة منذ اشتعال المواجهات، مع إسقاط نحو 50 طائرة من دون طيار وأربع مروحيات وتدمير 80 دبابة.

بدورهم نفى مسؤولو الدفاع في أذربيجان، تقارير المقاتلين الانفصاليين التي ذكرت بأن قوات مدعومة من أرمينيا استعادت السيطرة على مناطق في كاراباخ كانت قد خسرتها في المعارك التي اندلعت يوم الأحد الماضي.

وقالوا إن "معارك ضارية" استمرت حتى ساعة مبكرة من صباح الثلاثاء، وبأن جيشهم تصدى لهجوم أرمني مضاد، ودمر "قافلة أرمنية ووحدة مدفعية"، وفي وقت لاحق فوج مشاة تسانده عربات عسكرية بأكمله.

وقال المسؤولون في أذربيجان إن القوات الأذربيجانية "واصلت هجوما على مدينة فيزولي ودمرت أربع دبابات للعدو وآلية مدرعة وقتلت عشرة جنود"، وأضافت أن "العدو طلب مساعدة لإجلاء جثث وجرحى الجنود".

وبعد أكثر من ربع قرن على تجميد النزاع في إقليم ناغورنو كاراباخ الذي يقطنه الأرمن في أذربيجان، تشير الوقائع إلى أن الوضع يتجه نحو التحول إلى حرب متكاملة، مع اتساع عمليات القتال التي انطلقت يوم الأحد الماضي، ما يضع أرمينيا وأذربيجان على عتبة أكبر مواجهة عسكرية منذ عام 1994.

ويخشى إذا ما اندلعت حرب مباشرة بين أذربيجان المسلمة وأرمينيا ذات الغالبية المسيحية أن تُستدرج إلى النزاع قوتان إقليميتان هما روسيا وتركيا اللتان تدعم كل منهما الطرف الآخر.

وفي الوقت الذي أعلنت فيه الجمهوريتان السوفييتيتان السابقتان النفير العام، وتبادلتا تصريحات حازمة تؤكد عزمهما اللجوء لسيناريو القوة، تسعى موسكو لأداء دور الوساطة وسط إجراء الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، ووزير خارجيته، سيرغي لافروف، اتصالات مع طرفي الأزمة.

وتنضوي يريفان في تحالف عسكري يضم جمهوريات سوفياتية سابقة بقيادة موسكو. ودعا الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى وقف القتال.

وتدعم أنقرة أذربيجان، وتُتهم بإرسال مرتزقة من شمال سورية دعما لجيش باكو، وقال الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، أمس، الإثنين، إنه حان الوقت "لإنهاء" الخلاف الذي طال أمده حول كاراباخ .

ولم تعلن أذربيجان عن أي خسائر في صفوفها، لكن الحكومة الانفصالية بثت تسجيلات من ميدان المعارك تظهر ما قالت إنها جثث جنود أذربيجانيين.

وأكد مراقب حقوق الإنسان في أرمينيا، أرمان تاتويان، الثلاثاء، وفاة مدنيَين اثنين، فيما أعلن الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف إن الخسائر في صفوف المدنيين في الجانب الأذربيجاني وصلت، الثلاثاء، إلى عشرة قتلى.

ويرتفع بذلك العدد المؤكد للقتلى في المعارك إلى 98، هم 84 مقاتلا من الانفصاليين و14 مدنيا.

المجتمع الدولي يحض على التوصل لحل سياسي

ويعقد مجلس الأمن الدولي، اليوم، اجتماعًا طارئًا مغلقًا يناقش فيه التطوّرات في ناغورنو كاراباخ وفق ما أفادت مصادر دبلوماسية، أمس، الإثنين. وقالت المصادر إنّ الاجتماع سيعقد عن منتصف الليل تقريبا، بطلب من بلجيكا إثر مبادرة قامت بها ألمانيا وفرنسا.

ودعت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل "بشكل عاجل إلى وقف فوري لإطلاق النار والعودة إلى طاولة المفاوضات"، وفق ما أعلن المتحدث باسمها الثلاثاء، بعد محادثة لها مع كل من علييف ورئيس الوزراء الأرمني نيكول باشينيان.

عودة إلى جذور الصراع

ويقع إقليم ناغورنو كاراباخ، أو ناغورني قره باغ، التي تعني حرفيا "الحديقة السوداء الجبلية" غير المعترف باستقلاله من أي بلد عضو في الأمم المتحدة، في منطقة جنوب القوقاز بين أرمينيا وأذربيجان، وتبلغ مساحته 4.4 آلاف كيلومتر مربع، وعدد سكانه نحو 147 ألف نسمة، وعاصمته الإدارية مدينة ستيباناكيرت.

وأصبحت هذه الأراضي جزءا من الإمبراطورية الروسية في القرن الـ19 نتيجة للحرب الروسية الفارسية في أعوام 1804 - 1813، ولكن تبعيتها ظلت موضع خلاف بين أرمينيا وأذربيجان لسنوات طويلة.

وفي عشرينيات القرن الماضي، حسمت القيادة السوفييتية عندما قرّر جوزيف ستالين عام 1923 ضم الإقليم إلى أذربيجان ومنحه حكما ذاتيًا، بحجة "ضرورة السلام القومي بين المسلمين والأرمن".

وتفجّر الخلاف بين أرمينيا وأذربيجان بشأن السيادة على الإقليم عام 1988، في مرحلة انهيار الاتحاد السوفياتي. وبلغ النزاع ذروته بإعلان الدولتين استقلالهما عن الاتحاد السوفياتي عام 1991.

وتطالب أذربيجان باستعادة السيطرة على الإقليم الجبلي الذي لم يعترف المجتمع الدولي، ولا حتى أرمينيا، بانفصاله عن باكو عام 1991.

وأدى إعلان الإقليم استقلاله عن أذربيجان إلى حرب في مطلع التسعينات، أودت بحياة نحو 30 ألف شخص، ونحو مليون نازح، قبل التوصل إلى اتفاق لوقف إطلاق النار عام 1994.

وتُشكل عدة دول، على رأسها روسيا والولايات المتحدة وفرنسا ما عرف بـ"مجموعة مينسك"، المفوّضة دوليًا بالعمل وسيطا لحل هذا النزاع. ونظمت المجموعة عدة جولات من المحادثات لهذا الغرض، لكنها لم تُكلل بالنجاح.

وتجمد النزاع بعد تعثر المحادثات الهادفة لتسويته النزاع، والتي بدأت مع تفكك الاتحاد السوفياتي في 1991، منذ اتفاقية لوقف إطلاق النار عام 1994.

وبذلت فرنسا وروسيا والولايات المتحدة جهود وساطة ضمن "مجموعة مينسك"، لكن آخر وأكبر تلك المساعي باءت بالفشل في 2010.